زهريري دبهرا .. إنطلقت في الأول من تشرين الثاني قبل 172 عاماً

زهريري دبهرا .. إنطلقت في الأول من تشرين الثاني قبل 172 عاماً

رموز ومحطات في مسيرة الصحافة السريانية

سامر الياس سعيد

لايختلف اثنان على ما تبرزه الصحافة كسلطة رابعة واداة مهمة بالتوثيق المعرفي للازمنة والتواريخ والاحداث التي تتوالى على المجتمع حتى عدت الصحافة فاصلا مهما وواجهة مميزة للتغلغل في ثنايا المجتمع واستحضار افكاره ومقوماته من خلال ما ينشر في صحافته من اراء وافكار تبرز هواجس ابنائه وتفصح عما يدور بمخيلة النخب المثقفة من تلك الشرائح التي تكون اعمدة مهمة من المجتمع ككل .

 وفيما تتخطى الصحافة السريانية عامها الثاني بعد قرن وسبعون عاما توالت من خلالها محطات ازدهار وعدم استقرار اضافة لمئات الاسماء التي توالت على تلك المسيرة الحافلة لتسبر اغوار هذا الميدان الذي عملت فيه نخب مهمة لتضيء ميادين الحياة امام اقرانها بما حوته صفحات تلك المطبوعات من صحف ومجلات على المثالات التي وازنت بين اصالة هذا الشعب وقضاياه المصيرية التي تناولت محنته بين مواطنه الاصلية ومواطن الغربة التي عرفت من خلالها صحافة المهجر خصوصا وان اولى تلك الاشعاعات ممثلة بصحيفة( زهريري دبهرا ) التي صدرت في ارومية بايران عام 1849 من قبل كلا من الصحفيين بينامين لاباري ومساعده ميزرا شموئيل حيث صدرت في غير المناطق الاصلية كون مناطق تواجد المكون المسيحي كانت خاضعة عبر تلك الحقبة لسيطرة الاحتلال العثماني الذي قيدته فتاوي تحرم طباعة المطبوعات فتاخرت بناءا على تلك الفتوى بروز انتشار الات الطباعة التي مثلت مفصلا مهما من اداة التنوير المعرفي في مد خطوط الثقافة عبر الدول لاحقا ومنها ما شهدته مدينة الموصل حينما عرفت الطباعة بالة حجرية عن طريق الاباء الدومنيكان وذلك عام 1860حيث كانت مطبعة ايطالية حديثة تم نصبها مع ادواتها داخل دير الاباء الدومنيكان بمدينة الموصل .. وقد نالت ارشفة الصحافة السريانية وتوثيق محطاتها اهتماما لامحدود من قبل الكثير من الموسوعيين والمؤرخين حينما توجهوا لابراز محطات الصحافة السريانية والوقوف عند محطاتها التي تقارب القرنين.

 ومن ابرز من تناولت تلك المحطات الموسوعي الاكاديمي الراحل الدكتور فائق بطي فمن خلال موسوعته التي اعتنت بتاريخ وشخصيات من الصحافة السريانية في العراق والذي صدر عن المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية في اربيل عام 2012 فحمل الفصل الاول من الموسوعة تناول بطي لبدايات تلك الصحافة لاسيما من خلال صحيفة زهريري دبهرا التي اشرنا ايها الى جانب صحيفة (سوادايا )التي اطلقها الصحفي بادل خانكالدي ومثلت بصدورها في العام التالي لصدور( زهريري دبهرا )منفذا لنشر الادب الاشوري المعاصر كما اسهمت بتوطيد العلاقات بين الشعب الاثوري والشعوب المجاورة بناءا على ما تابعه مؤرخون حول تلك الحقبة .

تطور الصحافة

كما التفت بطي عبر الفصول التالية الى كلا من دور السريان في الصحافة العراقية والسريان بين السياسة والصحافة ومواكبة السريان لتطور الصحافة اضافة لنمو وتعددية الاصدارات الخاصة بهذه الصحافة كما اضاء بطي في سياق كتابه لصحافة الحركات والاحزاب فيما توقف عند الصحافة السريانية بعد سقوط النظام البعثي الى جانب اصدائه لصحافة المهجر والمنافي .. ولاشك في ان المحطات التي مرت بها الصحافة السريانية كانت زاخرة بمئات العناوين التي اصدرها صحفيون وسموا تلك الحقب باسمائهم مبرزين في سياق اصدارتهم التي عرفها التاريخ الكثير من التفاصيل المتعلقة بمناطقهم اضافة لقضاياهم الراهنة التي اصدوا حولها افكارهم..

 كما عمل في شان التوثيق الصحفي لهذه الصحافة الكاتب نوري بطرس عطو عبر كتابه الذي حمل عنوان( كرونولوجيا الصحافة السريانية ) والذي صدر عام 2017 ليتوقف عطو من خلال كتابه عبر المئات من الاصدارات مبرزا تفاصيل حول هوياتها والقائمين عليها اضافة الى ما احتوته من الية اصدار وبعض المواضيع والمقالات التي حملته تلك الاصدارات كما عني عطو بجمع تفاصيل من اضاءات تناولها مؤرخون ومهتمون في سياق تلك المسيرة ..

 والملفت من خلال ما اعتنى به عدد من مؤرخي الصحافة السريانية اشارتهم الى ان الصحفيين السريان من خلال اصدارتهم الصحفية لم يكن دورا هامشيا او عفويا او بمجرد اصدار فحسب بل لعبوا دورا تنويريا توسعت افاقه بريادة مفاصل اخرى من ميادين الثقافة العربية حينما برز منهم رجالات ورواد في شتى فروع هذه الثقافة وتركوا بصماتهم في سجل الثقافة والصحافة بما اصدروه من الصحف والمجلات التي يستند عليها الباحثون والدارسون المعنيين بالثقافة ..

من تلك الرموز التي ينبغي التوقف عند محطاتها لاسيما في العراق من امثال روفائيل بطي وسليم حسون وتوفيق السمعاني ورائدة الصحافة النسائية باولينا حسون ومريم نرمة ويوسف رزق الله غنيمة وميخائيل تيسي الذي تخصص في الصحافة الساخرة اضافة لما قدمه من ملامح مهمة في هذا التاريخ المطران سليمان الصائغ عبر مجلته النجم الموصلية والتي تعد من اقدم واطول المطبوعات عمرا في تاريخ الصحافة السريانية الدينية اضافة الى ما اسهم به الاب انستاس الكرملي ومجلة اكليل الورود التي عدت اولى المجلات العراقية واكثرها تنوعا بصدورها بثلاث لغات ومجلة المشرق التي كان مديرها المسؤول الراهب بولس بهنام (ألمطران فيما بعد ) وكل تلك المطبوعات كانت قد صدرت فيمحطات مختلفة ما بين ثلاثينيات وفترة الاربعينيات والخمسينات قبل ان تلج الصحافة محطة اخرى عبر عناوين اخرى ففي منتصف الستينات عرف العراق ومسيحيوه بشكل خاص مجلة( الفكر المسيحي) فيما عرف في العقد اللاحق عبر مطلع السبعينات صدور مجلة ( بين النهرين) التي كان يراس تحريرها الاب الدكتور الرراحل يوسف حبي كما تزامن مع ذلك التاريخ صدور المجلة المذكورة وبالتحديد في عام 1973صدورالمجلة الادبية الثقافية المعروفة بمجلة ( المثقف الاثوري) وكان رئيس تحريرها الصحفي ولسن نرسا حيث صدرت عن النادي الثقافي الاثوري الذي تاسس في العاصمة بغداد عام 1970كما صدرت مجلة الثقافة السريانية المعروفة (بالصوت السرياني )والتي كانت لسان حال الجمعية الثقافية للناطقين بالسريانية وذلك في عام 1973 اضافة لحقبة السبيعينات التي شهدت صدور مجلة المجمع العلمي للغة السريانية حيث صدر عددها السنوي الاول عام 1975وحتى حلت حقبة الثمانينات لتشهد ايضا وتيرة مهمة من الاصدارت نذكر منها (خويادا )التي اصدرها مكتب الثقافة السريانية في الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق عام 1984 حيث كان رئيس تحريرها شموئيل ايرميا ثم تلت تلك الفترة حقبة التسعينيات التي شهدت احداثا مهمة على صعيد العراق فبرزت صحف ثقافية منها مجلة( نجم بيث نهرين ) التي صدر عددها الاول عام 1992 عن المركز الثقافي الاشوري بمدينة دهوك كما شهدت تلك الحقبة اصدارات كنسية للمجلات مثل مجلة( نجم المشرق) الخاصة بالبطريركية الكلدانية فيما عنيت المؤسسات الثقافية السريانية باصدارات مهمة لمطبوعاتها ومنها مجلة( بانيبال ) التي صدر عددها الاول في عام 1998وكانت لها صفحات متخصصة في الدراسات والاثار والتعريف بالاعلام اضافة للاهتمام بالتراث ..

كما شهدت حقبة الالفية وعبر سنواتها الاولى اصدارات اخرى تشير لازدهار في الصحافة السريانية ومن تلك المطبوعات (المثقف الكلداني )التي صدرت بعنكاوا عن طريق جمعية الثقافة الكلدانية عام 2001 و(صدى بابل) التي صدرت في بغدادعن نادي بابل الكلداني وذلك في عام 2000كما عرفت المسيرة الخاصة بالصحافة عددا من الصحف التي صدرت عن احزاب وحركات سياسية نذكر منها ( بهرا) وجريدة (بيت نهرين) و(صدى السريان) و(موتو عمايا ) و(سورا )و(نيشا).

 وقد شهدت بلدات شعبنا في حقبة قبل سيطرة تنظيم داعش نموا مضطردا للصحافة في تلك البلدات اضافة لوتيرة الاصدارات المستمرة لعدد من المجلات الثقافية كمجلة( سفروثا )التي اضحت لسان حال اتحاد الادباء السريان و(الكاتب السرياني) التي عاودت صدورها بعد محطة توقف دامت لسنوات حيث صدرت مجددا عن المكتب الثقافي السرياني في الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق ..

قناديل العرفان

بعد هذه المسيرة التي اختصرنا فيها الكثير من المحطات بسبب ضيق الوقت لكنها مع ذلك تسهم باضاءة قناديل العرفان والشكر لتلك القامات التي عملت بجهد وعرق على الحفاظ على ثبات وصمود صحافتنا السريانية التي تواجه اليوم كما واجهت سابقا محن الاستهداف والتذبذب في وتيرة الاصدار محنة اخرى من خلال عدم صدور عناوين جديدة او اضطرار تلك النهضة التي شهدتها بلداتنا للتوقف تماما دون الالتفات لاستئناف مثل تلك المطبوعات التي من شانها ان تكون شاهدة على عصرها تماما مثلما هو الحال مع مجلات الرعيل الاولى التي عملت على تعبيد الطريق للاجيال اللاحقة من اجل حمل مشاعل التنوير الثقافي والاضطلاع بدورها الاساسي والرئيسي في ابراز مفهموم الصحافة وفضاءاتها التي تعترف بالعرفان والتقدير باضاءاتها لجهود المجتمع وبصماته في سبيل البناء الفكري والمعرفي ..

مشاركة