زمن الصمت غياب المرأة وهيمنة الثقافة الذكورية

زمن الصمت غياب المرأة وهيمنة الثقافة الذكورية

 حامد عبدالحسين حميدي

عنونة رواية ( زمن الصمت ) للقاصّ والروائي ( محمد الصندلي ) تحلينا الى فكّ شيفرة المضاف اليه وأعني به ( الصمت ) وما يشكله من ثيمة دلالية تمنحنا تساؤلاً صريحاً : لماذا هذا الزمن تحديداً الذي خصّصه الروائي ؟ وهل هنالك مسوغات باطنية جعلته يتخذ هذا الموقف؟

تعتمد( نظرية دوّامة الصمت) للعالمة الألمانية (إليزابيث نويل نويمان ) عام 1974م ، والتي تعد من أولى وأهم النظريات في تفسير سلوكية الجماهير تجاه الأحداث المجتمعية ، على مبدأ أنّ الفرد يعيش في مجتمع ويتفاعل مع بيئة الرأي العام بمقوماته وعوامل تشكيله، لأن الفرد يتشكّل رأيه على وفق الرأي العام السائد في المجتمع المتواجد فيه، وبالتالي يتكون الرأي العام بما يتّسق مع الأفكار التي تدعمها وسائل الإعلام ، فيتشكّل الرأي العام الجماهيري الموحّد. بينما المعارضون لهذا التوجّه أو لذلك الرأي؛ فيتّخذون موقف الصّمت تجنباً لاضطهاد الجماعة، وخوفاً من العزلة الاجتماعية، وبالتالي إذا كانوا يؤمنون بآراء مخالفة لما تعرضه وسائل الإعلام والاتصال؛ فإنهم يحجبون آراءهم الشخصية ويمتنعون عن المشاركة في الحديث، وهنا يكون الصمت هو تعبير عن الرفض لا القبول.

فالروائي ( الصندلي ) مُدركٌ تماماً أنّ روايته تحمل رؤيته الذاتية ذات الطابع العام ، وفكره الذي يميل الى الصمت بشكله الدالّ ، حيث جسّد من خلال بعض شخصياته ذلك الموقف الواضح ، لتسير أحداثه وبحسب ما خطّط لها ، الصّمت في زمن لم نستطع فيه أن نعبّر عن رأينا علناً وتصريحاً بل نعبّر عنه ضمنياً حاملين في دواخلنا أزمات وعقد نفسية خارجة عن ارادتنا .

يطالعنا الروائي عن جملة أحداث وهي تواجه بطل روايته ( فوزي) ، خلال سفره من العمارة الى بغداد بوساطة حافلة الركاب ، وما جرى من حوار شيّقٍ ساخنٍ بينه وبين أحد الشخصيات ، بطريقة السرد الاسترجاعي المتكامل الرؤية ، لفترة الحصار الاقتصادي المفروض على العراق إبان حقبة بداية التسعينات ، وما خلفه من اضرار مادية ومعنوية ونفسية على أفراد المجتمع ، وشيوع الثقافة العشائرية من خلال ذكر اسماء الشيوخ ( الشيخ ضيدان شيخ قرية ألعزام ) و( الشيخ موزان ابو عيدان شيخ قرية الوضحة ) ص 39 . وما دار بين العشيرتين من قتال وما ينتج عنه من خسائر بشرية ومادية ومعنوية ص 67. والقتل غير المبرّر كحادثة ( شوهد القتيل غلام في الثالثة عشر ) ص 37 . وشيوع ثقافة الثأر والهدنة والاحتكام الى شيوخ الحكمة والفراضة ص 42 . وثقافة التقرّب للمسؤولين ووهمية مشاريعهم ص 35 – 36 . ونقاط التفتيش ( السيطرات ) التي تثير لدى الفرد نوعاً من النفور اللاإرادي كونها تمثل نقاط استفزازية وتدلّ على هيمنة الطابع العسكري ، كما ورد في ص 19-21? وتوثيق البطل لأحداث واقعية لمعارك ومعسكرات الجيش ومناطقية عديدة ، وأمور حياتية مرّ بها وعاشها حرفياً ص 114 .

( الصندلي ) رغم ما غلب على روايته من أحداث شائكة وشخصيات مركبة وبسيطة ، إلا أنّ طابع التندر والطرفة والفكاهة لم تخلّ روايته منها ص 117 / 122 ? كان مبثوثاً هنا وهناك يمزجها بعنصر التشويق والمواءمة تصاعدياً ، حيث استطاع أنْ يشدّ القارئ والمتابع لأحداثه شدّاً ماتعاً مما يدلّ على قدرته وبراعته في الاغراق بالتفصيلات المكانية بغية تعايش القارئ الفاعل ضمن هذه الحدود ، كما برع في تنسيق الحوارات ضمن لغة يومية متماوجة بين الفصيحة والدارجة ، واستخدامه الاقتباس والتضمين القرآني ( لا تبقي ولا تذر ) ص 56 ?( وجهت وجهي وسلمت أمري للذي فطر السماوات والارض حنيفا ) ص 114? ( لوليت بجلدي عن نفسي فراراً ) ص 120 ? وكذلك استشهاده بالشعر الفصيح والشعبي  ص 91/ 96/ 99.

كما نلاحظ من خلال تتبعنا أنّ الروائي لم يعمد أو يعتمد اظهار المرأة كشخصية مركبة فاعلة ومؤثرة مجتمعياً ولم يمنحها مساحة كافية في روايته بل اكتفى ببعض النتف البسيطة جداً ، كحادثة المرأة المسنّة ص 20 ? وتجنبه ذكر اسم لأنثى ما عدا كنية (أم فوزي) ص 101 ? بل اكتفى باستخدام مفردة امرأة والمرأة ص 70 / 89 / 90 / 100 / 106…حيث غلبت على روايته الطابع الذكوري وهيمنته على كل مفاصل الحياة اليومية ،فالرواية حفلت بالنقد اللاذع الساخر والتهكم الاغراقي وبطريقة منبسطة ص 108.

الرواية سارت حدثياً ضمن مسارين هما : ( المسار الأول ) المسار ( الداخلي ) وتضمن حدود سير ( حافلة الركاب ) وبطريقة الاسترجاعية الكاملة لأحداث محددة ، وهي الحدث العشائري وما نتج عنه ومديات تأثيره علينا .

( المسار الثاني ) وهو المسار ( الخارجي ) بعد الخروج والنزول من الحافلة ، أخذت الأحداث أكثر اتساعاً ووقائعاً وشخوصاً .

ولا بدّ أن أشير الى أن الروائي استخدم ( وقادة السجائر ) والصواب ( قدّاحة ) ( القَدَّاحةُ : حديدةُ الزّندِ التي يُقدح بها لتُخرجَ النارَ ) ص 12  ( وبجسده المستدير غارق / والصواب غارقاً ) و ( أيما أصدق / والصواب أيهما ) ص 13 ? ( واستوى في / والصواب على ) ص 18 .

العاب شعبية

وقد وفق الروائي في أمور أخرى منها ذكره بعض أكلات الجنوب (الفطور أقراص السياح أو الرصاع ) ص 26 و ( كعك أبو السمسم ) ص 102  وبعض الالعاب الشعبية السائدة ( منافسات الكعاب والدعبل على قارعة الدرب ) ص 88  والبخور الحرمل ص 91 .

مشاركة