زمن الجوع والتخمة – مقالات – معتصم السنوي
يتحدث أحد المُحسنين بأنه مرَّ برجلٍ يائسٍ من الحياة، فرأيته واضعاً يده على بطنه كأنما يشكو ألماً، فرثيت لحاله وسألته: ما باله؟ فشكا إليّ الجوع، فتصدقت ببعض ما قدرت عليه ليسكت معدته الخاوية، ثم تركته وذهبت إلى زيارة صديق لي من أرباب الثَّراء والنعمة، فأدهشني أني رأيته واضعاً يده على بطنه، وأنه يشكو من الألم ما يشكو ذلك الجائع الفقير، فسألته عمّا به فشكا إلي (البطنة- التخمة)، فقلت: ياللعجب! لو أعطى ذلك الغنيُّ ذلك الفقير ما فضل عن حاجته من الطعام ما شكا واحد منهما سقماً ولا ألماً.. لقد كان جديراً به أن يتناول من الطعام ما يُشبع جوعَته، ويطفئ غلَّته، ولكنه كان محباً لنفسه، مغالياً بها، فضمَّ إلى مائدته ما أختلسه من صحفة الفقير فعاقبه الله على قسوته بالبطنة، حتى لا يهنأَ للظالم على ظلمه ولا يطيب عيشه، وهكذا يصدق القائل: “بطنة الغنيّ انتقام لجوع الفقير..” ما أظلم الأقوياء من بني الإنسان، وما أقسى قلوبهم، ينام أحدهم ملءَ جفنيه على فراشه الوثير، ولا يُقلِقه في مضجعه أنه يسمع أنين جاره، وهو يرعد برداً وقرّاً، ويجلس أمام مائدةٍ حافلةٍ بصنوف الطعام، قديده وشوائهِ، حلوه وحامضه، ولا ينغِّص عليه شهوته علمه أنّ بين أقربائه وذوي رحِمهِ مَنْ تتوائب أحشاؤه شوقاً إلى (فتاة) تلك المائدة ويسيل لعابه تلهُّفاً على فضلاتها، بل أنَّ بينهم من لا تخالط الرحمةُ قلبه، ولا يعقد الحياء لسانه، فيظلُّ يسرد على مسمع الفقير أحاديث نعمته، وربما أستعان به على عدِّ ما تشتمل خزائنه من الذهب وصناديقُه من الجوهر وغرفهُ من الأثاث والريش، ليكسر قلبه وينَّغص عليه عيشه ويبغض إليه حياته وكأنه يقول له في كل كلمةٍ من كلماته وحركةٍ من حركاته: أنا سعيد لأني غنيّ، وأنت شقي لأنك فقير..!لا أستطيع أن أتصوّر أن الإنسان إنسانٌ حتى أراه محسناً، ليكسب مرضاة الله، ويُشعر بقيمته الإنسانية، وأن ما يفرق الإنسان عن الحيوان هو الإحسان!! وقد توصل الحكماء إلى أن الناس ثلاثة: رجل يحسن إلى غيره ليتخذ إحسانه إليه سبيلاً إلى الإحسان إلى نفسه، وهو المستبدُّ الجبارُ الذي لا يفهم من الإحسان إلا أن يستعبد الإنسان، ورجل يحسن إلى نفسه ولا يحسن إلى غيره وهو الشَّره المتكالب الذي لو علم أن الدم السائل يستحيل إلى ذهبٍ جامدٍ لذبح في سبيله الناس جميعاً، ورجل لا يحسن إلى نفسه ولا إلى غيره وهو (البخيلُ) الأحمق الذي يُجيع بطنه ليشبع صندوقه، وأما الرابع: هو الذي يحسن إلى غيره، ويحسن إلى نفسه فلا يعلم له مكاناً، ولا توجد له سبيلاً، وأحسب أنه هو الذي كان يفتشَّ عنه الفيلسوف اليوناني”ديوجين الكبي” حينما سُئل: ما يصنع بمصباحه؟ وكان يدور به في بياض النهار فقال: أفتَّش عن إنسان”.


















