زمان جديد

404

زمان جديد
المتريفون
حسين سرمك حسن
لفظة “معدنة” كمصدر مشتقة من اسم “المعدان”، وهم ــ وهذا لزام وطني يجب أن ننبه عليه ــ مكوّن وطني محترم من مكونات شعبنا، عانوا الأمرين من عدم قدرتهم ــ وهم البريئون البسطاء القادمون من عمق الأهوار المنعزلة المحرومة ــ علي التكيف مع الحياة المعقدة في المدن واستخدام ما أدخلته من أدوات وآلات حضارية. فكانوا يتعرضون لمواقف محرجة كثيرة، وكانوا ــ للأسف ــ موضوعا أساسيا للسخرية في الفن المسرحي الكوميدي العراقي. وقد زرناهم في أهوار “الصحين” في السبعينيات وشاهدنا ثقل ومرارة الحياة التي يعيشونها في بيوتهم الطافية.
اذن لنتفق علي أننا لا نقصد بالادانة فئة من أبناء شعبنا أبدا. لكن ما نقصده أمر منطقي جدا، ويتمثل في حقيقة أن لغة أهلنا “المعدان” ولهجتهم، لا تصلح للخطاب الاعلامي. فالخطاب الاعلامي يجب أن يكون صحيحا لغويا، فصيحا أو قريبا منه، محكم مخارج الكلمات وطريقة لفظها، مستقر النبر، مفهوما لدي جميع من يخاطبهم من الجمهور.
لكن ما يحصل في فضائيات عراق اليوم غريب جدا ولا علاقة له بافرازات الاحتلال أو السياسة. فهو لفظك وطريقة كلامك.
الملاحظة التي أقدمها هنا ليست ملاحظة عابرة.. بل “ظاهرة”.. ففي أغلب الفضائيات العراقية تظهر برامج يستخدم فيها المذيع والضيف لغة ولهجة هي من أردأ اللغات وأتفه اللهجات. يظهر سياسي من الوجبة الجديدة يحتل موقعا في غاية الأهمية في الدولة ويكرر: »لا يا بعد روحي .. لا يا بعد عيني .. ــ ا شنهي هيّه« .. هل هذا معقول ــ هل هذا عجوز في مسرحية من الجنوب أم سياسي رصين وناضج له لغة خطاب رصينة معروفةــ
مقدم برامج آخر نقل لغة المقهي والشارع وسوق هرج الي الاعلام التلفزيوني والمصيبة أن الناس فرحون بأسلوبه لأن من معطيات علم النفس في تحليل الشدائد هو أن “النكوص ــ regression” هو من الآليات الدفاعية النفسية المتوقعة لدفع القلق والأذي والانجراح عن الذات: “ــ خويه وين نروح.. ــ عمّي ابتلينه.. عمّي ابتلينه بلوه..” وهي مفردات تعكس خطاب رجل الشارع وليس الاعلامي المحترف والمتمكن من اللغة.. والمدرك لأهمية الكلمة وأهمية نظافتها ونزاكتها.
وسأختم بحادثة خطيرة، وقعت في قناة »…« في برنامج صحّي يقدّمه طبيب مختص .. ونحن كأطباء أمضينا أعوام طويلة في حقل الطب المقدس الذي يتطلب لغة عالية نظيفة ومحكمة لا يمكن أن نقر مثل هذا النوع من الخطاب الذي لا يقره حتي رجل الشارع. واسمعوا ما قاله وعلي الفضاء .. كان هذا الطبيب يجيب علي أسئلة المواطنين بصورة مباشرة ــ علي الهواء ــ اتصلت به أم عراقية تستشيره وسألته: دكتور هل أستطيع تغيير حليب ابني النيدو الي السيريلاك ــ فبماذا أجاب ــ قال لها نصّا: “بدلي الحليب بأي نوع .. كلها “خ….” ..
أي أن كل أنواع الحليب “فضلات”!!
وما زال هذا الطبيب يطلع علينا كل أسبوع، لماذاــ هل ضاعت الذائقة النقدية لدي الجهات المرجعية الثقافية العراقية الجديدة بحكم كونها مبتذلةــ أم أن الذوق العام الذي كان رفيعا قد انحط الي حدّ أنه صار لا ينتبه الي ما يجرّح ثوابته وقيمهــ
لكن هناك مشكلة “المعدنة” في الشعر الشعبي حيث لا يترك الشاعر العامي أي مفردة منسية وسخيفة من القاموس العامي تركها حتي الناس العاديين في التداول الحاضر من دون أن يستخدمها .. في الفضائية »…« يظهر كبير مقدمي البرامج ليقول »علِينه« بكسر اللام وليس »علينا« اللغوية المؤصلة المفتوحة.. وهو شاعر فيا للكارثة..
/2/2012 Issue 4121 – Date 13- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4121 – التاريخ 13/2/2012
AZP20

مشاركة