رافد جبوري -التظاهرات مستمرة

رافد جبوري

كان‭ ‬صمود‭ ‬المتظاهرين‭ ‬في‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬بناية‭ ‬المطعم‭ ‬التركي‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير‭ ‬وسط‭ ‬بغداد‭ ‬قويا‭ ‬وثابتا‭. ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬البناية‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬اهم‭ ‬الاماكن‭ ‬التي‭ ‬استخدمت‭ ‬لقمع‭ ‬المتظاهرين‭ ‬في‭ ‬الموجة‭ ‬الاولى‭ ‬من‭ ‬التظاهرات‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬في‭ ‬الاول‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬اكتوبر‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭ ‬الحالي‭ ‬واستمرت‭ ‬للاسبوع‭ ‬الاول‭ ‬منه‭. ‬استمر‭ ‬القمع‭ ‬في‭ ‬الموجة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬التظاهرات‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬الماضي‭ ‬ومازالت‭ ‬مستمرة‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬الفوارق‭ ‬الرئيسية‭ ‬بين‭ ‬الموجتين‭ ‬ان‭ ‬المتظاهرين‭ ‬سيطروا‭ ‬على‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير‭ ‬وبناية‭ ‬المطعم‭ ‬التركي‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭, ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬ان‭ ‬اعتصامهم‭ ‬فيها‭ ‬سيستمر‭ ‬حتى‭ ‬يتحقق‭ ‬تغيير‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬السياسي‭. ‬تغير‭ ‬يكون‭ ‬مقنعا‭ ‬فعلا‭ ‬للمتظاهرين‭ ‬بترك‭ ‬التظاهر‭ ‬والاعتصام‭. ‬الاحتمال‭ ‬الاخر‭ ‬هو‭ ‬ان‭ ‬تستخدم‭ ‬السلطات‭ ‬درجة‭ ‬اعلى‭ ‬وربما‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬من‭ ‬القمع‭ ‬وسفك‭ ‬الدماء‭. ‬سالت‭ ‬دماء‭ ‬كثيرة‭ ‬للاسف‭ ‬في‭ ‬تظاهرات‭ ‬العراق‭ ‬ومازال‭ ‬الوضع‭ ‬متأججا‭ ‬لكن‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬يسيطر‭ ‬بها‭ ‬المتظاهرون‭ ‬على‭ ‬وسط‭ ‬بغداد‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬تصور‭ ‬ان‭ ‬تعود‭ ‬الامور‭ ‬الى‭ ‬ماكانت‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬التظاهرات‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬تغير‭ ‬حقيقي‭ ‬يحقق‭ ‬اهداف‭ ‬المتظاهرين‭. ‬

في‭ ‬المحافظات‭ ‬الجنوبية‭ ‬كانت‭ ‬الصورة‭ ‬اكثر‭ ‬دموية‭ ‬في‭ ‬الموجة‭ ‬الثانية‭ ‬للتظاهرات‭ ‬مع‭ ‬اشتباك‭ ‬المتظاهرين‭ ‬في‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬محافظة‭ ‬مع‭ ‬عناصر‭ ‬ميليشيات‭ ‬قوية‭ ‬جابهتهم‭ ‬باطلاق‭ ‬النار‭. ‬وقد‭ ‬كادت‭ ‬الاوضاع‭ ‬تتطور‭ ‬الى‭ ‬حرب‭ ‬اهلية‭ ‬بين‭ ‬الميليشيات‭ ‬والعشائر‭ ‬او‭ ‬الميليشيات‭ ‬وانصار‭ ‬زعيم‭ ‬التيار‭ ‬الصدري‭ ‬مقتدى‭ ‬الصدر‭ ‬في‭ ‬ميليشيا‭ ‬سرايا‭ ‬السلام‭ ‬او‭ ‬خارجها‭. ‬فانصار‭ ‬التيار‭ ‬الصدري‭ ‬كثيرون‭ ‬ويشارك‭ ‬بعضهم‭ ‬في‭ ‬التظاهرات‭ ‬او‭ ‬يؤيدونها‭. ‬هنا‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬فهم‭ ‬وتحليل‭ ‬زعيم‭ ‬التيار‭ ‬الصدري‭ ‬الذي‭ ‬عاد‭ ‬الى‭ ‬العراق‭ ‬بعد‭ ‬زيارة‭ ‬طويلة‭ ‬استمرت‭ ‬عدة‭ ‬اشهر‭ ‬الى‭ ‬ايران‭ ‬كانت‭ ‬اشهر‭ ‬محطاتها‭ ‬حضورة‭ ‬لمجلس‭ ‬التعزية‭ ‬الذي‭ ‬اقامه‭ ‬المرشد‭ ‬الاعلى‭ ‬الايراني‭ ‬علي‭ ‬خامنئي‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬في‭ ‬عاشوراء‭. ‬عاد‭ ‬الصدر‭ ‬ليرى‭ ‬ان‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬عادل‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬قد‭ ‬بعث‭ ‬له‭ ‬برسالة‭ ‬يرد‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬دعوة‭ ‬الصدر‭ ‬بحضور‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬للبرلمان‭ ‬واجراء‭ ‬انتخابات‭ ‬مبكرة‭ ‬باشراف‭ ‬دولي‭. ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬قال‭ ‬باختصار‭ ‬ان‭ ‬من‭ ‬الافضل‭ ‬ان‭ ‬يتفق‭ ‬الصدر‭ ‬مع‭ ‬زعيم‭ ‬قائمة‭ ‬الفتح‭ ‬وميليشيا‭ ‬بدر‭ ‬هادي‭ ‬العامري‭ ‬وهما‭ ‬يملكان‭ ‬الكتلتان‭ ‬الاكبر‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬تغيير‭ ‬الحكومة‭. ‬رد‭ ‬الصدر‭ ‬بالتوجه‭ ‬لمكان‭ ‬التظاهر‭ ‬في‭ ‬النجف‭ ‬ثم‭ ‬صرح‭ ‬بانه‭ ‬كان‭ ‬يريد‭ ‬حفظ‭ ‬ماء‭ ‬وجه‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬لكنه‭ ‬بعد‭ ‬رسالة‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬سيتوجه‭ ‬لنزع‭ ‬الثقة‭ ‬عن‭ ‬الحكومة‭. ‬يقف‭ ‬الصدر‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬ليس‭ ‬سهلا‭ ‬ابدا‭. ‬فهو‭ ‬يريد‭ ‬ان‭ ‬يظهر‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬المنتمي‭ ‬للطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬لكنه‭ ‬طالما‭ ‬اشترك‭ ‬في‭ ‬حكومات‭ ‬تلك‭ ‬الطبقة‭ ‬وترتيباتها‭ ‬وقد‭ ‬شكلت‭ ‬حكومة‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬اثر‭ ‬اتفاق‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬العامري‭ ‬وبمباركة‭ ‬المرجعية‭ ‬الشيعية‭. ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬الصدر‭ ‬ان‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬اي‭ ‬جهد‭ ‬يؤدي‭ ‬الى‭ ‬تهديد‭ ‬ايران‭ ‬التي‭ ‬تشعر‭ ‬بقلق‭ ‬عميق‭ ‬من‭ ‬تظاهرات‭ ‬العراق‭ ‬ولبنان‭ ‬وترى‭ ‬انها‭ ‬مؤامرة‭ ‬اميركية‭ ‬اسرائيلية‭ ‬ممولة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬ويجب‭ ‬التصدي‭ ‬لها‭ ‬بحسب‭ ‬اخر‭ ‬تصريحات‭ ‬خامنئي‭. ‬يمتلك‭ ‬الصدر‭ ‬ايضا‭ ‬قاعدة‭ ‬شعبية‭ ‬حقيقية‭ ‬من‭ ‬المؤيدين‭ ‬الصادقين‭ ‬و‭ ‬تيارا‭ ‬اكبر‭ ‬من‭ ‬التيارات‭ ‬الشيعية‭ ‬الاخرى‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬بصورة‭ ‬اساسية‭ ‬على‭ ‬حصتها‭ ‬من‭ ‬الحكومة‭ ‬وقوة‭ ‬ميليشياتها‭. ‬يبقى‭ ‬الصدر‭ ‬الذي‭ ‬اعترف‭ ‬بانه‭ ‬متهم‭ ‬بمحاولة‭ ‬ركوب‭ ‬موجة‭ ‬التظاهرات‭ ‬مرشحا‭ ‬اساسيا‭ ‬للتأثير‭ ‬في‭ ‬اي‭ ‬عملية‭ ‬سياسية‭ ‬تهدئ‭ ‬الوضع‭ ‬واي‭ ‬ترتيبات‭ ‬سياسية‭ ‬تعقب‭ ‬ذلك‭. ‬

اما‭ ‬الاهتمام‭ ‬الدولي‭ ‬بتظاهرات‭ ‬العراق‭ ‬فلم‭ ‬يصل‭ ‬بعد‭ ‬الى‭ ‬ماهو‭ ‬متوقع‭. ‬فقد‭ ‬قتل‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬مائتي‭ ‬شخص‭ ‬وجرح‭ ‬المئات‭ ‬والتوتر‭ ‬مستمر‭ ‬اما‭ ‬دوليا‭ ‬فالتغطية‭ ‬الاعلامية‭ ‬محدودة‭ ‬والاهتمام‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬كبيرا‭. ‬لكن‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬الموقف‭ ‬الاميركي‭ ‬تطور‭ ‬قليلا‭ ‬مع‭ ‬تصريحات‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬مايك‭ ‬بومبيو‭ ‬والبيان‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬من‭ ‬وزارته‭ ‬وحذر‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬والقمع‭ ‬وتقييد‭ ‬الحريات‭ ‬الاعلامية‭. ‬رغم‭ ‬ان‭ ‬البيان‭ ‬اكد‭ ‬دعم‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬الا‭ ‬ان‭ ‬لغته‭ ‬كانت‭ ‬واضحة‭ ‬كما‭ ‬ان‭ ‬توقيته‭ ‬كان‭ ‬واضحا‭ ‬ومهما‭ ‬اذ‭ ‬جاء‭ ‬بعد‭ ‬مقتل‭ ‬زعيم‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬ابو‭ ‬بكر‭ ‬البغدادي‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬اليوم‭. ‬وهذا‭ ‬مهم‭ ‬اذ‭ ‬انه‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬التعاون‭ ‬الاستخباراتي‭ ‬مع‭ ‬العراق‭ ‬والذي‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬الى‭ ‬البغدادي‭ ‬عن‭ ‬قضية‭ ‬حقوق‭ ‬الانسان‭ ‬وقتل‭ ‬المتظاهرين‭. ‬

اخيرا‭ ‬جاءت‭ ‬زيارة‭ ‬ممثلة‭ ‬الامين‭ ‬العام‭ ‬للامم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬جنين‭ ‬هينيس‭-‬بلاسخارت‭ ‬الى‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير‭ ‬ولقائها‭ ‬بالمتظاهرين‭ ‬وصعودها‭ ‬الى‭ ‬عربة‭ ‬التك‭ ‬تك‭ ‬التي‭ ‬اصبحت‭ ‬رمزا‭ ‬للجهد‭ ‬اللوجستي‭ ‬للمتظاهرين‭. ‬الزيارة‭ ‬كانت‭ ‬مبادرة‭ ‬مهمة‭ ‬لكن‭ ‬البيان‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬بعدها‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كذلك‭ ‬فهو‭ ‬يصطف‭ ‬مع‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬في‭ ‬القول‭ ‬بان‭ ‬سنة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬عمرها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬كافية‭ ‬لمعالجة‭ ‬تركة‭ ‬الماضي‭. ‬لم‭ ‬تفهم‭ ‬ممثلة‭ ‬الامين‭ ‬العام‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬جوهر‭ ‬التظاهرات‭ ‬ومصادر‭ ‬الاحباط‭ ‬والالم‭ ‬التي‭ ‬اججتها‭ ‬وانعدام‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬المتظاهرين‭ ‬وطبقة‭ ‬سياسية‭ ‬لم‭ ‬تقدم‭ ‬لهم‭ ‬اي‭ ‬امل‭ ‬في‭ ‬اصلاح‭ ‬حقيقي‭. ‬ربما‭ ‬ستفهم‭ ‬وسيفهم‭ ‬العالم‭ ‬اكثر‭ ‬في‭ ‬الايام‭ ‬القادمة‭ ‬لكن‭ ‬الامر‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬سيحدث‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير‭.