
رمضان عودة القلب إلى نوره الأول – نوري جاسم
ليس رمضان شهرًا في التقويم، بل هو موعد سماوي تتجدّد فيه إنسانية الإنسان، وتستيقظ فيه الفطرة من سباتها الطويل. إنّه زمنٌ تتخفّف فيه الروح من أدران العام، وتغتسل فيه القلوب بنداء السماء:
يا أيها الباحث عن النور، هذا أوان الصفاء. في رمضان لا نجوع لنعتاد الحرمان، بل نجوع لنعرف قيمة الامتلاء بالله، ونعطش لنتذوّق عذوبة القرب، ونسكت عن اللغو لنسمع صوت الضمير وهو يهمس:
أصلِحني أصلحْك.
إن الصيام مدرسة إصلاح داخلي قبل أن يكون عبادة ظاهرية؛ هو ثورة هادئة على شهوات النفس، وتمرين يومي على كبح الغضب، وإحياء الرحمة، وتحرير الإرادة من أسر العادة.
وفي زمن تتكاثر فيه الضوضاء، ويضيع فيه المعنى بين صخب السياسة والاقتصاد ومطامع الدنيا، يأتي رمضان ليعيد ترتيب الأولويات: أن تكون إنسانًا أولًا، وأن تنتصر على نفسك قبل أن تنتصر على غيرك. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل، من لحظة صدق بين العبد وربه، من دمعة خاشعة في جوف الليل، من صدقة سرٍّ تُطفئ نار أنانيةٍ متراكمة، من عفوٍ يحرّر القلب من أحقاده القديمة.
رمضان ليس شهر طقوس مكررة، بل مشروع تزكية شامل؛ أن نُهذّب ألسنتنا كما نُهذّب بطوننا، وأن نصوم عن الظلم كما نصوم عن الطعام، وأن نجعل من كل يوم فرصة لبناء إنسانٍ جديد في داخلنا. هو شهر تتقارب فيه البيوت، وتلين فيه القلوب، وتُفتح فيه أبواب السماء لمن طرقها بصدق. ومن هنا، فإن رسالة رمضان اليوم هي أن نُحوّله من موسم عابر إلى منهج دائم، ومن عادة اجتماعية إلى يقظة روحية، ومن امتناع مؤقت إلى التزام أخلاقي مستمر.
فإذا خرجنا من رمضان وقد صفت نوايانا، وهدأت أرواحنا، وقويت عزائمنا على الخير، فقد أدركنا جوهره. أما إن خرج كما دخل، بلا أثر في السلوك ولا بصمة في الضمير، فقد ضيّعنا أعظم هدية سنوية يمنحها الله لعباده.
رمضان فرصة لإعادة صياغة الإنسان، لتجديد العهد مع القيم، لبناء مجتمع أكثر رحمة وعدلاً، يبدأ من قلبٍ مستنير بنور الطاعة.
فطوبى لمن جعل من هذا الشهر منطلقًا لتحوّلٍ حقيقي، يثمر صلاحًا في النفس، ونورًا في الوجه، وسكينةً في الحياة، وإصلاحًا يمتد أثره من الفرد إلى الأمة.
هذا هو روح منهج التربية الروحية والسلوك والاخلاق والنور في منهج الطريقة العلية القادرية الكسنزانية، وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما …


















