رياح التشارين

657

عبد‭ ‬الهادي‭ ‬كاظم‭ ‬الحميري

في‭ ‬بلاد‭ ‬يعتدي‭ ‬فيها‭ ‬الصيف‭ ‬على‭ ‬الربيع‭ ‬ليأخذ‭ ‬أيار‭ ‬منه‭ ‬وعلى‭ ‬الخريف‭ ‬ليأخذ‭ ‬أيلول‭ ‬منه،‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬تنقصها‭ ‬الخدمات‭ ‬والكهرباء،‭ ‬تكون‭ ‬التشارين‭ ‬فيها‭ (‬تشرين‭ ‬الأول‭ ‬وتشرين‭ ‬الثاني‭) ‬أفضل‭ ‬صديق‭ ‬للفقراء‭ ‬فلا‭ ‬تدفئة‭ ‬ولا‭ ‬تبريد‭ ‬ولا‭ ‬خصام‭ ‬مع‭ ‬السيد‭ ‬وزير‭ ‬الكهرباء‭.‬

وفي‭ ‬الطبيعة‭ ‬تساعد‭ ‬رياح‭ ‬التشارين‭ ‬الأشجار‭ ‬لتتخلص‭ ‬من‭ ‬الثمار‭ ‬والأوراق‭ ‬اليابسة‭ ‬ولا‭ ‬ينفع‭ ‬معها‭ ‬تشبث‭ ‬الورق‭ ‬اليابس‭ ‬بالشجرة‭ ‬مهما‭ ‬تظاهر‭ ‬بالرقص‭ ‬فرحاً‭ ‬لقدومها‭ ‬حيث‭ ‬تسقطه‭ ‬بالنهاية‭ ‬ليترك‭ ‬المجال‭ ‬للبراعم‭ ‬والأوراق‭ ‬الجديدة‭.‬

لقد‭ ‬إلتصقت‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬بجذع‭ ‬العراق‭ ‬تسحب‭ ‬من‭ ‬نسغه‭ ‬الصاعد‭ ‬والنازل‭ ‬وتجاهلت‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬حولها‭ ‬للشباب‭ ‬من‭ ‬قهر‭ ‬وإحباط‭ ‬يتقلبون‭ ‬في‭ ‬حرارة‭ ‬فرن‭ ‬العراق‭ ‬الكبير‭ ‬أيام‭ ‬وليالي‭ ‬الصيف‭ ‬الطويلة‭ ‬بينما‭ ‬يقضي‭ ‬الشباب‭ ‬أبناء‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬العراقية‭ ‬وأبناء‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬النفطية‭ ‬المجاورة‭ ‬صيفهم‭ ‬يتقلبون‭ ‬في‭ ‬أبرد‭ ‬وأترف‭ ‬أصقاع‭ ‬الأرض‭ ‬يطبقون‭ ‬وصية‭ ‬المرحوم‭ ‬عبد‭ ‬الحليم‭ ‬حافظ،‭ ‬عش‭ ‬أيامك‭ ‬عش‭ ‬لياليك‭ ‬خلى‭ ‬شبابك‭ ‬يفرح‭ ‬بيك‭…‬

وهكذا‭ ‬مرت‭ ‬رياح‭ ‬تشارين‭ ‬عدة‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬حتى‭ ‬تشارين‭ ‬هذا‭ ‬العام‭. ‬إذ‭ ‬تحركت‭ ‬جموع‭ ‬الشباب‭ ‬العراقي‭ ‬في‭ ‬بدايتها‭ ‬كالسيل‭ ‬الهادر‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خارجها‭ ‬يتوقع‭ ‬ذلك‭ ‬فأطلقت‭ ‬السلطة‭ ‬العنان‭ ‬لخراطيم‭ ‬المياه‭ ‬والقنابل‭ ‬المسيلة‭ ‬للدموع‭ ‬لتطبق‭ ‬على‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير‭ ‬ويسقط‭ ‬أول‭ ‬شهيدين‭.‬

لم‭ ‬يتراجع‭ ‬الشباب‭ ‬أو‭ ‬يفت‭ ‬في‭ ‬عضده‭ ‬ولم‭ ‬يتعظ‭ ‬من‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬ويتنحى‭   ‬ويفسح‭ ‬المجال‭ ‬لرياح‭ ‬التشارين‭ ‬حيث‭ ‬استقدمت‭ ‬السلطة‭ ‬القناص‭ ‬وقاذف‭ ‬القنابل‭ ‬المميتة‭ ‬فتهاوى‭ ‬الشباب‭ ‬وقد‭ ‬أخترق‭ ‬رصاص‭ ‬القناص‭ ‬رؤوسهم‭ ‬وصدورهم‭ ‬واستوطنت‭ ‬القنابل‭ ‬جماجمهم‭ ‬لتبعث‭ ‬منها‭ ‬غازها‭ ‬الخانق‭ ‬للآخرين‭.‬

لم‭ ‬يتوقعوا‭ ‬أن‭ ‬يصول‭ ‬الشباب‭ ‬عليهم‭ ‬كاشفي‭ ‬الصدور‭ ‬والأعلام‭ ‬العراقية‭ ‬ترفرف‭ ‬في‭ ‬أياديهم‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يتوقعوا‭ ‬أن‭ ‬تركض‭ ‬المرأة‭ ‬العراقية‭ ‬الفقيرة‭ ‬بائعة‭ ‬المناديل‭ ‬الورقية‭ ‬بين‭ ‬الجموع‭ ‬توزع‭ ‬مناديلها‭ ‬على‭ ‬الشباب‭ ‬مجانا‭ ‬ليمسحوا‭ ‬الدموع‭ ‬والجروح‭. ‬لم‭ ‬يتوقع‭ ‬أحد‭ ‬منهم‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬امرأة‭ ‬عراقية‭ ‬فقيرة‭ ‬أخرى‭ ‬بتوزيع‭ ‬لفتات‭ ‬الصمون‭ ‬بالرشّاد‭ ‬والكرفس‭ (‬خبز‭ ‬العباس‭) ‬على‭ ‬الشباب‭ ‬لتعينهم‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬ببال‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬سواق‭ ‬التكتك‭ ‬رزق‭ ‬يومهم‭ ‬ليخوضوا‭ ‬غمار‭ ‬معركة‭ ‬أحادية‭ ‬الجانب‭ ‬وينقلوا‭ ‬الشهداء‭ ‬والجرحى‭ ‬الى‭ ‬المشافي‭ ‬ويسقطوا‭ ‬شهداء‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭.‬

كانت‭ ‬الخمسة‭ ‬أيام‭ ‬الأولى‭ ‬كافية‭ ‬لأن‭ ‬يستقيل‭ ‬بسببها‭ ‬كل‭ ‬حكام‭ ‬الأرض‭ ‬لو‭ ‬حدث‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬فيها‭ ‬عندهم‭ ‬ولكن‭ ‬الشيخ‭ ‬الهادئ‭ ‬الكاتب‭ ‬والمنظر‭ ‬السيد‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬أبى‭ ‬واستكبر‭ ‬وأحاط‭ ‬نفسه‭ ‬بالمزيد‭ ‬من‭ ‬قليلي‭ ‬الحظ‭ ‬والبخت‭ ‬ليصوروا‭ ‬له‭ ‬أنه‭ ‬يحارب‭ ‬انقلاب‭ ‬على‭ ‬رهطه‭ ‬وسلطته‭ ‬البائسة‭.  ‬وأخيرا‭ ‬أدرك‭ ‬الشيخ‭ ‬الهادئ‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬أبا‭ ‬فرات‭: ‬سينهض‭ ‬من‭ ‬صميم‭ ‬اليأس‭ ‬جيل‭ – ‬مريد‭ ‬البأس‭ ‬جبار‭ ‬عنيد‭. ‬يقايض‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬بما‭ ‬يُرجّى‭ ‬–‭ ‬ويُعطف‭ ‬ما‭ ‬يُراد‭ ‬لما‭ ‬يُريد‭ ‬واستقال‭ ‬ورهطه‭ ‬من‭ ‬متحدثي‭ ‬ومستشاري‭ ‬السوء‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬بنعمتين‭: ‬شباب‭ ‬العراق‭ ‬والمرجعية‭ ‬الدينية‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬التي‭ ‬تؤمن‭ ‬بولاية‭ ‬الشعب‭ ‬والحكم‭ ‬المدني‭ ‬ولا‭ ‬تؤمن‭ ‬بولاية‭ ‬رجل‭ ‬الدين‭ ‬وتسلطه‭ ‬في‭ ‬الرقاب‭ ‬وهي‭ ‬صاحبة‭ ‬الرأي‭ ‬السديد‭ ‬يوم‭ ‬تدلهم‭ ‬الخطوب‭.  ‬ويبقى‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬الحذر‭ ‬واجب‭ ‬وعيني‭ ‬باردة‭ ‬عليك‭ ‬يا‭ ‬عراق‭     ‬‭   .‬

مشاركة