رومانسية الحقب الماضية وإطلالات شخوصها – يحيى صديق يحيى

475

إنطباعات عن رواية  أَجنحة الفراشات  لفخري أمين

رومانسية الحقب الماضية وإطلالات شخوصها – يحيى صديق يحيى

خصلة شَعرٍ مُنسلة من زمن سبعيني أو ثمانيني، يستهل بها فخري أمين حكايته على لسان راويها الأول” قاسم”، لتجعلنا نَعلقُ في مشهد نسيج ملون لذيذ، لاتكاد تبين الاسطوري من الواقعي فيه، فتارةً تلمح هذه الخصلة في عوالم الاسطورة وتارةً تتهادى في تلابيب قصيدة ملحمية تحاكي أَجواء فتنة وصخب قصور مطمورة تحت تل التوبة في منطقة النبي يونس في الموصل، نثرٌ تَشرّبَ برحيق الشعر. بيبي، هبة، أو خصلة شَعر، كما أُشيرَ اليها في مستهل النص، تتهادى كما ريشة طير موصلي، في فضاء الرواية من موضع لآخر، من سوق النبي الى جسر السويس الى حي نركال وصولاً الى إِعدادية التجارة، أيَّ طريق موصلي ساحر إِختاره فخري أَمين كَمَمرٍ للذكريات !.. طريقٌ تغسلهُ روح رومانسية السبعينات والثمانينات، وتطلُ عليه شواخص من تاريخ المدينة، إِمتدادات تل قوينجق، سور نينوى، بوابة المسقى، وزمن تماهت فيه مشاعر الخوف مع جمال جَسور يبحث عمن يحس به ويعانق رائحته، رغبة في الانعتاق، تنسم لرائحة الحرية، وتوسل بمن يعتني به ويلثمه، حب مكسور ومشاعر مجروحة. حرية الشباب بجنونها وانطلاقتها البكر، تلك المفردة شغلت احساس “بيبي” ولازمتها في صراعها الذي خاضتهُ في صخب العمل وامواج الحياة المتلاطمة التي عاشتها، لكنها افتقدتها عندما انتقلت الى اربيل والتي كانت ” تبهت في غيبة لغة التمرد والتحدي والعصيان التي كانت ترتبط بها في الموصل”.”60″   تروي خصلة “بيبي” قصة صبية من ذلك الزمن وُهبت سحر الشعّر وجمال الوجه والروح، إِبنة صاحب مشتل وشقيقة ثائر التحق في صفوف البيشمركة، تترك الموصل لبواعث أًمنية أَحاقت بعائلتها، مُتجهةً صوب أَربيل لتقيمَ في منزل هناك، فيما الموصل بكل صورها وشوارعها وأَشجار يوكالبتسها التي ظلّلت خفقات قلبها الأولى ورَعتها، تتداعى أَمامها كل حين وتسكن روحها ومخيلتها. “لؤي محمد نجيب” الحب الأول الذي اضاعته تصاريف الزمن، حنين الخفقة البريئة الذي اشتبك مع الحنين المؤلم الى المنزل الاول، ” فلك يامنازل في القلوب منازل”. تُقلبها أَمواج الحياة الجديدة وتصادمها أَمواجها القاسية في أَربيل، فتارة مع صحفي فاسد وأُخرى مع رجل أعمال طامع “شيرزاد” ليس أَكثر من وحش كاسر، لتنتهي حرةً كما أَول مرة. لكن الموصل تبقى تلاحقها ففيها، ” أطلقت في قلبي أولى الفراشات وكتبت فيها أولى سطور الحب”ص80. تلا ذلك ظهور شخصيتين، في محلة “باب العراق”، إحدى الازقة القديمة والضيقة والمغلقة قرب جامع العمري، هما باسم الكتبي، الفنان عازف الفلوت، ورحاب الشاعرة اللذان يعيشان مأزقاً معاشياً ووجودياً، يلامسُ أَزمة بيبي، الصحافية، الأنثى المقهورة، والمغردة خارج سربها سواء في الموصل او أَربيل، فيجمعهم هرج الشباب وجنون فورانه وتمرده وتحضنهم خضرة الجبال والوديان في رحلات يُنفسِون فيها عن كبتهم. تتعرف “بيبي” على “قاسم”، صحفي ستيني قدير، ذو عقلية راجحة ومنفتحة، كانت بالنسبة له “مفاجأة من عيار ثقيل زلزلني تماماً، وحطمت كل حدود التحفظ التي كنت اتمسك بها واحتجز بها نفسي”.”110″ تنشأ بينهما علاقة انسانية متفاعلة ومتبادلة للأفكار والعواطف النبيلة، لا تلبث ان تتحول الى حب صاخب.

صدمات نفسية

 يمضي زمن طويل لا يُخبرنا فيه المؤلف شيئاً عن عائلة “بيبي” خلال هذه السنوات ، علاقتها باهلها وهي تتنقل من عمل تجاري الى آخر صحفي ومن ثم الى مركز لحماية ورعاية النساء اللواتي تعرضن الى صدمات نفسية جراء غُبنٍ مجتمعي الحقَ بهن وهو زمن ليس بالقليل ليفاجئنا في منتصف الرواية بشيءٍ من الوصل السريع مع العائلة ربما بدا غير كافٍ أو مُبرر في أَجواء مجتمع شرقي له ضوابطه ومن ثم ليعاود الظهور في نهاية الرواية. بدا ارتباطها بثلة قاسم وسعدية ونسرين والتنقل في العمل الصحفي من موقع الى آخر هو البديل للعائلة شأنها شأن بقية افراد الثلة وشأن قاسم الذي لانعرف عنه الكثير سوى انه عراب لـ “بيبي” بدأُ كشخصية حكيمة وانتهى عاشقاً متيماً لها. أما بقية افراد الثلة من النسوة فيكدنَّ أن يَكُنَّ شخصية واحدة في عوالمهن الداخلية المضطربة، ذوات ثقافات وأَزمات متشابهة، وأَحياناً كُنَ يتحدثنَ بثقافة تفوق حصيلتهن الفكرية ومستوياتهن الدراسية التي لا نعلم عنها سوى القليل ولعلها متواضعة بالأصل. تزج “بيبي” نفسها في زخم الحياة وتتقلبُ في مشاهد مختلفة من تجاربها القاسية. تلتحق في عمل صحفي في مجلة، سرعان ما تظهر في وسطه شخصية بشعة ونهمة أخرى، “رزكار”، وهي شخصية تتسلح بالزيف والكذب، تحدث مواجهة ساخنة بينهما كادت  تودي بغلق المجلة، الا ان “بيبي” بصوتها العالي ومواجهاتها الصادمة مع المسؤولين عن المجلة تفلح باستئناف صدورها من جديد. تشترك “بيبي” في سرديتها التي تعرض فيها القمع والقهر اللذين تتعرض لهما المرأة مع اماكن اخرى من الشرق والعالم وهو لون جرى طرحه وتقديمه في أَدبيات كثيرة من العالم، منها ما ترشحَ من مفاهيم في أعقاب ثورة الطلاب في فرنسا 1968. بيد أنها كانت على الدوام شهرزاد المنتصرة، ترفض أن تقفل “عائدة الى وكرها العائلي مثل حيوان جريح”ص202 هي التي طالما تعرضت الى ” الزلزال الهائل الذي اصاب حياتي اثر تجربة زواجي الفاشلة، وشردتني امواجه على سطحها الساخن”ص201.

اصوات نسائية

راوح السرد بين “قاسم” و”بيبي” و”نسرين”، هي رواية أَصوات نسائية بالأساس “فراشات”، تحكي واقع حياة المرأة وأَزمتها ومواجهاتها وتجربتها مع الناس، الحياة، العمل الصحفي. أما قاسم ذلك الرجل الستيني الذي استيقظ الحب في داخله وداهمته أَزمة منتصف العمر متأخرة، فتعلق بها وامست كل حياته، فهو الصوت الذكوري الوحيد في النص، راصد حركة “بيبي”، مايسترو نشاطها الصحفي، والراوي لتجربته الحياتية  ونشاطه الفكري معها، أَزمتهما معاً وبالتالي مع العالم المحيط بهما. توزعت الرواية على ثلاثة أقسام: “حرير الاجنحة”، “الرقص اجنحة”، “الأغنية أجنحة”. رواية لاريب أنها تنم عن نفس طويل ومجالدة في الكتابة وثقافة جيدة، بيد أَنها أَخفقت في الحفاظ على قوة انطلاقتها، ولملمة خيوط شخصياتها بنجاح الى عقدتها الرئيسة. كنا نأمل بان تفلح الرواية في تقديم جانب من البيئة الموصلية الغنية والمتنوعة وعلاقتها مع أَربيل المدينة التي تحركت على أَرضها الشخصيات، وتروي طرفاً من “قصة مدينتين” كما نُوِهَ على احدى صفحات الرواية، غير أنها إِكتفت بقدرٍ محدود رغم تعلق البطلة بأجواء الموصل وظروف نشأتها وتجربتها العاطفية المبكرة التي شغلتها بألم طيلة حياتها ولم تأخذ مداها في النمو والحياة.لم تستطع الشخصيات أَن تتحرر من أسارِ سيطرة الكاتب وعرضهِ لها وكما يراها، لم تكن حرة تماماً، فضلاً عن تقريرية وتسجيلية ظاهرة جرحت العمل الفني فما جدوى عرض شخصيات إِعلامية بعينها وبأسمائها الصريحة ومناقشة حيثيات واقع السينما والدراما وملابساته الفنية في كردستانالصفحات320-321  كأَنها ورقة عمل، فضلاً عن مناقشاتٍ مستفيضةٍ عن آليات العمل الصحفي وسلبياته في مواضع لاحقة في النص بسرديةٍ طغى عليها الطابع الصحفي وما من داع لزجها في نص روائي وبهذه الكيفية، مما جعلها تخلقُ ترهلاً واضحاً في البناء الروائي فضلاً عن خسارة واضحةٍ في شد القارئ والتسبب في تسرب مللٍ ظاهرٍ إِليه من خلال تكرار ذات النغمة وذات الثيمة. كان يمكن أَن تُختزل الرواية الى نصفها تقريباً دون أَن ينال ذلك شيئاً منها. تقفل الرواية أَبوابها على إِصابة “بيبي” بالسرطان وظهور درامي نهائي لعائلتها يختم مأساتها، والأكثر من ذلك المفاجأة الصادمة بعودة ظهور “لؤي محمد نجيب”، الحب الأول الذي ضاع كما صفحات أخرى في حياة “بيبي”، وروايته لقصته معاناتهِ في البحث عنها عندما غادرت الموصل، سنوات حياته الدراسية وسفره الى لندن ونجاحهِ.

مأساة وفقدان

 يصمت “قاسم” ويعظُ بنواجذهِ هو الآخر على أَلآم مأساته وفقدانه لـ “بيبي” فقد بقيت ذكراها معه أَبداً وعاش مرارة فَقدها في داخله، “حفرة قبرك مفتوحة في داخلي، سيظل الفقدان هناك قائما في أَعماقي، شيء ما قد نهش مكانه، وانتزع من فلذة النسيج الذي يشكل حياتي نفسها، لا أمل في استرداده” ص527 وتنتهي قصته التي رواها على وقع خفق أَجنحة الفراشات الحزينة وبوحها لحيوات عاشتها توزعت بين أَلآمٍ ومنغصات ناءَت تحت ثقلها، ولربما فاقت النجاح الذي حققته ولحظات الفرح التي عاشتها، لكنهُ، وعلى أيةِ حال، كان “حلماً لذيذاً ومؤسياً وعابثاً وقاتلاً” كما أشار إِليه فخري أَمين على ظهر الغلاف الأَخير لروايته. تقفل الرواية أَبوابها بصوت “نسرين” الذي يروي زواج ابنها “محمد” من “روجين”، واصطدامها بتطرف عمهِ وقسوتهِ وتعسفهِ في فرض آرائه، والأَنكىَ من ذلك تأثر شخصية “محمد” به والسعي الى تبني أَفكاره. تترك “نسرين” البيت فهي ترفض ان تقرر مصيرها ثقافة “رجل نصف معتوه”، وتنتقل الى منزل صديقتها في عنكاوا الذي تجده مناسباً وكافٍ لتلمسِ بداية جديده. لم يكن “قاسم” هو من أَنهى الرواية، ” قاسم” الذي أَمسكَ بخيوط الرَوي منذ البداية، وشهدَ خفق أجنحة الفراشات وبَوحها، هوَ الذي ” وعد الأم الثكلى أن بوسعه إعادة اشياء كثيرة من ابنتها الى الحياة، إِيجاد نسختها السردية الحية، وهي نسخة طبق الأَصل منها، اذا سمحت له فقط بأَخذِ خُصلٍ من شعرها” ص9″. هل تسللَ النفس الصحفي مع بعض آلياتهِ الى النص وعاود الظهور خِلسةً وغَلبَ التكنيك الروائي ؟!.

{ رواية أَجنحة الفراشات صادرة عن دار سطور/بغداد . الطبعة الأولى 2019

مشاركة