نبض القلم
روسيا ودرس سوريا – مقالات – طالب سعدون
لم يكن في برنامجي هذا الاسبوع العودة للكتابة مرة أخرى عن الدور الروسي ، بهذه الفاصلة الزمنية القصيرة بعد مقالي السابق ( الدور الروسي … الواقع والتمنيات ) المنشور في الرابع من الشهر الجاري في صحيفة الزمان … فلم يكن هناك جديد يستحق العودة للموضوع نفسه ، لكني وجدت نفسي مدفوعا للكتابة عنه ، وذلك لتواصل الاهتمام به والمتابعة والتحليل والتعليق في الصحافة المحلية والعربية والعالمية ، وعلى المستوى الشعبي أيضا بشكل يكاد يكون حديث الاغلبية..
لقد أخذ دور روسيا الجديد في سوريا في بعض التحليلات أكثر من حجمه الطبيعي ، وحُمل أكثر مما يحتمل ، فيما يصر البعض على تسمية ( التعاون الاستخباري الرباعي ) بالتحالف ، أو الحلف ، وهو لا يتعدى في جوهره تنسيقا ، أو تعاونا بين عدد معين من الدول في مجال معين محدد ، أما قد يتوسع أكثر، أو ينكمش ، فذلك في حكم المستقبل ، ومتروك لنتائجه ، رغم أهميته في إختصاصه حصرا ، وهو لا يتعدى تبادل معلومات إستخبارية في قضية محددة ، وهو شيء طبيعي في العلاقات مع الدول ، وجزء من عمل المنظومة الاستخبارية العسكرية ، ومن صميم مساهمتها وواجبها في المعارك الدائرة مع داعش ، ومنها في جبهتي الانبار وصلاح الدين حاليا ، واذا ما حقتت نتائج عالية الأن ، فهي تحسب لأهلها بالدرجة الاساس وتضحياتهم ، ويتقدمها الدم ، والتضحيات الأخرى ، والمعاناة بكل اشكالها دون أغفال العوامل المساعدة الخارجية ..
وقد تجاوز البعض في التمنيات أبعد ، والتحليق في الخيال السياسي باستحضار التاريخ ، وربط العملية بعودة الاتحاد السوفيتي السابق بمسمى روسي فقط ، متناسينا أن التاريخ لن يرجع الى الوراء ، واليوم غير الامس ، فقد فرض الحاضر تحديات جديدة قد تتساوى فيها الدول العظمى والكبرى والصغرى ، كما هو الحال مع الارهاب الذي بات يهدد الجميع ، ومن السذاجة أن لا تقيم الدول التي تعد نفسها مهددة به – مهما كانت حجومها وأوزانها – تعاونا مع غيرها ، وقد يأخذ التعاون شكلا هنا ، وشكلا أخر هناك ، وروسيا ليست استثناء من ذلك بالتأكيد …
فاذا كان الارهاب قد تجمع في منطقة ما ، وافدا اليها من مناطق عديدة من العالم ، فمن الغباء أن لا تضربه وتتخلص منه ، ومن عناصره التي تحمل هذه الجنسية أو تلك ، قبل أن تعود الى بلادها ، وهي أكثر قوة وعددا .. فبالتأكيد أن مثل هذا الإحتمال وارد في ذهن القيادة الروسية في هذه الخطوة .. وعندها تكون محسوبة لصالحها أولا ..
ولذلك لا يمكن أن يجنح الخيال أكثر في التصور والتحليل بأن تكون سوريا والعراق المدخل لعودة الثنائية القطبية بهذه السرعة ، لكنها لا تلغي الطموح والتخطيط الروسي لها حتما.. وهو ما لا تسمح به امريكا اليوم ، بكل الوسائل .. والغد في الغيب ، وعلمه عند الله ..
كما لا يمكن تجاهل حقيقة أن ( التعاون الرباعي ) هو غير التحالف الدولي الذي قادته أمريكا في العدد الذي جمعته لضرب العراق وإحتلاله ، أو ضد داعش فيما بعد ، ناهيك عن الاتفاقيات الاستراتيجية التي عقدتها مع العديد من الدول في المنطقة وخارجها … والفرق واضح وكبير ..
وتعاون بهذا الشكل ، بعد أن وجد له مساحة من التأثير في الجو ، قد يغير موازين القوة والمعادلة على الارض ، ويدفع جميع الاطراف الى التفاوض والقبول بتسوية للقضية السورية برمتها تضمن مصلحة الجميع ، ولذلك كنت قد توقعت في المقال السابق الذي اشرت اليه في اعلاه ( الدور الروسي الواقع والتمنيات ) أن تكون الخطوة الروسية الجديدة محسوبة ليس منها فقط ، وربما من امريكا أيضا ، وقد تفضي الى تسوية مقبولة ومعقولة للازمة السورية ، تضمن حقوق كل الاطراف ، كما فعلت ذلك روسيا سابقا ، عندما منعت الضربة الامريكية التي هدد بها الرئيس اوباما ، بالتوصل الى تسوية ، بوضع مخزون سوريا من الاسلحة الكيمياوية تحت تصرف الامم المتحدة ، وانضمامها فيما بعد الى اتفاقية حظر انتشار الاسلحة الكيمياوية ….
وعسى أن تضمن خطوة مماثلة التوصل الى أي تسوية عن طريق روسيا تحافظ على وحدة الارض السورية ، وتنقذها من التفتت والتقسيم على أسس غريبة عليها وعلى المنطقة ..
وبالتأكيد أن الواقع لا يلغي التمنيات بعودة الدب الروسي من جديد .. بعد أن أكتوى العالم بنار الهيمنة الامريكية وشرورها ..
ومصلحة العالم في تعدد الاقطاب ، وليس في تفرد دولة واحدة به ..
والازمات الكبرى عادة ما تفضي الى تغيير كبير في موازين القوى .. فهل تكون أزمة المنطقة وسوريا بالذات بابا لهذا التغيير ..؟..
وفي التاريخ عبر ودروس .. و مضى من الوقت ما يكفي للاستيعاب والتعلم والعمل …
والشاطر من يجتاز الدرس بنجاح ..
{{{{{{{
كلام مفيد :
من الاقوال المأثورة ( قطرة الماء في بيت النـــــمل تعد بحرا )


















