روبسبيير والإرهاب ـ د. حسن حنفى

530

روبسبيير والإرهاب ـ د. حسن حنفى
يمكن بمقارنة أهم ثورات فى العصر الحديث، الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية والثورة البلشفية، رؤية قانون عام لها وهو الاندفاع الأول ثم الثبات، الحركة ثم التوقف، الحرية ثم الاستبداد. حدث ذلك فى الثورة الأمريكية ضد الاستعمار البريطانى بقيادة جورج واشنجطن تحت أثر الثورة الفرنسية والتى يرمز لها تمثال الحرية فى نيويورك. ثم تحولت إلى حرب أهلية بين الشمال الجنوب من أجل تحرير العبيد السود بقيادة ابراهام لينكولن والتى انتهت باغتياله وتحرير العبيد وتوحيد الشمال والجنوب وإن لم ينته فعليا إلا بوثيقة حقوق الإنسان التى دافع عنها مارتن لوثر كينج ودفع حياته ثمنا لها باغتيال أحد العنصريين البيض له.
وحدث ذلك أيضا فى الثورة الاشتراكية فى الاتحاد السوفيتى عام 1917 بقيادة فلاديمير اليتش لينين ورمزها العامل والفلاح متضامنين فى يد واحد. وفى يد العامل المطرقة، وفى يد الفلاح المنجل. ثم انقسمت إلى صراع بين حزب الأغلبية البولشفيك وحزب الأقلية المنشفيك بقيادة تروتسكى الذى هاجر إلى المسكيك وتم اغتياله هناك.
وتكرر ذلك فى الثورة الفرنسية أم الثورتين ورمزها الاستيلاء على قصر فرساى، والاستيلاء على سجن الباستيل بقيادة امرأة. وقد وضع مكانه تمثال الحرية وإعدام لويس السادس عشر والسيدة الأولى مارى انطوانيت تحت المقصلة. ثم تحولت إلى عصر الإرهاب بقيادة روبسبيير بحجة ضرورة الانتهاء من الفوضى إلى الاستقرار، ومن المقصلة إلى المكتبة، ومن الشارع إلى الائتلاف الوطنى.
وقامت الثورة المصرية فى 1952. وكان رمزها حصار قصر عابدين حيث يقطن الملك، ووزارة الدفاع حيث قيادة جيش الملك. وتحولت من ثورة شعبية تساند الضباط الأحرار فى المبادئ الستة قبل أن يختلفوا فيما بينهم حتى استقر الأمر فى يد عبد الناصر ثم صراعه مع الإخوان والشيوعيين والوفد حتى تجمعت السلطة فى يديه مثل روبسبيير قبل أن يتحول إلى زعيم وطنى بعد تأميم قناة السويس. وبالرغم من شعبية الإصلاح الزراعى والتصنيع والقطاع العام والخدمات ومجانية التعليم إلا أن أزمة الحرية والديموقراطية كانت حجر العثرة فى النظام.
وقامت الثورة الشعبية فى يناير 2011 لتقضى على القصر الجديد والعائلة المالكة القاطنة فيه والتى أصبحت محورا للفساد وخراب البلاد. وأصبح رمزها ميدان التحرير الذى أخذ اسمه من الثورة المصرية الأولى بدلا من ميدان الإسماعيلية، وحصار القصر الجمهورى قبل التنازل عن العرش، ومساندة الجيش للشعب وليس كما حدث فى اعتصام ميدان التحرير 1972 وفى انتفاضة يناير 1977 أو الأمن المركزى فى يناير 1986 أو ضد العدوان الأمريكى على العراق فى 2003. وتحولت بعد انتخابات حرة ديموقراطية نزيهة إلى أن سيطرت الجماعة عليها. فتحولت إلى استبداد من نوع جديد، إقصاء المخالفين، وسيطرة الحزب الواحد كما كان الحال فى النظم الشمولية التى سقطت فى ربيع براج 1990 قبل الربيع العربى ابتداء من تونس ثم مصر ثم سوريا ثم ليبيا ثم اليمن. ثم بدأت ثورة التصحيح فى يونيو 2013 والتى ساندها الجيش بعدها بثلاثة أيام خشية من الوقوع فى حرب أهلية التى كانت ليلة الاتحادية نموذجا لها. وباسم الاستقرار وضرورة تجاوز الفوضى الثورية تحولت ثورة التصحيح من خلال أجهزة الأمن إلى نظرة شمولية تقصى من أقصى. وعلى الباغى تدور الدوائر. آلاف فى السجون، من المتظاهرين وغير المتظاهرين، وعشرات من الممنوعين من السفر، وقانون التظاهر، وأحكام بالإعدام بالجملة أو بالسجن المؤبد. استقرار فى الظاهر، وغليان فى الباطن حتى ينفجر القدر وينكشف الغطاء.
كانت الثورة الفرنسية، مثل الثورة المصرية، شعبية. أفرزت مبادئ ثلاثة الحرية، والإخاء، والمساواة والتى أصبحت منقوشة على العملات الفرنسية الورقية والمعدنية وعلى دور القضاء. كما أفرزت الثورة المصرية مبادئ أربعة العيش، والحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية. أفرزت الثورة الفرنسية قيادات ثورية منها روبسبيير. وهو ما لم تفعله الثورة المصرية. كما سبقت الثورة الفرنسية كتابات ثورية عند فولتير وروسو، ونظريات بديلة عن الحق الإلهى والتوريث فى الحكم مثل العقد الاجتماعى عند جان جاك روسو، وهو ما لم يحدث فى الثورة المصرية التى سبقتها فى الغالب كتابات إصلاحية قاومتها كتابات سلفية مضادة. وبقت عبارات من كتاب الثورة الفرنسية تحدد التوجه السياسى لها مثل عبارة فولتير فلنشنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس للقضاء على السلطة السياسية للملوك والسلطة الدينية للكنيسة. وكانت المقصلة فى انتظار الملوك ورجال الإقطاع والأمراء بل والثوار أنفسهم الذين خانوا الثورة فى رأى ثوار آخرين الذين كان مصيرهم أيضا المقصلة مثل دانتون خطيب الثورة وروبسبيير الذى حوّل الثورة إلى إرهاب. ثم سئم الناس حراك الثورة وحكم الثورة فعادت الملكية إلى فرنسا، نابليون الثالث. وهو ما يعادل حكم الفلول فى الثورة المصرية بعد أن خلع رأس النظام السابق دون تفكيك جسده وتقطيع أوصاله. وأصبحت الثورة من ذكريات الماضى، حلما لمن تبقى من الجيل الثائر.
كوّن روبسبيير جبهة الإنقاذ. وتخلص، وهو المحامى الضليع، من خصومه السياسيين وعلى رأسهم خطيب الثورة دانتون. ودعا الفرنسيين إلى التوجه إلى الموجود الأعظم كى يضمن ما يوحدهم باسم الأخلاق ضد الفرقة الثورية. وجعل حكم الإرهاب هو حكم الفضيلة، وأن أهم شىء فى الحكم هو مقاومة الفساد. وهو ما يحدث الآن بعد ثورة التصحيح بالرجوع إلى النقاء الثورى الأول فى يناير 2011، والانتماء إلى الوطن، مصر، قد الدنيا.
ومن يصعد بسرعة يسقط بسرعة أكبر. ومن يجعل الإرهاب هو البديل عن الفوضى تعود إليه الفوضى كبديل أفضل للإرهاب. الإرهاب مسكن لآلام الثورة وفوضى الجسد ولكنه ليس علاجا له. هو حكم مؤقت ولكنه لا يمكن أن يكون حكما دائما. والخوف كل الخوف أن يشعر الناس أن الفوضى مع الحرية خير من الاستقرار مع الإرهاب. فالحرية تفرض نظامها وإن كان على الأمد الطويل. والإرهاب لا نظام له إلا القوة. والقوة ضعف مقلوب كما أن الضعف قوة كامنة. والخوف كل الخوف من أن يعود نابليون الثالث إلى الحكم ويقود الملكية إلى فرنسا باسم التصحيح أيضا وكأن الثورة كانت ذنبا لابد من التكفير عنه فى الحاضر، والتوبة منه فى المستقبل. ومن يدرى فربما بدأ حكم الفلول من خلال بعض رجالات السلطة التنفيذية ورجال الأعمال والأحلاف الخارجية مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. بقى احتمال آخر فى الأفق يراود الشباب وبعض الشيوخ. وهو ليس عودة الملكية ولكن العودة إلى ثورة يناير 2011 بعد التعلم من التجربة التى مرت على الثورة فى السنوات الأربع الأخيرة. صحيح أنه لا ضمان للتاريخ ولا تنبؤ بمساره ولكن هناك استقراء لقانون الثورات بين القيام والقعود، النهوض والسقوط. جدل الحزن والفرح لا ينتهى. يتغلب الحزن على الفرح مرة ثم يتغلب الفرح على الحزن مرة أخرى. فالفرح اليوم قد يحزن غدا. والحزين اليوم قد يفرح غدا. وفى كلتا الحالتين، يظن كل منهما أن الفرج قريب وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ .
كاتب مصري
AZP07