
رواية مثلث الموت
هيمنة الحدث على البناء السردي
مؤيد عليوي
رسم الروائي المبدع علي لفته سعيد ، خطوط روايته على حدث مهم من الواقع السياسي الاقتصادي الاجتماعي العراقي، إلا وهو تداخل الخنادق حيث تحوّل رجال استخبارات ومخابرات النظام السابق، إلى رجال دين وقياديين اسلامويين، مباشرة فور سقوط صنمهم في9 نيسان 2003 ليكونوا هم أصنام جديدة بذرائع جديدة مادامتِ الموجة القادمة موجة الإسلام السياسي ببزة المقدس مستغلين الجهل والتخلف في أغلب المجتمع بسبب نظامهم السابق، وإحاطة الأصنام الجديدة بهالة القدسية،الذي تجلى في وسم الرواية بـ” مثلث الموت ” لمناطق القتل الطائفي على الهوية سنة2006خارج العاصمة جنوباً ( اللطيفية وغيرها ).
موقف مهم
لقد بدأت الرواية بموقف مهم إلا وهو عثور احد الصحفيين العراقيين على وثائق تدين احد القادة الجدد وعلاقته باستخبارات بالنظام السابق، كانت هذه البداية تحت عنوان ” شمول ” بوصفها مقدمة للرواية وارتكازها على الحدث الكشف الذي يحرك الشخصيات الرئيسة الصحفيين الأربعة منتظر وسلام واحمد وخضير، كما يحرك الشخصيات الثانوية، وكذلك تعمل أهمية الحدث في سير المواقف اليومية للمتن الروائي بين الأفراد والمجتمع وحركة البنية التحية منه : الفقراء وسائقي الكية والباعة الجوالين وأصحاب المحلات، مع حركة البنية الفوقية للسلطة في بحثها عن الإرهابيين، وببراعة الروائي علي لفته سعيد تنقسم الأحداث والمواقف إلى ما يرويه الراوي العليم في المتن مباشرة أو ما يرويه بشكل غير مباشر عبر ما تتذكره الشخصيات الرئيسة في (الفلاش باك ) التي أخذت دائماً شكل قصص قصيرة كان يعيشها أبطال الرواية في زمان النظام السابق،وجميعها متصلة بالحدث المحرك لكل خيوط الرواية خيط الإرهابيين وخيط السلطة الجديدة التي لا تفصح عن الحقيقية التي يسأل عنها الصحفيون، وخيوط تترابط بين بعض رجال الدين الاسلامويين وجمهورهم واستخبارات النظام السابق واكثرهم من مناطق كثر فيها الإرهاب في حزام بغداد ، وبين الذين كانوا مُعتقلين في الأقبية وصاروا محافظين، وبين من كان يعمل في صحافة المعارضة للنظام السابق خارج العراق، وكيف تعامل أصحاب الكراسي الجدد مع أصحاب أمسهم من الصحفيين، ثم تصل ذروة العقدة في منتصف الرواية وتبدأ خيوط الغموض تنكشف وتتواصل مع بعضها حتى تنهي الرواية بمقتل ثلاثة صحفيين – الشخصيات الرئيسة – وهروب رابعهم خارج العراق بسبب الإرهاب غير المسطير عليه من قبل الحكومة في واقع الرواية سنة 2006 .
طعم التشويق
وبذكاء ماكر رمى المؤلف طُعم التشويق في – شمول- المقدمة ، فالذي عثر على الوثائق استخبارات النظام السابق صحفيٌّ وأحد أبطال الرواية، وبعد المقدمة أخذ المتنُ مباشرة يتدفق روائياً عن شخصيتين رئيستين وهما صحفيان – منتظر وسلام – مما يزيد التصاق القارئ في بحثه عن متابعة القراءة، بالذكاء ذاته أيضاً جعل المؤلّف احد الصحفيينِ يعمل مراسلا لأحدى الوكالات الإعلامية الأجنبية، والثاني يعمل لدى وكالة عراقية ليتشكل السؤال التالي مَن منهما حصل على تلك الوثائق ويزاد السؤال عمقاً عندما تظهر شخصيتا زميليهما في سطح المتن، لتتوافر فرصة البحث في البناء الروائي المرتكن على حدث يدفع ويحرك الشخصيات بغموض تتطلبه الرواية ولاسيما أن شخصياتها الرئيسة تعمل في دائرة بحث المعلومة ونشرها وفي دائرة الخطر الإرهابي وعدم رضا السلطة مما يوفر دافعاً فنياً للروائي علي لفته سعيد في ارتكان روايته على الحدث ، ويندفع بعدها المتن بسرد المواقف والأحداث حول العمل الصحفي، التي تدور في ذات الوقت بين الشارع العراقي والناس والانفجارات، وبين السلطة وعمل الصحافة في الكشف عن الحقيقية ، وقد كان الحدث الارتكاز مقابلة صحفية لشخصية رجل الدين في المتن الروائي ، الذي كان استخبارياً قيادياً في النظام السابق، غير المكشوف للمجتمع العراقي، مما وفر له جمهورا كبيرا يهتف بأسمه مع أنه يجيد أموراً دينية كثيرة تعلمها عندما كان يدرس الدين على يد أحد المسجونين في سجون النظام السابق،والتي كان حينها يقوم بعمله ألاستخباراتي ونقل أسماء المسجونين المحكومين بالإعدام بحسب توجيهات نظامه الدكتاتوري آنذاك، وهذه المعلومات تجيء من ذاكرة المحافظ الجديد الذي حاصرته الأسئلة الأمنية والصحفية ونشر خبر اختطاف ثلاثة صحفيين عراقيين، كما حاصرته صيحات الناس في الشوارع تتعرض على الانفجارات بين يوم ويوم ،وهنا في منتصف الرواية يأخذ البناء الروائي منحا حل العقدة حتى تدخل التفاصيل اليومية بوصفها جزئيات مهمة في البناء وجميعها متصل مباشرة بما يقوم به رجل الدين المشبوه وتداخل الخنادق الذي قام به فقتل مَن قتل من العراقيين بذريعة مقاومة المحتل، وربما شخصية رجل الدين هذا الذي كان يدعو لمقاومة الاحتلال بأسم الدين وليس بأسم الوطن يمثل سلسلة متصلة لما قام به النظام السابق من إعلان حملته الإيمانية التي دفع بها المجتمع إلى أمور دينية أو التدين الزائف ليكون غطاء مستقبلي لحركات إرهابية وغسل أدمغة الكثيرين وتجنيدهم، إذ من المعروف أن الدين لا يأتي بقرار حكومي أو سلطة سياسية توجه المجتمع ،بل الدين علاقة فردية بين الإنسان وما يعتقد ، لكن من الواضح أنها كانت تمهيد أرضية لحروب طائفية قصيرة الوقت لمراحل معينة، وطويلة الأمد بتدخل دول جوار العراق، مما حركة المياه الطائفية الراكدة حتى تفشت في خطاب وفعل الإسلام السياسي بشقيّه في العراق الجديد، ثم تنهي الرواية ضمن حل العقدة بملاحقة السلطة لضابط الاستخبارات السابق أو رجل الدين الجديد من اجل انقاد الصحفيين سلام واحمد وخضير، لكن ما من جدوى حيث يسأل عنهم زميلهم منتظر ليجدهم قد قُتلوا على يد أحدى زمر ضابط الاستخبارات آنف الذكر..، في منطقة مثلث الموت جنوب العاصمة بغداد، كما لم ينهِ البناء الروائي حالة القتل والقتال الطائفي بل جعل النهاية مفتوحة على احتمالات متعددة،مما يشي بمعنى من المعاني :أن إمكانية تسلل استخبارات ومخابرات النظام السابق،إلى مواقع السلطة العليا الجديدة عبر دخولها – تحت مفهوم التوبة – إلى أحزاب الإسلام السياسي والتي هي حديثة عهد بإدارة الدولة وتحتاج أليهم .


















