رواية “لهيب الجهات”.. رحلة الذات عبر ضجيج العوالم

 

نورالدين طاهري

 

رواية “لهيب الجهات” لمحمد بنسعيد عمل سردي غني ومركّب، يفيض بالتجربة الإنسانية والقلق الوجودي، ويعكس جراح الذات المفردة وهي تواجه عالما متصدعا، تبدأ فيه الحكاية من قريته الجبلية “توزليفت” لتغوص عميقا في ذاكرة الطفولة، ثم تنتقل به إلى الضياع في الدروب الأوربية، عبر فضاءات متعددة تبدأ بـ”مدريد” وتمر بـ”بلباو” ولا تنتهي عند “دوار الليل”. هذه الرواية، وإن بدت كمسار هجرة خارجي، فإنها في العمق رحلة في دروب الذات المتشظية.

ينطلق السرد من بوح داخلي عميق، تسنده لغة مشحونة بالحزن والمفارقة، وتتوزع فيه الشخصيات بين حضور حميمي وموت رمزي. البطل – أو الراوي – الذي تتعدد أسماؤه (حامد، حميد، محمد) لا يمتلك هوية متماسكة، بل يقدَّم كذات مفتتة تسعى باستمرار إلى لمّ شتاتها، في عالم لا يعترف بها. اسمه يتغير حسب السياق الجغرافي والاجتماعي، وكأن الأسماء لا تمثّل ثباتا في الوجود، بل هي أقنعة تؤكد التمزق.

الجد في الرواية يشكل رمزا قويا للجذر والانتماء والمقاومة. رجلٌ مات وهو شامخ، محبٌ للأرض، غارسٌ للتين والرمان والزيتون، مقاومٌ للاحتلال، لكنه انتهى كما تنتهي الأساطير المجهولة: منسيا في وطن لا يعترف بأبطاله. موته، كما سرده الراوي، هو موت الرمز، موت الكرامة، وموت القيمة في مجتمع فقد ميثاقه الأخلاقي.

شخصية الأب تجسد مأساة المناضل الذي لفظه النظام بعد أن خدمه. يظهر مطرودا من مكتب صغير لأنه تجرأ وطلب وثيقة، ويتلقى العبارة الشهيرة “اخرج علي برا”، فتتضخم هذه العبارة في وعي الابن، وتتحول إلى اختزال رمزي لعلاقة الوطن بأبنائه. “اخرج علي برا” ليست مجرد أمر بالطرد، بل إعلان وجودي بأن الوطن لم يعد وطنا، بل جدارا يُقصي، ويحتقر، ويُخْرجُ من رحمه أبناءه.
في المقابل، تقف الأم كصوت داخلي نقي، ملاذ روحي، وصوت الحكمة الذي يحضر كلما اشتدت المحنة، وكأنها ذاكرة الطمأنينة التي تأبى أن تُطرد، على خلاف الأب الذي جسّد الانكسار.
من جهة أخرى، تمثل زهرة مزيجا بين الحب والوطن. هي “الوطن الجميل” كما وصفها الراوي، لكنها في لحظة ما تتحول إلى مصدر الجرح، في إشارة واضحة إلى الوطن الذي نحبه رغم ما يُنزله بنا من خذلان. أما روكسانا، فتمثل الوجه الآخر من التجربة: الغرب الجميل والمغري، لكنه أيضا غامض، مراوغ، وقد يتحول إلى مصدر تهديد وجودي، بل وقاتل كما تكشف بعض المشاهد المتوترة التي تعيشها مع البطل.

ماريا، في المقابل، تُقدَّم بصورة متوازنة، مثقفة، منفتحة، ممثلة لحساسية قومية (الباسك)، لكنها غير عدوانية. هي الجسر الثقافي الحقيقي بين الراوي وقضية الإنسان في بعدها الكوني.

وتتقاطع الأمكنة في الرواية عبر طابعها الرمزي: “توزليفت” جذر الذاكرة والبراءة، “دوار الليل” هو انهيار الحلم وتحوّل الحنين إلى كابوس، في حين تشكل “مدريد” ساحة اغتراب متحضّر، و”بلباو” مكان تأمل وفقد. “غرنيكا” تُستدعى كمحطة لتوسيع المأساة الفردية إلى مأساة كونية. الكاتب يستثمر التاريخ والذاكرة الجماعية ليعطي لروايته بعدا شموليا، يربط الفردي بالجمعي.
السرد، وإن اعتمد ضمير المتكلم، إلا أنه لا يقع في الذاتية المحضة. ثمة حضور لافت للضمير الجمعي، سواء من خلال الحديث عن الوطن، أو استحضار نضالات الأب والجد، أو حتى من خلال مشاركته في المظاهرات، والنقاشات الفكرية في الندوات.
تقنية التقطيع الزمني والتداعي الحر جعلت النص متشابكا، يحاكي تشظي الذاكرة، ويُبقي القارئ في حالة انشداد دائم. ليس هناك مسار خطي للأحداث، بل تتداخل الأزمنة في مشاهد مشحونة بالعاطفة والرمز.
اللغة في الرواية تتسم بالرصانة والتوازن الدقيق بين السرد الواقعي والتأمل الشعري، مما يجعلها تتسم بثراء أسلوبي لافت. هذه اللغة لا تقدم مجرد تسلسل للأحداث، بل تفتح المجال أمام القارئ للتأمل في أبعاد أعمق للواقع، فتندمج الوقائع اليومية مع معاناة الذات الإنسانية في مواجهة الأسئلة الوجودية الكبرى. من خلال هذه المقاربة، تتداخل الواقعية مع لحظات الشعرية، حيث لا تقتصر الكلمات على تقديم المشهد فقط، بل تنبض بالحياة وتلتقط لحظات التجليات الداخلية.
إنها لغة ليست محايدة، بل تحمل في طياتها طابع السخرية التي تنبع من فم الواقع نفسه، فتستغل المفارقات والمواقف اليومية لتكشف عن هشاشة الإنسان ومواقفه في عالم مليء بالمتناقضات. كما لا تغيب عن هذه اللغة مشاعر الحنين، ذلك الحنين الذي يبرز في تفاصيل صغيرة، يذرفه الزمن وتظل الذاكرة متمسكة به، في إشارة إلى أن الماضي لا يزال يلوح في الأفق كطيف بعيد يؤثر في الحاضر ويُعكر صفو المستقبل.

أما المجاز، الذي يعد أحد أبرز أدوات التعبير، فينقل النص إلى فضاءات أوسع من معانيه المباشرة. فهو لا يقتصر على تقديم الصور البلاغية بل يساهم في خلق رمزية كثيفة تشحذ ذهن القارئ وتفتح أمامه أبواب التأويل. التكرار، من جانبه، يعزز هذه الرمزية ويُكثف المعنى، إذ يحيل القارئ إلى تكرار دورة الحياة أو الذكريات التي لا يمكن نسيانها، وهو بذلك يخلق حلقة مغلقة من المعاناة والاستمرارية.

وفيما يخص الحوارات، فهي نادرة ولكنها محورية، إذ لا تقتصر على كونها مجرد تبادل للكلمات، بل هي لحظات مكثفة مليئة بالتوتر والعمق. غالبًا ما تكون هذه الحوارات جزءًا من صراع داخلي تدور رحاه في أعماق الشخصية، حيث يكون الحديث مع الذات أكثر تعبيرًا عن الصراع النفسي من أي محاورة خارجية. هنا، لا تسعى اللغة إلى شرح المصير أو تقديم حلول، بل تترك المجال للتأمل الفلسفي في مفاهيم مثل الحرية، القدر، والوجود، مما يجعل الرواية أكثر من مجرد سرد، بل تجربة حية تتطلب من القارئ الانخراط في تأملاتها وقراءتها بين السطور.
تتكرر تيمة “القطار” و”الحافلة” في الرواية كرموز للترحال والتيه. ليست مجرد وسائل نقل، بل استعارات للبحث عن الذات، أو الهروب منها. هو تحرك دائم لا يبلغ استقرارا. أما “دوار الليل”، فتمثيل سردي للعبث، حيث يتقاطع القمع الاجتماعي مع العزلة النفسية، وينهار المشروع التربوي أمام أعراف متوحشة.

الحشيش، الهلوسة، هواجس المقبرة، كلها تعبيرات عن انهيار الذات في لحظة مواجهة مستحيلة مع واقع لا إنساني، يجعل من الحب جريمة، ومن التعليم خطرا، ومن الكتابة عبثا لا طائل منه. بل إن الكتابة ذاتها، على ما فيها من خلاص، تبدو عاجزة، محدودة، لكنها ملاذ أخير، تماما كما يشير السرد في مقاطع البوح بالدفتر الأزرق.
أما التيمات الكبرى، فتتوزع بين سؤال الهوية المتشظية، والغربة الثقافية والجغرافية، والخذلان العاطفي، والقمع السياسي والاجتماعي. المرأة تحضر في الرواية بصورة معقدة: فهي المخلّص والقاتل، الوطن والحلم، اللذة والخطر. تتجسد في زهرة وروكسانا كقطبين متنافرين: زهرة تغوي وتختفي، وروكسانا تحب وتخنق.
وتشكل جدلية المركز والهامش إطارا فلسفيا عميقا في الرواية: حامد، المثقف المهمش، القادم من قرية منسية، يصطدم بمراكز القوة والهيمنة في بلده وفي بلاد المهجر. وكلما اقترب من المركز، اكتشف زيفه، وكلما عاد إلى الهامش، وجد ذاته في حطامها، لكن أيضا في صدقها.

الرواية لا تدعي البطولة، بل تُنصت للانكسار. هي رواية فرد يبحث عن معنى وسط ضجيج لا يُطاق. كل الأمكنة فيها طاردة، وكل العلاقات قابلة للانهيار. لكنها أيضا رواية مقاومة بالصوت الخافت، ببوح الجراح، بكتابة الألم.
لهيب الجهات ليست رواية أحداث فقط، بل هي رواية رؤية، تبني عالما متكاملا من الأسى والتأمل. تسائل فيه الكائن الإنساني عن جذوره، عن وطنه، عن جسده، عن انتمائه، عن تاريخه، عن غربته داخل ذاته. ولذلك فهي تتجاوز حدود السيرة الذاتية لتصبح سيرة جيل، وسيرة وطن، بل وحتى سيرة وجودية لكائن عربي متعب في عالم متوحش.

إنها رواية تكشف بلا صراخ، وتقاوم بلا شعارات، وتبوح بلا ابتذال. تستحق أن تُقرأ بعمق، وأن تُدرس كعمل يمثل قلق المرحلة، ويُجسد في لغته وأسئلته، صرخة الذات في زمن خذلها من كل الجهات.