رواية عن امرأة تقاوم العنوسة بالمفاهيم لا بالزواج

بيروت- الزمان

وتمضي إنعام ديوب في كتابتها كما لو أنها تمسك بمرآة مشروخة، ترى فيها ملامح “نورا”، البطلة التي تشبه آلاف النساء، لكنها لا تشبه إلا ذاتها حين تخاطب عقدها الرابع بكلمات غاضبة، ساخرة، وحنونة في آنٍ معاً.

وتكشف الرواية التي صدرت حديثاً بعنوان “على ضفاف الأربعين: وللأربعين فصل آخر” عن تلك الهشاشة المختبئة تحت طبقات الثقة، وعن الكلفة العالية التي تدفعها النساء حين يؤجلن زواجهنَّ لا لسببٍ إلا لأنهن اخترن طريقاً مختلفاً، فوجدن أنفسهن في مواجهة مجتمع يتعامل مع الأربعين كعتبة للذبول، لا كبداية جديدة.

وتبني ديوب سردها كما لو كانت تكتب اعترافاً جماعياً باسم نساء لم يُنصفهنَّ الزمن ولا الأعراف، وتعيد تركيب سؤال “العنوسة” بطريقة تحرض القارئ على مساءلة المفهوم برمّته:
هل هو قيد بيولوجي؟ هل هو حكم اجتماعي؟ أم هو مجرد وهم زرعه الخوف في ذاكرة النساء؟

وتحضر “نورا” لا بوصفها ضحية، بل كامرأة قررت أن ترى فصول الحياة بعينيها، فواجهت خيباتها بعناد، واحتفظت بأنوثتها رغم أن الخريف حلّ مبكراً، بحسب ما يقول السرد في مشهد من المشاهد:
“امرأة بحزن الخريف، تعيش خيبة الأماني، ولوعة التخلي، وموت الاهتمام، وسخافة المكابرة، وذبول الجمال، وفقدان الأمل، وحتى نعي الحلم بفصل ربيعي آخر!”.

وتنقل الكاتبة هذه المشاعر دون أن تلبسها ثوب الأسى وحده، بل تترك لها هامشًا للمواجهة والمقاومة، حيث لا تنتهي القصة بالحزن، بل بإدراك أن الفصول لا تتوقف، وأن المرأة ليست رقماً في دفتر الزواج، بل كيان يتجدد رغم كل ما تفقده.

وتسائل الرواية بشكل مباشر دور الذكورة في صناعة هذا المفهوم الجائر، فتكتب:
“هل تُحدَّد قيمة المرأة بعدد سنين عمرها؟ هل يعني تأخر الزواج أن تكون المرأة مجرد متعة عابرة لها تاريخ صلاحية؟ وهل يُلام الرجل إن بقي أعزباً في الخمسين بينما تُوصم المرأة في الأربعين؟”.

وتسير الحكاية على ضفاف الأسئلة، أكثر من بحثها عن أجوبة، وتمنح القارئ مساحةً للتأمل في القيم التي يرددها من دون أن ينتبه لآثارها، خصوصاً في البيئات التي ما زالت تحاكم النساء بأعمارهن، وتكافئ الرجال بصمتٍ مطلق.

وتأتي الرواية في 277 صفحة عن الدار العربية للعلوم ناشرون، بأسلوب سردي شاعري يدمج بين الحكي والتحليل، ويعتمد على شخصية رئيسية واحدة تروي تجربتها الذاتية بأسلوبٍ introspective حميمي يجعل النص أقرب إلى اليوميات منه إلى البناء الروائي التقليدي.