رواية حبّانجي:ذاتية السرد وتفكيك تقاطعات الزمن

 

مروان ياسين الدليمي

 

 

رواية “حبانجي”للروائي السوري نصار الحسن،الصادرة عن دار غراب للنشر والتوزيع عام 2023، ترصد تعقيدات الحياة بمستوياتها المختلفة في مدينة الحسكة السورية خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين.مدينة تتميز بطابع عشائري، مما يجعلها بيئة خصبة لاستكشاف تأثيرات السلطة والنظام السياسي على الأفراد والمجتمع. يختار الكاتب هذه المدينة لتكون مسرحًا للأحداث، حيث ينتقل إليها صفاء درويش – السارد والشخصية المحورية في آن ، مع والدته بعد وفاة والده، المحامي المعروف وصاحب المكانة الاجتماعية المرموقة. على الرغم من ذلك، يعمل في مكتب صديق والده لاكتساب الخبرة، مما يتيح له الاطلاع على الواقع اليومي المضطرب سياسيًا واجتماعيًا .

متاهة العنوان: أصداء الواقع المبهم

لا يُمكن المرور على عنوان الرواية “حبانجي ” مرورًا عابرًا؛ فهو مفتاح تأويلي شديد التكثيف والدلالة، يُحمِّل النص كله بإيحاءاته الرمزية، ويوجّه القارئ منذ اللحظة الأولى إلى زاوية نظر خاصة إلى العالم الروائي.العنوان بحد ذاته يُثير الالتباس اللغوي؛ فكلمة “حبانجي” ليست متداولة في اللغة العربية المعاصرة، ولا تنتمي إلى حقل دلالي معروف أو شائع. وهذا الإبهام يخلق أولى درجات التوتر: من هو “حبانجي” ؟ هل هو اسم شخص؟ أم صفة ؟ أم حالة ؟ . هنا، تبدأ الرمزية: الإبهام في الاسم يعكس إبهام الشخصية، والواقع، والمعنى، ويُحاكي الغموض الذي يلفّ الحياة في ظل القهر السياسي والاجتماعي.
في السياق السردي، يتضح أن “حبانجي” هو شخصية تنتمي إلى نموذج اجتماعي مألوف في الواقع السوري: الفرد المندمج في النظام، الذي يُمارس الخضوع ويُعيد إنتاجه، لا بدافع الإيمان بل من أجل النجاة أو النفع أو التماهي المرضي مع السلطة. بذلك، يُصبح العنوان رمزًا لـ: الموظف النموذجي في نظام مختل. الإنسان الذي يُساهم – بوعيه أو بدونه – في تزييف المعنى. الكائن الذي يرضى بالحد الأدنى، وينكر ذاته في سبيل القبول.

هنا، يتحوّل العنوان إلى عتبة رمزية لفهم الرواية كلها: هي ليست عن “حبانجي” كفرد، بل عن “الحبانجية” باعتبارهم ظاهرة ، قالب بشري يُنتجه النظام ويُكرّره في كل مؤسسة ومكان . بوصفه استعارة للخراب الداخلي ، هو ليس شخصية شريرة بشكل سافر، لكنها فارغة ، أو بالأحرى مُفرَّغة من ذاتها. في هذا السياق ، يمكن قراءة الاسم كاستعارة لـ: الخراب النفسي الذي يُصيب الفرد عندما يتحوّل إلى أداة. استعارة للضياع المعنوي، لمن يفقد البوصلة الأخلاقية وسط ازدواجيات الواقع. إذن “حبانجي” لا يعود مجرد اسم، بل صورة مجازية للاغتراب واللاجدوى والانكسار.إضافة إلى كونه إشارة دلالية، فهو يعمل كبنية متكررة تتردد عبر الفصول، ليس حرفيًا، بل من خلال سلوك الشخصية، حضورها، موقعها في شبكة العلاقات. كل ما يدور في الرواية يصبّ في النهاية في تشكيل “حبانجي” كرمز مهيمن تتحدد مواقف الراوي منه. تتحدد مواقف المجتمع فيه. وتتحدد رؤية الكاتب من خلاله. بذلك، يغدو العنوان عدسة تفسيرية، يرى القارئ عبرها المأساة الأكبر: مأساة الإنسان حين يفقد ذاته ليُصبح “حبانجي”. إنه اسم لكائن رمادي يعكس الواقع الرمادي، ومرآة لفرد متشظٍ لا يملك نفسه، ولا يملك حتى اسمه.

تقنيات السرد: مرآة التشظي

يستخدم نصار الحسن صيغة الراوي العليم،لسرد الاحداث،لكنه في الوقت نفسه يُخضعه لوجهة نظر الشخصية الرئيسة ، مما يمنح السرد طابعًا ذاتيًا. فالقارئ لا يتلقى المعلومات بشكل محايد، بل من خلال وعي البطل الذي يتطور تدريجيًا بين الخضوع والنقد والتمرد، مما يفتح المجال أمام تيار الوعي كأحد الأساليب الفرعية داخل السرد. والرواية تلجأ إلى تفكيك الخط الزمني التقليدي، حيث تتنقل بين الحاضر والماضي، وبين لحظات الذاكرة والراهن، مما يعكس اضطراب الواقع السوري نفسه.هذا التشظي الزمني يوازي تشظي الهوية والشعور بالانتماء، في مجتمع يتعرض يوميًا لإعادة إنتاج قيمه ومفاهيمه وفق منظومة السلطة.
الشخصيتان الرئيسيتان – “حبانجي” و”صفاء درويش” – ليستا فقط شخصيتين روائيتين بل رمزين سرديين؛ يمثل الأول القابلية للاستعباد والتماهي مع السلطة، بينما يمثل الثاني روح التمرد والرفض.هذا التضاد يُستخدم كأداة سردية لتوليد التوتر والتساؤل، وإظهار التشققات الداخلية في المجتمع والنفس البشرية.
يستخدم الكاتب أسلوب السخرية أحيانًا في التعليق على المواقف أو على الشخصيات، وخاصة تلك التي تُجسد الخنوع أو النفاق الاجتماعي.هذه السخرية تُعتبر تقنية نقدية بالغة الأهمية، تكسر جديّة السرد وتمنحه لمحة من المرونة، كما تكشف هشاشة الهياكل السلطوية حين تُرى من منظور ساخر.

الزمن السردي : قطيعة وتكرار

يُشكّل الزمن السردي أحد المفاتيح الأساسية لفهم البناء الفني والفكري للنص. فالزمن هنا ليس مجرّد خط تتوالى عليه الأحداث بترتيب سببي، بل هو بنية معقدة ومتشظية، تُجسّد التوتر بين الذاكرة والراهن، بين التكرار والقطيعة، بين الفرد والتاريخ. من هذا المنطلق، يتعامل الكاتب مع الزمن بوصفه أداة فنية لتفكيك الواقع وكشف تناقضاته، لا مجرّد خلفية جامدة تدور فيها الحكاية. من أبرز ملامح تعامل المؤلف مع الزمن السردي هو التفكيك المتعمد للتسلسل الزمني الخطي. فالرواية لاتبدأ من نقطة أصل ثم تتدرج حتى النهاية، بل تتنقل باستمرار بين ماضٍ شخصي (ذكريات الطفولة، حياة الأب)، وماضٍ جمعي (التحولات السياسية والاجتماعية في مدينة الحسكة)، وحاضرٍ يعيش فيه البطل أزمة الانتماء والوعي.هذا الأسلوب يُعبّر عن تشظي الوعي داخل بيئة مضطربة، كما يُحاكي طبيعة التذكر والوعي البشري الذي لا يسير بخط مستقيم، بل يتقافز بين اللحظات والأزمنة بحسب الضغط العاطفي والتأملي.
الماضي والحاضر:خط فاصل هش

يفصل الكاتب بين الزمن الخارجي (الوقائع اليومية) والزمن الداخلي (التجربة الشعورية للشخصيات). ففي كثير من المشاهد، يتباطأ الزمن السردي ليُفسح المجال للتأمل، أو يتسارع ليمر على وقائع لا يرى الكاتب فيها عمقًا دراميًا. هنا يظهر الزمن بوصفه تجربة فردية؛ فليست السنوات هي ما يهم، بل كيف تُعاش تلك السنوات داخل الذات المنكسرة أو المتمردة. هذه التقنية تجعل من الرواية أقرب إلى اعترافات باطنية منها إلى سرد أحداث. والماضي لايُستخدم كحُنين نوستالجي، بل يُعاد إنتاجه ليُظهر الانحدار التدريجي للواقع. فبينما تُستدعى فترات سابقة (فترة الأب، فترات ما قبل السلطة المتغولة)، فإنها لا تُقدّم كعصور ذهبية، بل كتمهيد لانهيار أخلاقي وقيمي تدريجي.بهذا، يُسائل الكاتب الذاكرة الجماعية ،فالزمن هنا ميدانًا للصراع يُعبّر عن موقف وجودي من الحياة والسلطة والمجتمع، ويكشف هشاشة الخط الفاصل بين الماضي والحاضر، بين التجربة الفردية والجماعية، بين ما كان وما يمكن أن يكون.
يُكثر المؤلف من استخدام الاسترجاع (فلاش باك)، خاصة حين يرتبط السرد بسيرة الأب أو بالأحداث السياسية التي شكّلت البيئة الاجتماعية في الحسكة. هذه التقنية تُستخدم ليس فقط لتقديم خلفية سردية، بل لكشف الأسباب التي شكّلت شخصية الراوي وتفسير سلوكه.

بنية الشخصيات: ثنائية التمرد والخضوع

تُبرز الرواية شخصيتين متضادتين: “حبانجي”، الذي يمثل الخضوع للسلطة والانغماس في النظام، و”صفاء درويش”، الذي يجسد التمرد والرفض. هذا التناقض يعكس الصراع الداخلي في المجتمع بين الانصياع والتمرد، ويُظهر كيف يمكن للسلطة أن تُشكّل الأفراد وتُعيد تشكيل هويتهم .ومن خلال ذلك يتكشف حجم الفساد والعبث في مجالات القضاء، التعليم، والعلاقات الاجتماعية، مما يعكس تدهور القيم والمؤسسات ،وكيف يمكن للسلطة أن تُحول المواطنين إلى “عبيد” من خلال سياسات الإذلال والتخويف، مما يؤدي إلى فقدان الأفراد لقدرتهم على التفكير والرفض . كما تسلط الرواية مشرطها لتعرية الصراعات القومية والدينية والمذهبية، وكيف تؤثر على تشكيل الهوية الفردية والجماعية في ظل نظام سلطوي .

رمزية الشخوص : مفاتيح التأويل

تشكّل بنية الشخصيات واحدة من أبرز مفاتيح الفهم والتأويل، إذ لا تُبنى الشخصيات وفق أنماط جاهزة أو نماذج تقليدية، بل تُصاغ بوصفها تجسيدًا حيًا لصراع الإنسان مع ذاته ومع محيطه، ومع بنى السلطة القامعة التي تسعى إلى تطويعه أو تحطيمه. ومن خلال بناء معقد ومتشابك للشخصيات، يتضح أن الرواية لا تسعى فقط إلى حكاية مصائر فردية، بل إلى تشريح البنية المجتمعية بكل تناقضاتها وتوتراتها. فشخصية “حبانجي”رمز مركزي يختزل روح الخضوع والامتثال. شخصية تُبنى تدريجيًا بوصفها ناتجًا مباشرًا للسلطة، لا بقرار واعٍ منها، بل كنتيجة تراكمية للخوف والامتيازات والهشاشة الأخلاقية .بنيتها النفسية هشّة، مترددة، لكنها تُغلف نفسها بثوب القوة المصطنعة.يُقدَّم “حبانجي” بوصفه منتجًا للنظام أكثر منه شخصًا قائمًا بذاته، وتُمثّل رحلته في الرواية صورة لآليات القهر التي تحوّل الإنسان إلى ترس في آلة.
بينما شخصية صفاء درويش تبدو على النقيض من “حبانجي”، تأتي كمعادل موضوعي للرفض والمعرفة.شخصية تقرأ الواقع، وتكشف بنيته، لكنها تبقى عاجزة عن تغييره. شخصية مثقفة، ناقدة، لكنها منعزلة. تعيش تمزقًا داخليًا بين الحلم والواقع. تمثل العقل الحرّ المُحاصر بين جهل المجتمع وسطوة السلطة. مثال على ما يسميه النقاد “الشخصية الناطقة باسم الكاتب”، لكنه لا يُستخدم كأداة خطابية، بل يُمنح عمقًا وجوديًا يُجسد ثقل الوعي في بيئة مغلقة.

لغة السرد : تكثيف ضد النسيان

تأتي لغة السرد بوصفها عمادًا أساسيًا في بناء العالم الروائي، أداة شعرية وفكرية تحمل البنية العميقة للرؤية، وتعبّر عن التوتر القائم بين الداخل والخارج، بين الذات والسلطة، بين المعنى والفراغ. إنها لغةٌ مشبعةٌ بالإيحاءات، متقشفة أحيانًا، متورطة في الألم دائمًا، وتُعبّر عن نفسها كما لو كانت صوتًا خافتًا يُقاوم الطمس. لغة متحررة من الزوائد الأسلوبية. الجمل غالبًا قصيرة، لكن مشحونة بطاقة دلالية مكثفة،دون إسراف في الوصف أو التحليل. لغة تتناسب مع طبيعة الرواية التي تتحرك في فضاء التأمل والانكسار والشك .
يأتي الوصف في الرواية ليس هدفًا بذاته، بل وسيلة للكشف النفسي والاجتماعي. فاللغة لا تصف ما يُرى، بل تكشف ما يُخفى. وتتسلل إلى لغة السرد نبرة تهكمية خفيفة لكنها حادة، وخصوصًا حين يتناول الكاتب سلوك الشخصيات التي تمارس النفاق أو التماهي مع النظام. هذه السخرية ليست مباشرة ولا فاضحة، بل تتخفّى في تركيبات لغوية ذكية تُبقي القارئ بين ابتسامة موجعة وتأمل حزين. واللغة في الرواية تميل إلى الاقتصاد، مع استخدام انزياحات لغوية تُكسب النص بُعدًا شعريًا رغم واقعيته.هذا التكثيف يخدم السرد في لحظات التأمل، حين تتحول الرواية من حكاية إلى تأمل في جدوى الحياة داخل عالم مُفكك.