

مروان ياسين الدليمي
رواية “بنات غائب طعمة فرمان” للروائي العراقي خضير فليح الزيدي، من الأعمال السردية التي تحمل طابعًا تجريبيًا يجنح إلى الفانتازيًا،حيث يمتزج فيها الواقع بالخيال،والحاضر بالماضي،في محاولة لاستحضار روح الروائي العراقي الكبير غائب طعمة فرمان ليس كشخصية تاريخية فحسب، بل كرمز للإبداع والغياب والحنين. فالزيدي في هذه الرواية يقدم نصًا يتجاوز حدود السرد التقليدي، ليخلق حوارًا بين أجيال الأدب العراقي، مستعيدًا أجواء بغداد القديمة وشخصياتها التي صنعت عالم غائب الروائي، بينما يضيف لمساته الخاصة التي تعكس رؤيته الفنية المعاصرة.
المتن الحكائي
يختلق غائب طعمة فرمان خبر موته في موسكو،بينما هو ما يزال على قيد الحياة،ويصل الخبر إلى بغداد، لكنه يستغرب عندما يقام له مجلس عزاء بجامع الرحمة في العاصمة العراقية التي كان قد غادرها منذ ثلاثين عاما ! فيقرر السفر وحضور مجلس العزاء الذي ضم أصدقاءه وقراءه وشخصياته الروائية،ويحضر هو أيضا العزاء. والمفارقة في عودته إلى بغداد أنه يجدها قد تغيرت كثيرا ولم يعد فيها من يعرفه،لاضابط الجوازات ولاسائق التكسي،ولاأحد ينتظره في المطار، إنها غربة حقيقية تضاف إلى غربته الطويلة في موسكو،لم يبق شيء من بغداد التي يعرفها سوى رائحة الأسمال .ولكي يُسمح له بمغادرة المطار ودخول مدينته يكفله المحامي جبر الشوك الذي كان يتولى شؤون صديقه التاجر عبد الرزاق البيرقدار الذي قُتل بعد أن غادر فرمان العراق، كما يتولى شؤون ابنته دلال عبد الرزاق التي تعود من أوربا لتصفية أملاك والدها ولتسليم مخطوط رواية كان قد فقدها فرمان في مكتب والدها. حال وصول فرمان إلى بغداد يجد نفسه منفصلا عنها،عن أخلاق سكانها،عن مفردات جديدة يستعملونها في حياتهم اليومية لايستطيع فهمها .حتى حواره مع سائق التكسي الذي نقله من المطار بدا اشبه بحوار طرشان . وبسبب إصابته بمرض التدرن كان قد أجرى عملية جراحية أوقفت ضمور خلاياه والمفضية إلى موتها،وبموجبها حصل على ركام من الحكايات كان مستقرا في قاع الذاكرة . ثم غط في نومة عميقة بعد العملية استمرت حتى العام 2006 . ليعود بعدها إلى بغداد. إذن هي رحلة بحث عن غائب، في الأماكن التي عاش فيها،واستلهم منها رواياته وشخوصه،ورحلة بحث عن غائب الإنسان،ولكن أيهما أجدى البحث عنه: غائب / الخارج الذي تغير ولم يعد منه أي شيء،أم غائب/ الداخل، الكامن في رواياته والمخطوط الذي تركه قبل أن ينهيه ؟.
عتبة العنوان
يحمل العنوان “بنات غائب طعمة فرمان” دلالات متعددة الأبعاد. فمفردة “البنات” هنا لا تشير بالضرورة إلى شخصيات نسائية بالمعنى الحرفي، بل يمكن تأويلها كاستعارة لأفكار غائب وشخصياته الروائية التي تركها وراءه، كما لو أنها “بنات” قلمه وخياله.وهي تجسيد للإرث الأدبي الذي يظل غائبًا عن الواقع المعاش، مثلما ظل فرمان نفسه غائبًا عن وطنه في فترة منفاه الطويلة. إذن العنوان، ينزاح إلى الناحية الرمزية ليفتح الباب أمام تفسيرات متعددة، مما يضفي على الرواية عمقًا تأويليًا منذ البداية.
السردي والفانتازيا
البنية السردية جنحت إلى الفانتازيا طالما استحضر الكاتب شخصيات من روايات غائب، لكنها تظهر في سياق جديد، كما لو أنها أشباحًا تتجول في بغداد الحديثة، تحمل ذكريات الماضي وتتفاعل مع حاضر متخيّل. هذا التداخل بين الأزمنة والأمكنة خلق الشعور بالاغتراب، وهو الموضوع الذي كان فرمان نفسه مهووسًا به في أعماله . وبينما الرواية تسعى لتكريم فرمان، نجدها تبتعد عن حبكة السرد التقليدية، بالتالي هي تشترط قارئًا مستعدًا لاستيعاب بنيتها التجريبية،ولعل في ذلك خصوصيتها الفنية. والشخصيات سواء كانت مستعارة من أعمال فرمان أو مبتكرة من الزيدي، اتسمت بطابعها الرمزي أكثر من كونها كيانات واقعية ملموسة، وفرمان نفسه يظهر كحضور شبحي، محسوس، كما لو كان الأمل المفقود الذي تنتظره الشخصيات دون أن يظهر فعليًا. هذا الاختيار يعكس فكرة الغياب المركزية في العمل. من ناحية أخرى، تبرز شخصيات نسائية مثل “دلال البيرقدار” التي تتشابه مع “تماضر” أو “مظلومة” من أعمال فرمان، مما يشير إلى اهتمام الزيدي بتسليط الضوء على المرأة المستلبة،وهي سمة بارزة في أعمال فرمان أيضًا. لكن الزيدي يذهب أبعد من ذلك، ليمنح هذه الشخصيات أبعادًا جديدة، سعيا منه لإعادة كتابتها في سياق معاصر، ما يضفي على الرواية طابعًا حواريًا بين الماضي والحاضر.
الأجواء البغدادية والحنين
أبرز نقاط قوة الرواية يتضح في استحضارها لأجواء بغداد القديمة، من أزقتها وحاناتها إلى نهرها وشوارعها، ليرسم الزيدي لوحة حية لهذه المدينة، لكنها تبدو مدينة متخيلة أكثر منها واقعية محملة بالحنين والخيال. هذا النهج يتماشى مع رؤية فرمان الذي كان يرى بغداد باعتبارها كيانا حيا يتنفس مع شخصياته، لكن الزيدي يضيف إليها طبقة من الغرابة والفانتازيا تجعل المدينة تبدو أشبه بمسرح لأحلام وكوابيس الشخصيات. ولا شك في أن الرواية نجحت في استحضار روح فرمان وعالمه الروائي، وتقديم رؤية سردية عن علاقة الأديب بإرثه ووطنه. والزيدي من خلال هذا العمل يؤكد حضوره باعتباره صوتًا مميزًا في السرد العراقي المعاصر، يحمل همّ الذاكرة والإبداع معًا.حيث يمزج بين الواقع والفانتازيا، لخلق حوار بين الواقعية التي اشتهر بها فرمان والخيال الذي يميز رؤية الزيدي.
تتداخل الزمن
يتجلى التخييل في إعادة بعث شخصيات وأجواء من روايات فرمان لكن الزيدي لا يكتفي باستنساخها، بل يضعها في سياق متخيّل يتجاوز حدود الواقعية التي كتبت بها. فبدلاً من بغداد الواقعية التي وثّقها فرمان، تظهر المدينة هنا كفضاء فانتازي، تتجول في رحابه أشباح الشخصيات القديمة وتتفاعل مع أحداث معاصرة غير محددة زمنيًا. هذا التخييل يخدم فكرة الرواية المركزية: الغياب، سواء كان غياب فرمان عن وطنه أو غياب إرثه عن الواقع الحالي. والزيدي يستخدم التخييل أيضًا لخلق حضور رمزي لفرمان نفسه باعتباره رمزا للذاكرة والإبداع المفقود. هذا الخيار يحول الرواية إلى تأمل العلاقة التي تجمع بين الأديب وإرثه، واستعادة لعوالم فرمان بطريقة لا تستنسخها، بل تعيد صياغتها .
أولى تقنيات السرد البارزة في الرواية هي التلاعب بالزمن. فالزيدي يمزج بين الماضي (زمن روايات فرمان) والحاضر المتخيّل. فشخصيات مثل “دلال” المستوحاة من بطلات فرمان، تتحرك في بغداد معاصرة، لكنها تحمل ذكريات الحارات القديمة. هذا التداخل الزمني يعزز الإحساس بالاغتراب ويجعل الرواية تبدو مثل حلم ممتد ما بين الحقيقة والخيال. والفضاء السردي نفسه متخيّل وغير محدد. .وبغداد التي كانت عند فرمان مدينة ملموسة بتفاصيلها الواقعية،تصبح عند الزيدي مسرحًا غامضًا رغم أنه يحمل ملامح الأزقة والنهرلكنه مشبع بجو فانتازي. هذا الفضاء يتيح للزيدي الحرية في إعادة تشكيل عالم فرمان. والمنظور السردي يتأرجح بين الراوي العليم والمنظور الداخلي للشخصيات.فالراوي يصف الأحداث بعين خارجية، بينما في أخرى نرى العالم من الداخل ،من خلال أفكار الشخصيات،مما يضفي عمقًا على التجربة .
الشخصيات أدوات تخييل
الشخصيات في الرواية ليست واقعية بقدر ما هي أدوات للتخييل، وفرمان نفسه ليس شخصية تاريخية ملموسة، بل ظلّ رمزي يحمل دلالات الغياب والحنين. وتعاد صياغة الشخصيات النسائية المستلهمة من بطلات فرمان في سياق جديد، كما لو كانت أشباحًا تتجول بلا جذور زمنية. وهذا الخيار يخدم التخييل، مما يجعلها أقرب إلى الرموز منها إلى كيانات حية على عكس شخصيات فرمان المشبعة بالواقعية . فالتخييل كان موفقا الى درجة كبيرة في استحضار عالم فرمان، معتمدًا على تداخل الزمن والفضاء المتخيّل وتعدد الأصوات،ما جعل الرواية عملًا تجريبيًا يخاطب القراء الباحثين عن التأمل الأدبي أكثر من محبي القصص التقليدية. ومن خلال هذا النص، يقدم الزيدي رؤيته لإرث غائب، لكنه يبتعد عن واقعيته لصالح خيال يحمل بصمته الخاصة.
*رواية “بنات غائب طعمة فرمان “صدرت عام 2023 عن منشورات ميسكلياني بتونس ودار ضمّة بالجزائر .


















