رواية العطر الفرنسي لأمير تاج السر
الحياة الإبداعية الكامنة في المحلي
د. محمد سمير عبد السلام
لا يمكن إعادة اكتشاف الأصالة العميقة في بنية الهويات الثقافية، إلا من خلال حضورها الإبداعي الجمالي في الأعمال الفنية، والأدبية، والنصوص، والنقوش القديمة من جهة، واختلافها عن الآخر من خلال المقارنة الإبداعية، أو النقدية، أو الثقافية من جهة أخرى.
وقد كان اللقاء بين الشرق، والغرب تيمة فنية، وفكرية ثرية بالدلالات الحضارية، والثقافية، وتتجدد في الفن مع تجدد السياق العالمي المنتج لها، وما يحدث فيه من آثار تتولد من عملية الكتابة في تفاعلها مع الأبنية الاجتماعية، والسياسية القائمة؛ فقد تعددت التأويلات الفكرية المعاصرة للنزعة العالمية، والعولمة، وعلاقتها المعقدة التداخلية بالثقافات المحلية، والأدب، وعالم الصورة، والاقتصاد، وشكل السلعة، وعلاقة القيمة، بالصورة، ورأس المال، واللقاء التفاعلي بين العلامات التي تنتمي لثقافات مختلفة عند كثير من المفكرين؛ مثل إيهاب حسن، وإدوارد سعيد وجان بودريار، وفريدريك جيمسون، وأنتوني جيدنز، وجارودي، وغيرهم.
وتكشف تأويلات السياق الحضاري الراهن عن نزوع متزايد نحو المشترك، والعالمي من خلال اللقاء الأصيل بالمحلي، ولكن ثمة تناقض رئيسي في الخطاب العالمي، وفجوات حضارية، واجتماعية، وتكنولوجية تعزز من الإعلاء من التفاعل اللامركزي في السياق الافتراضي بدرجة أكبر من السياق الواقعي؛ وهو ما يكشف عنه نص الكاتب السوداني المبدع أمير تاج السر، والمعنون ب العطر الفرنسي ، وقد صدر عن الدار العربية للعلوم ناشرون ببيروت سنة 2009؛ وهو نص فريد في تحليله للقاء المحلي بالعالمي من خلال تجربة الوعي، دون الإحالة إلى واقع حقيقي للتفاعل من جهة، والارتكاز على كشف الأصالة الإبداعية في المحلي نفسه، وتجديد روح المكان من خلال شخصياته الفريدة، وأطيافه من جهة أخرى؛ وهو ما يميزه من جهة المنظور الفكري، والفني عن النصوص التي تناولت التيمة نفسها لعدد من الكتاب؛ مثل الطيب صالح، وسهيل إدريس، وسليمان فياض، وأهداف سويف.
مقاومة التمهيش
يشير السارد في بداية النص إلى خبر قرب وصول كاتيا الفرنسية إلى حي غائب ضمن دراسة تعدها، دون تفاصيل، ثم يصف المكان، وخصوصيته، وروحه الفريدة التي تجمع بين أصالة الإبداع، والذاكرة، والغياب، أو المحو، والتهميش، وتقاوم تلك الروح الممتدة في الملمح السلبي أي اختزال لها ضمن بنية مركزية حضارية تفرض منظورها سلفا؛ فالتشكيل الجمالي للشخصيات يؤكد الحياة الإبداعية الكامنة في المحلي، ويكشف عن الفجوات الحضارية، وتناقضاتها في عملية الاتصال بالآخر.
وأرى أن مسار المتواليات السردية في النص يومئ بحالات الانفصال النسبي عن الآخر، ثم تصاعد الاتصال في الوعي، ثم الإعلاء من وسيط العالم الافتراضي كسياق للتواصل يكمن بين الوعي، وعلامات الثقافة المحلية في تفاعلها مع الآخر عن طريق السلع، والصور، والإنترنت، ثم تتجه صيرورة السرد إلى الثورة غير الواعية على العالم الافتراضي نفسه في شكل مشاعر الغيرة العاطفية؛ وكأنها تحاول عبور الفجوات الحضارية القائمة، أو تجاوز الحدود الشخصية في سياق ثقافي»واقعي لامركزي.
وينتقل السارد من الإشارات إلى الخبر المبهم، وتحليل المكان، وشخصياته إلى الرواية بصوت البطل » علي جرجار؛ فيعاين انتظاره للممرضة كاتيا الفرنسية، وقوة تخيله لحضورها الطيفي في الوعي، ثم معايشته الواقعية لصورها التي تكشف عن شيزوفرينيا جمالية، وثقافية ذات مغزى في النص، ويثور في النهاية على الحي، وعلى الصورة المقدسة للممرضة، وعلى حدوده، أو وجوده الواقعي، بينما يبدو شبح كاتيا الحقيقية، واحتفاء أهالي الحي به في نهاية النص الروائي.
إن على جرجار يستنزف حدث وصول الممرضة الفرنسية، ويستبقه في الصورة؛ وكأن عالم التشبيهات يسبق الواقع، ويشكله كما هو في تصور جان بودريار لتطور العلاقة بين التشبيه، والعالم الواقعي، ويعكس هذا النوع من الاتصال الجمالي، والثقافي بالصورة عن أصالة فكرة التواصل الإنساني اللامركزي في الوعي، ويدل على ذلك إعلاء جرجار من صور كاتيا، وما يصاحبها من أفكار، أو عطور، أو دعوة إلى السلام، أو النزوع إلى الخلاص، ثم يتولد في وعيه طفل افتراضي مجهض منها، ويعايش حالات الحب، والغيرة، وكأن نموذج الاتصال الإنساني بالآخر قائم، وممكن، ولكن اتجاه السياق العالمي المنتج للفكرة يؤكد غياب القيمة الإنسانية الحقيقية الأولى، بينما يعززها في ثورة الاتصالات، والعوالم الافتراضية التخيلية في الصور، والنصوص؛ ومن ثم فالبنية المتناقضة للهوية الثقافية، واتصالها المحتمل بالآخر تؤكد تعددية تأويل الفكرة، وتعكس الملمح الثقافي المنتج للسياق العالمي المعاصر، مع حرص أمير تاج السر على تأكيد الحضور الإبداعي لشخصياته المحلية الفريدة، والتي تتسم بوفرة حقيقية في مشروعه الإبداعي؛ وكأنها تؤكد وهج الحياة المتجدد، والمتجاوز للحدود الزمكانية في الشرق.
وأرى أن رواية العطر الفرنسي تؤسس لنموذج في التواصل الحضاري بين المحلي، والعالمي يقوم على التأويل الإبداعي الممزوج بنزعة إنسانية عالمية للإشارات الجمالية، والثقافية في المحلي، وقدرته الكامنة على عبور حدوده في الأدب، واشتباكه الإيجابي المحتمل بالأبنية الاجتماعية، والحضارية الراهنة، وتحولاتها الممكنة باتجاه الإعلاء من الثقافات المحلية، وقدرة عناصرها على التجدد، وعبور الحدود المركزية.
وبصدد العلاقة بين الهوية الثقافية، والإشكاليات المعقدة في مسألة التفاعل بين المحلي والعالمي، يرى إيهاب حسن في دراسته حول النزعة العالمية، وما تثيره من سخط أن الأدب يتجاوز حالة الصراع الحضاري العالمي؛ فالأعمال الأدبية، والفنية تعبر الزمان، والمكان بطبيعتها؛ مثل نصوص هومر، ودانتي، وملحمة جلجامش، والشعر الفارسي، وهملت، وموبي ديك، والموسيقى الهندية، وغيرها، ويرى أن عالمية هذه الأعمال ترجع إلى النزعة الروحية، والمتعة الجمالية، وقيمة التعاطف الإنساني مع الآخر.
Read/Ihab Hassan/Globalism and Its Discontents/
http://www.ihabhassan.com/globalism_its_discontents.htm
ويحقق نص أمير تاج السر هذا التعاطف الإنساني بالكشف عن عالمية القوة الروحية للمكان، والشخصيات، وإعادة التشكيل الإبداعي للإشارات الثقافية، والحضارية في المكان؛ ومن ثم يتجاوز النص ما أشار إليه من تهميش ظاهري، وانفعالات سلبية تتعلق بواقع الفجوات الحضارية بين الأنا، والآخر.
وأرى أن رواية العطر الفرنسي تبعث نوعين من العوالم الأدبية الجمالية
الأول عالم مؤلم يتجلي في حالة انتظار عبثي لقدوم كاتيا، ويذكرنا بنصوص بيكيت، وكذلك عاطفة تخيلية تصطدم بالواقع، وتذكرنا بشخصيات دوستوفسكي، وحالة الامتداد الثقافي للسلطة المركزية داخل الفرد، وتحولاتها السلبية في الوعي، واللاوعي.
الثاني الأداء الإبداعي الأصيل، والكامن في هوية الشخصيات، والأماكن، والإشارات إلى التراث الثقافي.
وقد حققت شخصية جرجار هذين العالمين، وتوزعت الشخصيات الأخرى بينهما؛ ومن ثم تظل حالة التواصل الروحي بين الحدوث، والاصطدام ببقايا الصراع، والمركزية.
ومن أهم التيمات الجمالية المميزة للنص؛ القوة الجمالية للشخصيات، وسؤال الهوية في السياق الثقافي، وإشارات المكان بين الأصالة، والتحول، والطفرات الفنية في السرد القصصي.
أولا القوة الجمالية للشخصيات
الإنتاجية الجمالية للشخصيات من السمات المميزة لمشروع أمير تاج السر الروائي؛ وقد اتخذت شكل التحويل الإبداعي لملامحها الفريدة، وسيرها المحتملة في صائد اليرقات ، بينما تتميز شخصيات العطر الفرنسي بقوتها الروحية، والجمالية الكامنة التي تتجاوز سلطة التهميش الحضاري، وتتجلى في السياق العالمي بصورة تكشف عن صفائها الفني، والإنساني رغم عوامل الغياب، والسلب.
الكتابة الروائية إذا تمنح الشخصيات جذورا جديدة تتصل بالآخر من خلال العبور المحتمل للزمان، والمكان رغم تنامي الغياب، والانفصال في المشهد.
تكمن جماليات كاتيا الفرنسية في طيرانها العالمي خارج سياقها المحلي؛ فهي تشبه عبور السلع، والصور، والأعمال الفنية الشعبية؛ أي أنها تكتسب حضورها الجديد من كونها أيقونة من أيقونات السلام التي تعززها وسائل الاتصال الحديثة، والشركات العالمية الكبرى، وأرى أن حضورها الآخر، والافتراضي في وعي جرجار، وشخصيات حي غائب يمثل درجة أكبر من التجلي الفريد للشخصية؛ فقد امتلكت سيرة استعارية جديدة تبدو فيها محبوبة، أو رمزا للخلاص، وتنشيط السلع في الحي الفقير، وتحفيز الهجرة للغرب، وغيرها.
لقد انتشرت كاتيا خارج حدودها النفسية، والفيزيقية، واحتجب حضورها الحقيقي باستثناء وجودها الطيفي في نهاية النص.
وتكمن قوة جرجار الروحية في تخيلاته، وذاكرته، واتحاده بعوالم اللاوعي الفسيحة؛ فهو لا يعلم لم اهتم بالممرضة، وتراوحت انفعالاته بين الخضوع لشيزوفرينيا العالم الافتراضي، والثورة غير الواعية على ذلك الخضوع نفسه.
أما الطفل الافتراضي المحتمل الذي تولد من بشارة لحليمة المرضعة فيومئ إلى التواصل الحضاري، والتراوح بين الإجهاض في مرحلة التكوين، وتجدد التواصل مرة أخرى؛ لأنه بدأ كبذرة استعارية في الوعي، ولم يتجسد؛ ومن ثم سيظل كامنا كفكرة تنتظر الاكتمال، أو التأجيل.
وتتميز حليمة المرضعة بحكمتها في قراءة جرجار، وقدرتها على التكيف مع عالمه الافتراضي الجديد، وتحفيزه جماليا.
ويجمع حكيم النبوي بين الإبداع، والموت، والتجدد الشعري؛ فقد أسهم في تشكيل صورة طيفية جديدة لكاتيا في صمت.
ويتوتر ميخا ميخائيل ثقافيا، ويقع بين الاندماج الكامل بالمكون السلبي في المكان، والإيجابية النفسية باتجاه التمرد، والخروج، وتشكيل كينونة ثقافية، وذاتية جديدة.
الاحتفاء الجمالي
وتشير شخصيات الجن في النص إلى حالة من الاختفاء الجمالي، ويتجسد أحدها في عالم جرجار الافتراضي؛ ليوحي بقوة الاختفاء، والتباسه الفني بالوظائف السردية المتعلقة بالعوالم الافتراضية.
ثانيا سؤال الهوية في السياق الثقافي
تتشكل الهوية الثقافية للمكان، وشخصياته في النص من خلال التأويل الإبداعي للإشارات الثقافية المحلية، وما تحتمله من دلالات إنسانية عالمية متجددة، وعابرة للحدود الزمكانية.
إن أمير تاج السر يعيد إنتاج علامات الثقافة الشعبية في سياق استعاري » ثقافي جديد يقوم على الإعلاء من أصالة المحلي من جهة، وقدرته على استدعاء أطياف مجازية من الثقافة الغربية؛ فنبوءات العرافين تذكرنا بشخصيات، وصور سوفوكليس، وشكسبير، وإليوت، وغيرهم، والتحولات الخيالية الخفية للجن تتحد في المستوى الفني بغياب مركزية العلامة، وتحولات الأداء في الأعمال ما بعد الحداثية، مع اختلاف السياق المنتج، ولكن التناول الفني للظاهرة الثقافية يؤكد الأصالة من جهة، ويؤسس لمجموعة من العلاقات النصية، والثقافية العالمية المحتملة من جهة أخرى.
يشير السارد إلى بيت آل مسيكة، وقد سكنته عائلة من الجن تتميز بصناعة خمور جيدة، بينما لا يظهر منه سوى خرائب، ووطاويط.
هل يومئ السارد إلى القوة الفنية الخفية في حي غائب؟ أم يؤكد أن للمكان شخصية فاعلة، وعالما استعاريا يتعالى على عوامل السلب الظاهرة؟.
ورغم ثقافة حكيم النبوي، وأصالته، فإنه يحاول الاتحاد بالصورة الإنسانية العالمية لكاتيا الفرنسية؛ فيقول
وأين صفاء نهر السين يسقي دماءك بالمحبة والحنين
لقد نبعت صورة كاتيا الطيفية من أصالة حكيم الإنسانية؛ وكأن الحدود الجغرافية، والثقافية، والسياسية قد زالت، واتحد الجمال الروحي المحلي بالعالمي.
ويشير جرجار إلى التحولات الإبداعية التي صاحبت وجود العواني، وتلميذته الأثيوبية لمساعدة ميخائيل؛ للهجرة؛ فنعاين ضحكات، وصيحات، وتشنجات، وعقارب بأذناب مسنونة تتناسل، ثم تختفي، وثعابين تفرز السم، وتضحك، وينشق السقف، ويلتحم، وتبدو صاعقة بضوء مباغت، ويرقص ميخائيل كفتاة ليل.
إن الحضور السريع للعلامات الفنية، واختفاءها المباغت، دون مدلول، أو مبرر، أو مركزية يتصل اتصالا خفيا بتشتت العلامات خارج الإطار في الممارسات ما بعد الحداثية؛ ومن ثم فصياغة هذه الإشارات في النص توحي بخروجها المحتمل من بنيتها، واتحادها الخفي بفكرة التحول في السياق العالمي المعاصر.
ثالثا إشارات المكان بين الأصالة، والتحول
يتجلى حضور المكان في أصواته المتفردة، وملامحه الممتدة، والمشكلة لهويته الجمالية، والثقافية.
ورغم عزلة حي غائب النسبية، وعناصر الإهمال فيه، فقد تميز بأصالة الملامح القديمة من جهة، والاتصال الجزئي بالسياق العالمي من جهة أخرى.
ويمكننا قراءة بعض ملامحه الفنية من خلال بيت جرجار؛ فنصفه من الطين، والآخر من الخشب، ويحدث الباب صريرا مثل كل أبواب الحي؛ وكأن الاختلاف المعماري هنا يتجاوز السلب، والتهميش حين تنبعث طاقته الجمالية الخفية، والمؤثرة.
وتنتشر أصوات الأفارقة، والشخصيات الغامضة؛ مثل زهورات، وحليمة، والفتاة الأثيوبية؛ لتوحي بخفاء مجازي من نوع آخر، ولكنه ينسب لتيمة الاختفاء الفاعلة في المكان.
وتنبع بذور الاتحاد بالعوالم الافتراضية من استعمال بعض السكان؛ مثل أيمن للإنترنت، وإصرارهم على استخدام رسائل المحمول، وكذلك رواج بعض السلع العالمية؛ وهو ما يوحي بإمكانية التحول الإيجابي بالحدث الاستثنائي في النص؛ وهو قدوم كاتيا الفرنسية.
رابعا الطفرات الفنية في السرد القصصي
يتميز السرد القصصي في رواية العطر الفرنسي لأمير تاج السر بوجود بعض الفجوات الفنية، والطفرات الاستثنائية في متواليات الوظائف السردية، وهو ما تنكسر معه توقعات القارئ، وتزداد مساحات التأويل، والنزعة الإنتاجية في التواصل مع النص.
وقد لاحظت ثلاث طفرات رئيسية في الرواية؛ هي
الأولى طفرة التحول، والانتقال من بنية انتظار الحي، وشخصياته وأهمهم جرجار للممرضة الفرنسية كاتيا إلى الولوج المفاجئ لحضورها الافتراضي في وعيه، وتنامي هذا العالم في مجموعة من الوظائف السردية ذات المنطق المغاير لوصول كاتيا الحقيقي إلى الحي.
الثانية طفرة الغيرة العاطفية التي مارسها جرجار على كاتيا، وانتهت بقتل حضورها الافتراضي، وثورة الغضب على شخصيات الحي؛ وهي ثورة على مركزيات الاتصال الثقافي بين الأنا، والآخر، وعلى حدود الأنا وسلبيته بالدرجة الأولى.
الثالثة طفرة تأجيل الصورة الحقيقية لكاتيا دائما، وإن تجلت بشكل طيفي استثنائي في نهاية النص.
وأرى أن هذه الطفرات في مسار السرد الروائي تعكس تأثير الفجوات الحضارية، والثقافية بين الأنا، والآخر؛ ومن ثم تتراوح عملية التواصل بين الوسائط الافتراضية، والاتحاد الجزئي، أو إعادة تشكيل الآخر من خلال الوعي، أو النص الأدبي.
AZP09
























