رواندزي يطرح أسئلة الزمن الصعب – عبد اللطيف الموسوي

613

عندما يكون الكاتب لسان عصره

رواندزي يطرح أسئلة الزمن الصعب – عبد اللطيف الموسوي

هذا كتاب تقرأه وانت مسترخ فيبعث فيك الدفء في عز البرد وينعشك في عز القيظ ويروّح عنك وانت في قمة الضجر ويضاعف انشراحك وانت في شيء من الارتياح.. هذا هو انطباعي الاول للكتاب الذي بين يدي الموسوم بـ(أسئلة الزمن الصعب) للكاتب الصحفي ووزير الثقافة السابق فرياد رواندزي وارجو الا اكون قد بالغت قليلاً. والحق ان هذا الكتاب على النقيض مما اعتدنا في الغالب ان نراه ويقع بين ايدينا من كتب لصحفيين وكتاب اعمدة الا في ما ندر فقد درج صحفيون على جمع اعمدتهم في كتاب واحد وهي في العادة اعمدة تتناول قضايا شتى وقد لايجمعها رابط معين او محور رئيس وهنا يتشتت ذهن القارىء، خصوصًا  اذا كانت تلك الأعمدة على شيء من الجفاف والنمطية. ومثل هذا النوع من الكتب اذا كان يتبنى قضية محددة فيكون تأثيره اوقع او في الاقل تشعر ان مثل هذا الكتاب يطرح موضوعاً مهمًا للنقاش . وقارىء كتاب راوندزي يتلمس ان المؤلف او كاتب هذه الاعمدة يضع القضية  الكردية نصب عينيه فيتناول شجون المجتمع الكردي وهمومه لكنه في الوقت نفسه لم ينس عراقيته. والحق اقول انني لم اقرأ كثيرًا لراوندزي من قبل لكنني دهشت وأنا اقرأ اعمدته فهو بحق كاتب عمود من الطراز الاول  بل ويعرف من اين تؤكل الكتف حتى لأكاد اغبطه على ما يتمتع به في هذا المجال لكوني ايضًا اكتب العمود الصحفي وإن كنت مقلاً. نعم اغبطه لتلقائيته وعفويته وبساطة طرحه لفكرته من دون لف او دوران يشتتان ذهن القارىء وقد يدفعانه الى عدم اكمال القراءة، وايضًا استخدامه لمفردات بسيطة من دون  تزويقات لفظية واساليب قد يمجها قارىء الصحيفة اليومية الذي يميل في العادة الى القراءة السريعة لأنه كما معروف ان الصحيفة هي مادة ليوم واحد واذا بقيت لليوم التالي فستكون(بايتة). ومع ان الاعمدة التي يحتويها الكتاب تعود الى السنـــــــــــــوات المحصــــــــــــورة بين 1994 – 1998  ومع انها تتناول احداثًا وقضايا تعد قديمة الى حد ما، الا انني لم اشعر بالضجر وانا اقرأ تلك الاعمدة وارى ان السبب الرئيس في ذلك يكمن في المزايا التي اشرت اليها في اعلاه. وشدني ايضًا العنوان الذي اختاره راوندزي لكتابه وكأنه بذلك يطرح (اسئلة الزمن الصعب)الذي عاشه اقليم كردستان ابان تلك السنوات ليضعها اليوم بين ايدي مواطنيه الكرد من مسؤولين ومثقفين ونخب وعامة الناس ليفيدوا من تلك التجربة بحلوها ومرها ويأخذوا منها العبر. واذا كان العنوان هو عتبة النص ،أي نص، فقد كان عنوان هذا العمل خير عتبة فلابد للقاريء أن يتساءل عن الاسئلة التي يطرحها الكاتب بل وعن أي زمن صعب يتحدث ولكي يحصل على جواب هذين السؤالين ينبغي عليه أن يقتني الكتاب. لقد كان العنوان اختيارا ذكيا من الكاتب حقق من خلاله اهدافه ومراميه في ان يبعث الفضول لدى القارىء. جرأة راوندزي كانت واضحة في الكتاب وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على ان الكاتب مؤمن بقضية جوهرية يسعى الى اثارتها ومن دون تلك الجرأة لايمكنه ان يحقق هدفه وهو لابد ان يسلك هذا الطريق حتى لو عادت تلك الجرأة بردود فعل غير محمودة العواقب ولأن الصحفي ينبغي ان يكون صاحب مبدأ لكي يؤدي رسالته الحقة ولكي يكون  عنصرا فاعلاً في السلطة الرابعة  فلابد له من ان يصدح بقلمه فلا يتوقف مداده حين يريد له الآخرون أن يتوقف والا فعليه ان يكسر قلمه اذا ما وجد نفسه خانعا ذليلاً . وهنا استشهد بنتف مما قرأته في هذا الكتاب  ففي عمود نشر في آب 1996 يقول (ولادة البرلمان الكردي في كردستان العراق انجاز قومي عظيم لكن التغني به غباء سياسي ليس الا) ولم يكتف بذلك بل مضى  قائلاً ( المفروض ان يبكي الكرد وينتحبوا على جسده الميت، فالعويل على تمديده صار منافسة رخيصة في السوق السياسي) . وفي مكان آخر يقول(انا غير مرتاح نفسيًا .. هذه العبارة هي الاكثر شيوعا في بلادي وهي الهياج الصامت الذي يعبر عن زمن صعب لم يعد للانسان فيه  حول ولا قوة بل سلم نفسه لقدر صراع تحركه ارواح لا انسانية لتغيير ثوابت الاشياء التي ترتكز عليها الحياة في أي مجتمع كان). وفي عمود آخر ينتقد المحسوبية والوصولية في كردستان ويشير الى ان الاحزاب قد اصيبت هي الاخرى بهذا الداء وثمة عمود آخر يتحدث عن ظاهرة الاستيلاء على بعض الدور في الاقليم بقوة الكلاشنكوف مبديًا خشيته  من ان يتطور الامر الى اقتحام شرف الناس ويتساءل بضجر (هل سنعي، ام ننتظر لنحيا يوم القيامة لنبدأ حياة جديدة؟).هذه الصراحة الشديدة والجرأة البالغة تجعلان القارى منشداً الى قراءة بقية الاعمدة التي تضمنها الكتاب حتى لو اعتقد ان بعض تلك الاعمدة قد كتبت في حينها باسم مستعار فبرأيي المتواضع ان الذي يكتب باسم مستعار- وقد اكون مخطئاً – ربما يكون اكثر شجاعة من الذي يضع اسمه الصريح في صدر مقالته او في نهايته ذلك لأن الاسم المستعار ادعى لاثارة الفضول والتقصي من اجل معرفة الكاتب الحقيقي ومن ثم الاقتصاص منه . اما الاسم الصريح فقد لايخلق مثل هذا الفضول حتى لو كان المحتوى اكثر جرأة من مضمون عمود ينشر بإسم مستعار. كما تميزت الاعمدة بالنقد اللاذع والسخرية المرة وهي تلقي الضوء على التجاوزات التي تحدث في مناطق مختلفة من الاقليم باستخدام اسلوب الربط بين حدث ما والقضية المراد اثارتها، إذ يعمد رواندزي الى رواية تفاصيل حدث ما ثم ينهي العمود بتلميح ذي مغزى.

ممثلة فاتنة

 فهاهو  يتحدث عن وليمة اقامها احد الاثرياء العرب وكان من الحضور الممثلة العالمية الفاتنة بروك شيلددز  شهدت وعكة صحية  لاحد الحضور الايطاليين بسبب التخمة لتعلق شيلدز انه تعرض لهذه الوعكة لأنه اكل حصته وحصة الآخرين فيتساءل الكاتب في نهاية عموده : (ماذا ستقول  شيلدز لو حضرت الى منفذ ابراهيم الخليل؟).لن اطيبل اكثر باستعراض قيمة الفكرية للاعمدة واترك للقارىء الكريم فرصة قراءتها والتمتع فيها لكني اشير الى التقديم الرائع الذي كتبه الاديب والصحفي مصطفى صالح كريم  للكتاب متحدثاً عن مسيرة رواندزي في كتابة العمود اليومي وتحريره لزاوية(سؤال) باسم(ابن بلدي) قائلاً ان (محتوى الزاوية كان دسماً ومقروءاً عدا سلاسة كتابتها )، مضيفًا ان(كاتبها عرف عنه بأنه يكتب بشفافية وعذوبة عدا انه كان يصيب في كل سؤال هدفا معينا). وتابع كريم الذي رحل عن عالمنا مؤخرا وتحديد في 16  كــانون الاول 2018 ( رغم ان الكثيرين من كتاب الاعمدة يعتمدون احياناً على الافكار التي تأتيهم من قرائهم الا ان رواندزي بحسب معرفتي به عن قرب، كان اعتماده الرئيس على افكاره وذكرياته وانطباعاته ومشاهداته وجرأته الفائقة). والكتاب الصادر عن دار لارسا في بغداد الذي ضم 206 صفحات تميز بطباعة راقية واخراج فني لافت  .

مشاركة