رمية في الظلام

343

توقيع

فاتح عبد السلام

بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬المعنى‭ ‬الايجابي‭ ‬الظاهر‭ ‬لمبادرة‭ ‬مفادها‭ : ‬تعال‭ ‬واصبح‭ ‬وزيراً‭ ‬بكفاءتك‭ ‬عبر‭ ‬ترشيح‭ ‬نفسك‭ ‬،‭ ‬فإنّ‭ ‬هذا‭ ‬التعاطي‭ ‬السياسي‭ ‬،فيما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬جاداً‭ ‬ومعززاً‭ ‬بضمانات‭ ‬،‭ ‬سينسف‭ ‬أول‭ ‬حجارة‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تدير‭ ‬شؤون‭ ‬العراق‭ ‬،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬لم‭ ‬يحن‭ ‬موعده‭ ‬بعد،‭ ‬ولعله‭ ‬يأتي‭ ‬بغتةً‭ ‬ومن‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تشعرون‭.‬

أمّا‭ ‬الآن‭ ‬فإنّ‭ ‬الاحزاب‭ ‬والقوى‭ ‬والمليشيات‭ ‬التي‭ ‬خاضت‭ ‬الانتخابات‭ ‬تسعى‭ ‬الى‭ ‬قطف‭ ‬النتائج‭ ‬عبر‭ ‬حقائب‭ ‬وزارية‭ ‬،‭ ‬لاسيما‭ ‬المناصب‭ ‬السيادية‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬فيها‭ ‬السيادة‭ ‬لإقطاعيات‭ ‬الحصص‭ ‬الحزبية‭ ‬تحت‭ ‬ستار‭ ‬الشرعية‭ ‬الديمقراطية‭ . ‬لا‭ ‬تعالج‭ ‬أزمة‭ ‬العراق‭ ‬الكبرى‭ ‬المتمثلة‭ ‬بضعف‭ ‬هيبة‭ ‬القانون‭ ‬والدولة‭ ‬وعدم‭ ‬القناعة‭ ‬عملياً‭ ‬في‭ ‬غلبة‭ ‬الوطني‭ ‬على‭ ‬الطائفي‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فعاليات‭ ‬ذات‭ ‬أثر‭ ‬اعلامي‭ ‬ودعائي،‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬فتح‭ ‬أبواب‭ ‬الانترنت‭ ‬لاستقبال‭ ‬طلبات‭ ‬الافراد‭ ‬للترشيح‭ ‬للمناصب‭ ‬الوزارية‭ .‬

القفز‭ ‬فوق‭ ‬الحقائق‭ ‬المرّة‭ ‬بمبادرات‭ ‬لاتحظى‭ ‬بقناعات‭ ‬صانعي‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬والأمني‭ ‬ورضاهم،‭ ‬رمية‭ ‬في‭ ‬الظلام‭ ‬،‭ ‬ليس‭ ‬كونها‭ ‬لاتصيب‭ ‬هدفاً‭ ‬فحسب‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬لعلها‭ ‬تصيب‭ ‬الهدف‭ ‬الخطأ‭ ‬،‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬الأداء‭ .‬

يحتاج‭ ‬البلد‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬الاحزاب‭ ‬ذاتها‭ ‬الى‭ ‬تقديم‭  ‬ترشيحات‭ ‬خارج‭ ‬دوائر‭ ‬انتماءاتها‭ ‬الفئوية‭ ‬والطائفية،‭ ‬بما‭ ‬يمهد‭ ‬لتعاط‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭ ‬لتنفتح‭ ‬نافذة‭ ‬الأمل‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاتيان‭ ‬بوزير‭ ‬مستقل‭ ‬فعلاً‭ ‬ووضع‭ ‬مسدس‭ ‬الارشادات‭ ‬والتقييدات‭ ‬والولاءات‭ ‬في‭ ‬رأسه‭ .‬

منصب‭ ‬الوزير‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬أعلى‭ ‬سقف‭ ‬في‭ ‬الآمال‭ ‬المطلوب‭ ‬تحقيقها‭ ‬لاستقامة‭ ‬أوضاع‭ ‬البلاد‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬الى‭ ‬اعادة‭ ‬ترسيم‭ ‬حدود‭ ‬بناء‭ ‬العلاقات‭ ‬الداخلية‭ ‬من‭ ‬الاسفل‭ ‬الى‭ ‬الأعلى‭ ‬وليس‭ ‬العكس‭ ‬،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يتوافر‭ ‬الآن‭ .‬

كل‭ ‬شيء‭ ‬سيكون‭ ‬تجريبياً‭ ‬مادام‭ ‬الدستور‭ ‬لم‭ ‬يخضع‭ ‬لتعديلات‭ ‬مفصلية‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬حدّية‭ ‬لا‭ ‬مطاطية‭ ‬أو‭ ‬اجتهادية‭ . ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬ضبط‭ ‬ايقاع‭ ‬حركة‭ ‬المجتمع‭ ‬على‭ ‬وفق‭ ‬ثوابت‭ ‬تؤكد‭ ‬مدنية‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬دينيتها‭ ‬و‭ ‬تجريد‭ ‬كل‭ ‬مَن‭ ‬يحمل‭ ‬صفة‭ ‬العراقي‭ ‬من‭ ‬ألقابه‭ ‬ومناصبه‭ ‬أمام‭ ‬الدستور‭ ‬والقوانين‭ ‬المنبثقة‭ ‬عن‭ ‬روحه‭ . ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬الرامي‭ ‬محترفاً‭ ‬فإنه‭ ‬في‭ ‬الظلام‭ ‬سيخطيء‭ ‬التصويب‭.‬

رئيس التحرير – الطبعة الدولية

مشاركة