رمضان الشرق الأوسط:طقوس الصيام على وقع صفارات الإنذار

بيروت‭ (‬لبنان‭) (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬في‭ ‬خضم‭ ‬الفوضى‭ ‬التي‭ ‬تعمّ‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬منذ‭ ‬تسعة‭ ‬أيام،‭ ‬يحاول‭ ‬ملايين‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬إحياء‭ ‬شهر‭ ‬رمضان،‭ ‬رغم‭ ‬الخوف‭ ‬ودوي‭ ‬القصف‭ ‬وموجات‭ ‬النزوح‭ ‬الجماعي‭.‬

قبل‭ ‬أسبوع‭ ‬فقط،‭ ‬كانت‭ ‬زينب‭ ‬المصري‭ ‬تستقبل‭ ‬أمسيات‭ ‬رمضان‭ ‬بأجواء‭ ‬يغلب‭ ‬عليها‭ ‬طابع‭ ‬الفرح‭ ‬وتتهيأ‭ ‬مع‭ ‬عائلتها‭ ‬لمائدة‭ ‬الإفطار‭ ‬عند‭ ‬المغيب،‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬دفء‭ ‬وأطباق‭ ‬بسيطة‭ ‬اعتادت‭ ‬إعدادها‭ ‬كل‭ ‬يوم‭.‬

لكن‭ ‬الأحوال‭ ‬انقلبت،‭ ‬وبات‭ ‬المساء‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬يفتقر‭ ‬للهدوء‭. ‬ومنذ‭ ‬أن‭ ‬اضطرت‭ ‬إلى‭ ‬الفرار‭ ‬من‭ ‬منزلها‭ ‬في‭ ‬الضاحية‭ ‬الجنوبية‭ ‬لبيروت‭ ‬مع‭ ‬اشتداد‭ ‬القصف‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬باتت‭ ‬تمضي‭ ‬لياليها‭ ‬مع‭ ‬زوجها‭ ‬وأطفالها‭ ‬الثلاثة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬متسخة‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬الشهداء‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬بيروت‭.‬

وتتعرض‭ ‬مناطق‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬منذ‭ ‬أسبوع‭ ‬لغارات‭ ‬إسرائيلية‭ ‬متواصلة‭ ‬أسفرت‭ ‬عن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬400‭ ‬قتيل،‭ ‬ردّا‭ ‬على‭ ‬إطلاق‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬المدعوم‭ ‬من‭ ‬إيران،‭ ‬صواريخ‭ ‬ومسيرات‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬العبرية‭ ‬بعد‭ ‬اغتيال‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬للجمهورية‭ ‬الإسلامية‭ ‬الإيرانية‭ ‬آية‭ ‬الله‭ ‬علي‭ ‬خامنئي‭.‬

وتقول‭ ‬المرأة‭ ‬الأربعينية‭ ‬وقد‭ ‬بدت‭ ‬على‭ ‬وجهها‭ ‬علامات‭ ‬الإرهاق،‭ “‬لا‭ ‬نملك‭ ‬ما‭ ‬نأكل‭ ‬أو‭ ‬نشرب،‭ ‬إلا‭ ‬القليل‭ ‬من‭ ‬الخبز‭”‬،‭ ‬مضيفة‭ “‬اعتدنا‭ ‬الحرب،‭ ‬لكن‭ ‬رمضان‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬أكثر‭ ‬حزنا‭”.‬

وأجبرت‭ ‬الحرب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭ ‬على‭ ‬النزوح‭. ‬وتقول‭ ‬هلا‭ ‬حويلة‭ (‬70‭ ‬عاما‭) ‬وسط‭ ‬صرخات‭ ‬أطفال‭ ‬تتردد‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬مدرسة‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬ملجأ‭ ‬للنازحين‭ ‬شمال‭ ‬العاصمة،‭ “‬كل‭ ‬ما‭ ‬يريده‭ ‬الناس‭ ‬أن‭ ‬يصوموا‭ ‬ويصلّوا‭ ‬ويتوضأوا،‭ ‬وأن‭ ‬يتمكنوا‭ ‬من‭ ‬شراء‭ ‬ما‭ ‬يأكلونه‭”. ‬وتتابع‭ ‬السيدة‭ ‬النازحة‭ ‬من‭ ‬الضاحية‭ ‬الجنوبية‭ ‬لبيروت‭ “‬أرسلت‭ ‬ابنتي‭ ‬إلى‭ ‬المنزل‭ ‬رغم‭ ‬الخطر‭ ‬كي‭ ‬تجلب‭ ‬بعض‭ ‬المؤن‭(…). ‬لقد‭ ‬أوشك‭ ‬ما‭ ‬نملكه‭ ‬من‭ ‬مال‭ ‬على‭ ‬النفاد،‭ ‬فماذا‭ ‬سنفعل‭ ‬بعد‭ ‬ذلك؟‭”.‬

في‭ ‬إيران‭ ‬حيث‭ ‬فرضت‭ ‬الحرب‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬جوانب‭ ‬الحياة‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬الهجوم‭ ‬الاسرائيلي‭-‬الأميركي‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬شباط‭/‬فبراير،‭ ‬يمتزج‭ ‬القلق‭ ‬بالاستياء‭ ‬إزاء‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬وشحّ‭ ‬الوقود‭.‬

ويقول‭ ‬محمّد‭ (‬38‭ ‬عاما‭)‬،الموظف‭ ‬في‭ ‬مزرعة‭ ‬دواجن‭ ‬في‭ ‬بندر‭ ‬عباس‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬البلاد،‭ “‬أصبحت‭ ‬السلع‭ ‬باهظة‭ ‬جدا‭. ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬ارتفع‭ ‬سعر‭ ‬عبوة‭ ‬الزيت‭ ‬من‭ ‬400‭ ‬ألف‭ ‬تومان‭ (‬1,56‭ ‬دولار‭) ‬إلى‭ ‬2‭,‬2‭ ‬مليون‭ ‬تومان‭ (‬8,25‭ ‬دولارات‭)”.‬

في‭ ‬كردستان‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬شرق‭ ‬البلاد،‭ ‬قرّر‭ ‬رضا‭ (‬36‭ ‬عاما‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬صاحب‭ ‬مقهى‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬بوكان،‭ ‬غداة‭ ‬غارات‭ ‬دمّرت‭ ‬مباني‭ ‬رسمية‭ ‬في‭ ‬المدينة،‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬إيقاف‭ ‬المصارف‭ ‬تسليم‭ ‬سيولة‭ ‬نقدية‭ ‬وتعليق‭ ‬عمل‭ ‬البطاقات‭ ‬المصرفية،‭ ‬تقديم‭ ‬القهوة‭ ‬مجانا‭ ‬لكل‭ “‬من‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬دفع‭ ‬ثمنها‭”.‬

وليس‭ ‬الوضع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أفضل‭ ‬في‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية‭ ‬المحتلة‭ ‬حيث‭ ‬تبدو‭ ‬الأزقة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تضجّ‭ ‬عادة‭ ‬بالناس‭ ‬خلال‭ ‬رمضان،‭ ‬خالية،‭ ‬خصوصا‭ ‬داخل‭ ‬أسوار‭ ‬البلدة‭ ‬القديمة‭ ‬حيث‭ ‬أُغلق‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭.‬

عند‭ ‬المداخل،‭ ‬ينتشر‭ ‬جنود‭ ‬إسرائيليون‭ ‬يدققون‭ ‬في‭ ‬بطاقات‭ ‬الهوية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬حالة‭ ‬الطوارئ‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬السلطات‭.‬

ويعوّل‭ ‬التجار‭ ‬عادة‭ ‬على‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬لتحقيق‭ ‬أرباح‭ ‬إضافية‭. ‬لكن‭ ‬أبو‭ ‬عماد‭ (‬83‭ ‬عاما‭)‬،‭ ‬الجالس‭ ‬في‭ ‬متجره‭ ‬الصغير‭ ‬مقلبا‭ ‬سبحته،‭ ‬يقول‭ ‬بحسرة‭ “‬الوضع‭ ‬ميؤوس‭ ‬منه‭”. ‬ويضيف‭ “‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يدخل‭ ‬إلى‭ ‬المدينة‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬وحدهم‭ ‬السكان‭ ‬يمكنهم‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭”.  ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬التي‭ ‬اعتادت‭ ‬الاستقرار،‭ ‬يراقب‭ ‬مصلّون‭ ‬بـ‭”‬قلق‭” ‬الصواريخ‭ ‬والمسيّرات‭ ‬الإيرانية‭ ‬وهي‭ ‬تشقّ‭ ‬السماء‭ ‬فوق‭ ‬رؤوسهم،‭ ‬والتي‭ ‬تقول‭ ‬طهران‭ ‬إنها‭ ‬ردّ‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬الأميركيين‭ ‬قواعد‭ ‬ضدها‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭.‬

وتقول‭ ‬حصة‭ ‬محمّد‭ (‬42‭ ‬عاما‭) ‬وقد‭ ‬جاءت‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬صلاة‭ ‬التراويح‭ ‬في‭ ‬مسجد‭ ‬حيها‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ “‬أصبحنا‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬لم‭ ‬نألفه‭. ‬تغيّرت‭ ‬تفاصيل‭ ‬يومنا‭”‬،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬تجنبها‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬المنزل‭ ‬مع‭ ‬دوي‭ ‬صفارات‭ ‬الإنذار‭.‬

‭ ‬وأضافت‭ ‬وقد‭ ‬تعالت‭ ‬أصوات‭ ‬القرآن‭ ‬من‭ ‬مكبرات‭ ‬صوت‭ ‬المسجد،‭ “‬منذ‭ ‬تصاعد‭ ‬التوترافي‭ ‬المنطقة،‭ ‬تمّ‭ ‬تقليص‭ ‬مدة‭ ‬صلاة‭ ‬التراويح‭ ‬في‭ ‬المساجد‭ ‬حفاظا‭ ‬على‭ ‬سلامة‭ ‬الناس‭”.‬

وكما‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬تفرغ‭ ‬شوارع‭ ‬الكويت‭ ‬وقطر‭ ‬والإمارات‭ ‬من‭ ‬المارة‭ ‬بمجرد‭ ‬انطلاق‭ ‬صفارات‭ ‬الإنذار،‭ ‬فيما‭ ‬تُختصر‭ ‬الصلوات‭ ‬أحيانا،‭ ‬أو‭ ‬تقتصر‭ ‬المساجد‭ ‬على‭ ‬الفروض‭ ‬الأساسية‭.‬

وتقول‭ ‬لؤلؤة‭ ‬حسن،‭ ‬وهي‭ ‬أكاديمية‭ ‬بحرينية‭ ‬وأم‭ ‬لولدين،‭ ‬إن‭ ‬رمضان‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬يحلّ‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬يخيّم‭ ‬عليها‭ ‬القلق‭.‬

وتضيف‭ “‬لن‭ ‬أنسى‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬حييت،‭ ‬فنحن‭ ‬نعيش‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬ظروف‭ ‬مروعة‭ ‬لم‭ ‬نخترها‭”. ‬وتتابع‭ “‬نحن‭ ‬مجتمع‭ ‬مسالم،‭ ‬ووجدنا‭ ‬أنفسنا‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬لا‭ ‬يد‭ ‬لنا‭ ‬فيها‭. ‬لكننا‭ ‬ماضون‭ ‬في‭ ‬الالتزام‭ ‬بإرشادات‭ ‬السلامة‭”.‬

وتستعيد‭ ‬السيدة‭ ‬الأربعينية‭ ‬بحنين‭ ‬أعواما‭ ‬كانت‭ ‬تنتظر‭ ‬فيها‭ ‬حلول‭ ‬رمضان‭ “‬على‭ ‬أحرّ‭ ‬من‭ ‬الجمر‭”‬،‭ ‬معربة‭ ‬عن‭ ‬اشتياقها‭ ‬إلى‭ ‬تجمّعات‭ ‬الأهل‭ ‬والأصدقاء‭ ‬و‭”‬الحياة‭ ‬الطبيعية‭”.‬

أما‭ ‬إبراهيم‭ ‬علي‭ ‬إبراهيم،‭ ‬وهو‭ ‬تلميذ‭ ‬بحريني‭ ‬في‭ ‬الخامسة‭ ‬عشرة،‭ ‬فيتابع‭ ‬دروسه‭ ‬من‭ ‬المنزل‭ ‬بعدما‭ ‬تحوّلت‭ ‬الحصص‭ ‬في‭ ‬مدرسته‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬التعلّم‭ ‬عن‭ ‬بعد،‭ ‬مدركا‭ ‬أنه‭ ‬يعيش‭ ‬فعلا‭ “‬أجواء‭ ‬حرب‭”‬،‭ ‬رغم‭ ‬محاولات‭ ‬والديه‭ ‬التخفيف‭ ‬عنه‭.‬

‭ ‬ويقول‭ “‬أشعر‭ ‬بتوتر‭ ‬شديد‭(…). ‬ما‭ ‬إن‭ ‬تنطلق‭ ‬صفارة‭ ‬الإنذار‭ ‬خلال‭ ‬النهار،‭ ‬أفقد‭ ‬قدرتي‭ ‬على‭ ‬التركيز‭”. ‬ويضيف‭ “‬رمضان‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬مختلف‭ ‬تماما‭. ‬أشتاق‭ ‬إلى‭ ‬أصدقائي‭ ‬في‭ ‬المدرسة،‭ ‬وإلى‭ ‬مدرستي‭”.‬

في‭ ‬الكويت‭ ‬أيضا،‭ ‬لا‭ ‬تكاد‭ ‬الأحاديث‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬الأخبار‭ ‬القاتمة‭ ‬وتطورات‭ ‬التصعيد‭. ‬وتقول‭ ‬المدرّسة‭ ‬نعمة‭ ‬حمدي‭ ‬إن‭ ‬أجواء‭ ‬رمضان‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ “‬يخيّم‭ ‬عليها‭ ‬القلق‭ ‬والترقّب‭”.‬

‭ ‬ورغم‭ ‬حرص‭ ‬كثيرين‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬طقوس‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل،‭ ‬تشير‭ ‬السيدة‭ ‬الخمسينية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ “‬العديد‭ ‬من‭ ‬الفعاليات‭ ‬والعادات‭ ‬الرمضانية‭ ‬أُلغيت‭ ‬هذا‭ ‬العام‭”‬،‭ ‬فيما‭ ‬باتت‭ “‬الأحاديث‭ ‬خلال‭ ‬السهرات‭ ‬الرمضانية‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬حول‭ ‬الأحداث‭ ‬الجارية‭ ‬والقلق‭ ‬من‭ ‬تطوراتها‭”.‬