رمزنا النخلة

397

‭ ‬عبد‭ ‬الهادي‭ ‬كاظم‭ ‬الحميري

لمناسبة‭ ‬إدراج‭ ‬اليونسكو‭ ‬النخلة‭ ‬على‭ ‬لائحة‭ ‬التراث‭ ‬العالمي‭ ‬يتوجب‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نذكّر‭ ‬بفضل‭ ‬هذه‭ ‬الشجرة‭ ‬المباركة‭ ‬على‭ ‬العرب‭ ‬عموما‭ ‬والعراقيين‭ ‬خصوصا‭ ‬،إذ‭ ‬كان‭ ‬وجودها‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬حافظا‭ ‬لوجودنا‭ ‬أيام‭ ‬القحط‭ ‬والمجاعة‭.‬

كان‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬قرى‭ ‬العراق‭ ‬قبل‭ ‬عشرات‭ ‬السنين‭ ‬يعيشون‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬غاز‭ ‬أو‭ ‬نفط‭ ‬وكهرباء‭ ‬ولماء‭ ‬صاف،‭ ‬ولا‭ ‬سلع‭ ‬معمرة‭. ‬و‭ ‬كانت‭ ‬مستلزمات‭ ‬الحياة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تقدمه‭ ‬النخلة‭ ‬لهم،‭ ‬فقد‭ ‬وفرت‭ ‬لهم‭ ‬جذوعها‭ ‬أعمدة‭ ‬بيوتهم‭ ‬وحملت‭ ‬سقوفها‭ ‬،ووفر‭ ‬سعفها‭ ‬أسرَّتهم‭ ‬ومستلزمات‭ ‬بيوتهم‭ ‬السلعية‭ ‬كالمهفة‭ ‬والحصيرة‭ ‬والأطباق‭ ‬وأوعية‭ ‬الخزن‭. ‬كما‭ ‬وفر‭ ‬السعف‭ ‬والكرب‭ ‬وقود‭ ‬الطهي‭ ‬والتدفئة‭ ‬وكان‭ ‬تمرها‭ ‬عنصراً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬تغذية‭ ‬سكان‭ ‬المدن‭ ‬والقرى‭ ‬والبادية‭. ‬فالتمر‭ ‬زاد‭ ‬البدوي‭ ‬الخفيف‭ ‬الحمل‭ ‬الكثير‭ ‬الفائدة‭ ‬ويشكل‭ ‬مع‭ ‬حليب‭ ‬الإبل‭ ‬والأغنام‭ ‬وجبة‭ ‬متكاملة‭ ‬،كما‭ ‬يشكل‭ ‬الدبس‭ ‬خزين‭ ‬طاقة‭ ‬هائلة‭ ‬ورفيق‭ ‬درب‭ ‬جيداً‭ ‬في‭ ‬البوادي‭ ‬والقفار‭.‬

يدخل‭ ‬التمر‭ ‬في‭ ‬قائمة‭ ‬غذاء‭ ‬صغار‭ ‬وشباب‭ ‬أهل‭ ‬القرى‭ ‬مع‭ ‬إصفرار‭ ‬تمر‭ ‬الزهدي‭ ‬الذي‭ ‬يشكل‭ ‬غالبية‭ ‬نخل‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬تموز‭ ‬تقريبا‭  ‬ولكن‭ ‬التمرة‭ ‬وتسمى‭ ‬‭”‬خلالة‭ ‬‭”‬‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬تكون‭ ‬قوية‭ ‬بعض‭ ‬الشيء‭ ‬على‭ ‬السن‭ ‬وخشنة‭ ‬المذاق‭ ‬وعالية‭ ‬الحلاوة‭ ‬ومن‭ ‬الصعب‭ ‬أن‭ ‬يأكل‭ ‬الفرد‭ ‬كفايته‭ ‬منها‭ ‬وعليه‭ ‬يعمد‭ ‬الصبية‭ ‬الى‭ ‬فرشها‭ ‬فوق‭ ‬رمل‭ ‬أو‭ ‬تراب‭ ‬ناعم‭ ‬‭(‬ان‭ ‬لم‭ ‬تتوفر‭ ‬صينية‭ ‬فافون‭)‬  ‬ورش‭ ‬بعض‭ ‬حبات‭ ‬الرمل‭ ‬عليها‭ ‬وتركها‭ ‬تحت‭ ‬شمس‭ ‬الظهيرة‭ ‬وعندما‭ ‬يتم‭ ‬جمعها‭ ‬بعد‭ ‬الظهر‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬تغير‭ ‬لونها‭ ‬الى‭ ‬جوزي‭ ‬ولان‭ ‬داخلها‭ ‬وقلت‭ ‬حلاوتها‭ ‬وطاب‭ ‬أكلها‭ ‬ويطلق‭ ‬على‭ ‬التمر‭ ‬المطبوخ‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭ ‬تحت‭ ‬أشعة‭ ‬الشمس‭ ‬بالمشمَّس‭.‬

بعد‭ ‬مرور‭ ‬أيام‭ ‬على‭ ‬إصفرار‭ ‬التمر‭ ‬الزهدي‭ ‬في‭ ‬عثق‭ ‬النخلة‭ ‬يبدأ‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الثمرة‭ ‬بالتحول‭ ‬الى‭ ‬اللون‭ ‬الداكن‭ ‬الليّن‭ ‬ويطيب‭ ‬أكله‭ ‬ويطلق‭ ‬عليه‭ ‬بالمنجّد‭ ‬وبحلول‭ ‬أيلول‭ ‬تجف‭ ‬الثمرة‭ ‬ويحين‭ ‬أوان‭ ‬قطافها‭ ‬مع‭ ‬أواخر‭ ‬ذلك‭ ‬الشهر‭ ‬ويشكل‭ ‬محصول‭ ‬تمر‭ ‬الزهدي‭ ‬‭(‬الجسب‭)‬‭ ‬المحصول‭ ‬النقدي‭ ‬الرئيسي‭ ‬من‭ ‬بساتين‭ ‬النخيل‭ ‬لأصحابها‭.‬

بعد‭ ‬نخيل‭ ‬الزهدي‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬الشيوع‭ ‬نخيل‭ ‬الخستاوي‭ ‬وثمة‭ ‬ميزات‭ ‬خاصة‭ ‬لهذا‭ ‬التمر‭ ‬إذ‭ ‬أنه‭ ‬طيب‭ ‬المذاق‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬المنجّد‭ ‬المذكورة‭ ‬أعلاه‭ ‬وبعد‭ ‬إكتمال‭ ‬النمو‭ ‬والجفاف‭ ‬يكبس‭ ‬في‭ ‬جلود‭ ‬الأغنام‭ ‬‭(‬الكيشة‭)‬‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الأواني‭ ‬الفخارية‭ ‬‭(‬الزير‭ ‬أو‭ ‬البستوكة‭)‬‭ ‬ليكون‭ ‬طعاما‭ ‬شهياً‭ ‬أيام‭ ‬الشتاء‭ ‬ومحتوى‭ ‬للكليجة‭ ‬أيام‭ ‬العيد‭. ‬لنخلة‭ ‬الخستاوي‭ ‬تصرف‭ ‬غريب‭ ‬وفريد‭ ‬إذ‭ ‬أنها‭ ‬تزعل‭ ‬على‭ ‬البستاني‭ ‬إذا‭ ‬قطف‭ ‬من‭ ‬تمرها‭ ‬قبل‭ ‬حوالي‭ ‬نضوج‭ ‬ثلثي‭ ‬تمرعثوقها‭ ‬فتصدر‭ ‬أمراً‭ ‬الى‭ ‬حملها‭ ‬من‭ ‬التمر‭ ‬بالكامل‭ ‬ليجف‭ ‬فوراً‭ ‬ويتحول‭ ‬حشفاً‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للأكل‭. ‬ولا‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬تستشعر‭ ‬هذه‭ ‬النخلة‭ ‬بالعدوان‭ ‬وكيف‭ ‬ترسل‭ ‬أمر‭ ‬الجفاف‭ ‬الى‭ ‬عثوقها‭. ‬وبالإضافة‭ ‬الى‭ ‬تمور‭ ‬الخستاوي‭ ‬والزهدي‭ ‬تنتشر‭ ‬فرادى‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البساتين‭ ‬نخيل‭ ‬المكتوم‭ ‬والبرحي‭ ‬والأشرسي‭ ‬والبربن‭ . ‬المكتوم‭ ‬والبرحي‭ ‬يطيب‭ ‬أكله‭ ‬من‭ ‬العثق‭ ‬عند‭ ‬إكتمال‭ ‬تحول‭ ‬الثمرة‭ ‬الى‭ ‬اللون‭ ‬الأصفر‭ ‬ويسوق‭ ‬عادة‭ ‬بعثوقه‭ ‬أما‭ ‬الأشرسي‭ ‬الذي‭ ‬يشبه‭ ‬الزهدي‭ ‬بشكل‭ ‬ثمرته‭ ‬عدا‭ ‬أنها‭ ‬أكبر‭ ‬حجما‭ ‬ومختلفة‭ ‬طعماً‭ ‬وأما‭ ‬البربن‭ ‬فهو‭ ‬زينة‭ ‬البستان‭ ‬تبدأ‭ ‬ثمرته‭ ‬حمراء‭ ‬كبيرة‭ ‬تتحول‭ ‬الى‭ ‬نصف‭ ‬سوداء‭ ‬ونصف‭ ‬حمراء‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬كاملة‭ ‬السواد‭ ‬وأكلها‭ ‬يطيب‭ ‬في‭ ‬حالتيها‭ ‬الأخيرتين‭ ‬ولا‭ ‬تخزن‭ ‬عادة‭.‬

مشاركة