ركضة طويريج (1885- 2021) – قاسم حسين صالح

ركضة طويريج (1885- 2021) – قاسم حسين صالح

  يعود تاريخ ركضة طويريج الى مجلس عزاء كان يقام في العاشر من محرّم في بيت السيد ميرزا صالح القزويني( ت 1304 هج)..احد أنجال الامام السيد مهدي الحسيني القزويني الذي يعدّ من ابرز اقطاب النهضة العلمية والادبية بالحلة أواخر القرن الثالث عشر الهجري.

 وتروي مصادر تاريخية إنه في سنة ( 1303 هــ المصادفة 1885 م)، وبعد أن وصل السيد القزويني في قراءته المقتل الى استشهاد الإمام الحسين، اجهش الحاضرون بالبكاء والنحيب،فطلبوا منه أن يتوجه بهم إلى ضريح الامام الحسين  فاستجاب لهم وركب على ظهر فرسه وتوجهوا من منزله في قضاء طويريج الى كربلاء وهم يبكون ويلطمون ويرددون (لبيك ياحسين)..تلبية لنداء الحسين: (هل من ناصر ينصرنا)..مخترقين سوق ابن الحمزة  مرورا بسوق الصفارين والعلاوي فسوق الخفافين وصولا الى ضريح الامام الحسين فضريح اخيه ابي الفضل العباس،ثم التوجه الى مكان المخيم الحسيني،حيث اعد اهالي كربلاء خيمة لحرقها استذكارا لما قام به جيش يزيد من حرق خيمة الامام الحسين واهل بيته واصحابه يوم عاشوراء.

واستمرت هذه الركضة التي تنطلق بعد صلاة الظهر عند قنطرة السلام التي تبعد ( 2كم )عن ضريح الامام الحسين تقام كل سنة، الى  عام 1991 حيث قامت جماهير الشيعة باسقاط مدن في الوسط والجنوب اثر انسحاب الجيش العراقي المذل من الكويت اطلق عليها (الأنتفاضة الشعبانية) اضطرت نظام صدام الى حظرها،واعتقال من قام باحيائها،لتصبح بعد (2003)  واحدة من اضخم الطقوس البشرية في العالم،وأطولها عمرا،اذ يذكر المؤرخ الكربلائي سعيد رشيد زميزم ( ان تأريخ تأسيس هذا العزاء في احدى الروايات سنة 1855ميلادية وفي رواية اخرى سنة 1872ميلادية اي يكون عمر هذا الموكب قد ناهز ال150 عاما)..وقد تدوم دهرا بعد ان شارك فيها عرب ومسلمون أجانب.

ركضة طويرج تتحدى كورونا

ذكرت وكالات الانباء  ان آلاف الزائرين احيوا هذا اليوم (الخميس 19 آب 2021)ركضة طويريج في محافظة كربلاء. وكانت  فضائية كربلاء قد افادت في العام الماضي بأن مدينة كربلاء (شهدت اليوم ” الأحد 30 آب 2020 مراسيم ركضة طويريج الشهيرة بمشاركة مئات الالاف من الزائرين.واتجه جموع الزائرين والمعزين ركضا باتجاه مرقد الإمام الحسين (ع) وهم يقومون “بلطم” رؤوسهم تعبيرا عن مظهر الحزن لاستشهاد الامام الحسين).

تحدي كورونا

ولأن من عادتي أن استطلع الرأي لاوثق المواقف  في مثل هذه الظواهر، فقد توجهنا  بالآتي:

(تحدوا كورونا،وأوامر الحكومة ،وتعليمات المرجعية..وركضوها بمئات ألالآف.محبة شيعة العراق للحسين..تستحق دراسة سيكولوجية- دينية..ليتكم تشاركون بدلالاتها).

 شارك في الاجابة  عبر وسائل التواصل الاجتماعي والبريد الالكتروني 407 بينهم اكاديميون ومثقفون واعلاميون من الجنسين ، توزعت مواقفهم على ثلاثة:

الأول:ظاهرة روحية

يرى الغالبية ان ركضة طويريج  مشاعر انفعالية طاغية مفعمة بالمحبة والتماهي بشخصية الحسين..اليكم نماذج منها:

هذه كرامة من كرامات الإمام الحسين عليه السلام،ويستحق أكثر فداه أمي وأبي ونفسي ومالي.

حب بالفطرة بدون مصالح بدون غايات. اكو اصدق من هكذا حب بالدنيا كلها. ربما الموضوع أكبر من مجرد محبة .. فالمحبة ليست دافع لكل هذه المبالغة في الطقوس.. هنالك محاولة لا إرادية للتطهير من احساس عميق متوارث بذنب..وكذلك رد فعل لتحدي اوقات كانت فيها الطقوس ممنوعة لذلك عادت بقوة لإثبات الوجود ..ترافقها أزمات فكرية واجتماعية وسياسية واقتصادية فاقمتها.

عظمة الحسين تغلف قلوب الغيارى ليس في العراق، بل تجدها في قلب كل محب صادق للحسين.الوباء عطل ركن الحج وصلاة الجمعة والجماعه ولم يعطل شعيرة ركضة طويريج من حرارة حب العراقيين للحسين.

طبع عراقي…اللي يريده يسويه خصوصا اذا شغله عاطفية ومغمسه بأبعاد فيما يسمى دينية.ثق سيدي الكريم وأنت الباحث الحاذق، ان للإمام الحسين كيمياء روحية من نوع خاص نشعر بها ونعجز عن وصفها. تنجذب الأرواح إليه طوعا وحبا وعشقا، فإذا انجذبت الأرواح هانت الشدائد وسهلت المكاره. حب الإمام الحسين قضية وجود وفلسفة تنهل أصولها وفروعها من قوانين التكوين الإلهية. لم يخطئ الإمام الحسين حينما اختار العراق مقصدا لثورته، بل أثبت معرفة عميقة بالتركيب الاجتماعي والعمق النفسي لأهل العراق.الحسين الآن في طريقه نحو العالمية بعد أن تخطى المحددات المحلية والحدود الإقليمية، والشعب العراقي صوت الحسين المعبر وكلمته الناطقة.

منذ بداية الوباء، كنت من اشد الرافضين للتجمعات،واطبق نظام التباعد والتعقيم المستمر خوفا من الوباء والاصابة به،واستنكر كل شخص لايلتزم ولا يعقم،وانا رجل مهندس ومثقف وواعي ومطلع،لكن يا استاذ قاسم ثق بالله العظيم عندما حلت ايام استشهاد الامام الحسين،ذهب كل هذا الخوف من قلبي،ولم افكر لا بالوباء ولا بالموت ، اصلا اصبح الموت عندي بلا قيمة في رحاب ابي عبد الله. لا اعلم لماذا وكيف، لكن لربما هو الذوبان في حب سيد الشهداء ، ولعلي احسست ولو بمقدار قليل باصحاب الحسين وحبهم للموت والتضحية من اجله في ذلك الوقت. ولربما ايضا عرفت القليل من اندفاع ابطال الحشد في القتال ضد داعش واستبسالهم وتضحيتهم وسباقهم نحو الموت، وتلقي الرصاص بصدورهم بدون خوف.

ماذا اودع الله فيك ؟ ،وما سر خلودك وتربعك في نياط قلوبنا ؟وماذا فعلت لنا حتى اصبح الموت لنا عادة والشهادة لنا كرامة ؟

العقل في الوقت الحاضر ضد التجمعات لان الشاب يمكن ان يتغلب ويقاوم الفايروس لكن سوف ينقله الى انسان غير قادر على تحمله كأن يكون والده او والدته فكيف ستصبح حالة الناقل للمرض عندما يرى والده يرفس كالطير المذبوح يريد ان يتنفس ويرتجى الهواء ….حتى الامام الحسين لا يقبل بهذه الحاله …والله الحافظ

الامر لايتعلق بالركضة بحد ذاتها بل بالزيارة بصورة عامة حيث اجبر وباء كورونا الكثير الكثير من الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى المناسبات الدينية والوطنية اجبرها على التوقف .

ثم التباعد الاجتماعي كوسيلة لبعض الملتقيات وتاتي هنا في كربلاء تتجسد روح غريبة في التحدي حيث الملايين تتشابك انفاسهم قبل ايديهم وتتلاصق اكتافهم في منظر مهيب لجموع قل نظير تواجدها في الأيام الاعتيادية! فما بالك في زمن الكورونا ؟ ببساطة ليس هنالك من تفسير غير ان هؤلاء الله حاميهم.

الثاني:الحسين..اصلاح

منظور قيمي

ينظر الى ركضة طويريج بمنظور قيم الحسين التي تدعو الى الاصلاح والثورة ضد الطغاة والفاسدين،اليكم نماذج منها:

الحسين لم يأتي حتى يركض الشيعه ركضة ويلطمون الراس، بل من أجل الإصلاح. اخرجوا من أجل إصلاح بلادكم قبل فوات الأوان.

العلاقة بين الحسين والشيعي علاقة مركبة ! فالسني مثلا ينظر للحسين على انه احد اولياء الله ..او أحد الصحابة،وهذه نظرة قاصرة جدا بالمنظور الشيعي لأننا نرى الحسين بمنظر الأب الروحي والمخلّص للأمة من عثراتها بل للفرد الشيعي ذاته ايضا .فعلاقتنا بالحسين تتعدى المنطق بتجذرها لذلك انتشرت ظاهرة ( مجانين الحسين ) فهو حفيد النبي وأبن وليه وابن سيدة نساء العالمينوهو الطاهر النسب ( آية التطهير ) وقاتله أبن زنا ابا عن جد …وقتلته هم حثالات المجتمع آنذاك .. ويزداد تأثرنا بواقعة كربلاء حينما نقارن ان حثالات القوم هم من يحكموننا اليوم فيزيد غضبنا .. فكربلاء تظل نبراسا يهدي من ظل السبيل او بحث عن الحق والعدل بيوم ادلهمت به الخطوب.

شنو الفائده حقهم مسلوب صار 17 سنه ما حصلوا عليه

الثالث: تجاهل وباء عالمي

ويرى آخرون ان ركضة طويريج في زمن وباء كورونا الذي تجاوز عدد الأصابات به (25) مليونا لغاية آب 2020 ناجم عن قلة وعي وتحد ضد العلم لا يدركون حجم ضحاياه في حشود بمئات الآلاف يركضون ويلهون..اليكم نماذج منها:

دكتور الله يخليك يا دلالة فدوة الناس صاحية؟تعرف الاعداد المرعبة اللي راح تصير كورونا بالاسابيع الجاية؟؟ مقدرة قدرات الصحة المتواضعة بالعراق؟؟؟ الامام الحسين يرضى بهاي التصرفات ؟؟مستوعبين كل هالامور لو همة مجرد خالف تعرف وبعدين يكومون يتراكضون منا ومنا عل اوكسجين والمشافي.

 ترى كلنا نطبخ وكلنا نحب الامام بس مو هيج، حفظ النفس اوجب، والمراسم تكدر تسويها ببيتك،وفلوس الطبخ تكدر تتبرع بيها لانسان محتاج او مريض او تجيب قناني اوكسجين وتخليها للفقراء بثواب الامام، مو اطبخ والم الناس واسوي هوسة، انقل العدوى للناس الله يلطف بينه.. تمام لو لا دكتور؟

لطالما اتسمت زيارة الإمام الحسين عليه السلام و شعائرها بالتحدي و نتكلم هنا عن ما عاصرناه ابتداءا بتحدي الاجهزة الامنية القمعية للنظام السابق مرورا بمفخخات القاعدة و مثلث الموت باللطيفية و داعش و اليوم فايروس كورونا رغم إدراك الناس و ادراكنا لخطره، لكن هذا التجمع سيضيف بيانا جديدا لتوضيح واقعة الطف و مدى مظلومية  الإمام الحسين.

التحليل..في الحلقة القادمة

{ مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

مشاركة