رفقا بأهل النفط – سعد الله الفتحي

رفقا بأهل النفط – سعد الله الفتحي

نبهني احد الاصدقاء الى ما كتب الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف على صفحته في الفيسبوك وكما يلي:

“الاباء المؤسسون للصناعة النفطية في العراق لم يهتموا لا باستخراج الغاز ولا بانشاءمصافي ملائمة مما ادى بنا اليوم الى ان نستورد منتجات نفطية باكثر من 3 مليارات دولار”

واضاف في احد تعليقاته “كل المذكرات التي اصدرها الاخوة ممن عمل في الصناعة النفطية قراتها وانا كمؤرخ لم اقتنع بما فيها ثمة قصور في الميدانين: المصافي – واستخراج الغاز”.

وفي اجابة لمعلق عن الوضع الحالي للمصافي والغاز قال الدكتور العلاف: ” اتحدث عن  100 سنة الماضية واختصاصاتهم دقيقة ودرسوا في الخارج واحسن وزراء للنفط في العالم لكنهم لم يهتموا بالغاز ولم يهتموا بالمصافي”.

أولا، ما دام الدكتور العلاف يتحدث عن 100 سنة ماضية فهل يعني مصطلح “الاباء المؤسسون” شركات النفط العالمية التي اسست صناعة النفط العراقية وسيطرت عليها انتاجا ونقلا وتسويقا لغاية 1972 حيث تم تأميمها؟ وبالفعل لم تكن تلك الشركات تهتم اطلاقا بتصنيع النفط والغاز ولم تبني من “المصافي” الا وحدات تكرير صغيرة جدا لحاجتها الداخلية ولم تستهلك من الغاز الا كميات ضئيلة نسبيا لسد حاجتها الداخلية فقط.

أما اذا كان الدكتور العلاف يقصد بمصطلحه التاريخ الاحدث للصناعة النفطية العراقية، فان تعليقه فيه كثير من التجني ويفتقر الى الدقة والمرجعية المتخصصة ولم يعزز باي ارقام تطورت على مدى السنين. وما كتب النفطيون وانا منهم كان كفيلا باقناع الدكتور العلاف لعدم اختصار عقود طويلة من العمل بتصريح عابر من بضعة كلمات قد يحير عموم القراء ويفقدهم الثقة بصناعتهم او بمأرخيهم.

حتى في العهد الملكي هناك اشارات كثيرة في مذكرات ساسة تلك الفترة على محاولات جادة لانتزاع بعض السيطرة وتأسيس صناعة نفط داخلية مستقلة. وقد تكلل ذلك في أوائل الخمسينات بانتزاع حق توزيع المنتجات النفطية من شركة نفط خانقين والشروع ببناء مصفى الدورة الذي اشتغل في 1955 وتوسع في 1959 وكان في حينه من المصافي المتقدمة في المنطقة لأحتوائه على وحدات انتاجية متقدمة وخط لانتاج زيوت التزييت علما ان طاقته الانتاجية بلغت 75 الف برميل باليوم وكان فيها فائضا عن حاجة العراق في ذلك الوقت.

توسيع مصفى

وفي 1972 اشتغل مصفى البصرة بطاقة 70 ألف برميل باليوم وبوحدات انتاجية متقدمة ومواكبة لتطور مواصفات المنتجات وكان فاتحة لتصدير المنتجات النفطية الفائضة عن الحاجة من خلال ميناء متخصص على شط العرب. كما تم توسيع المصفى بمضاعفة طاقته في 1978 عن طريق التنفيذ المباشر من قبل منتسبيه.

ولنقفز الى1982 والى بيجي حيث اشتغل مصفى صلاح الدين 1  بطاقة70  الف برميل باليوم وتبعه في 1983 مصفى الشمال في بيجي بطاقة 150 الف برميل باليوم وفي 1984 مصفى صلاح الدين 2  بطاقة 70 الف برميل ياليوم كلها بوحدات متطورة نسبيا وخاصة في مصفى الشمال. وفي 1987 تم تشغيل مصفاتي زيوت التزييت في بيجي بطاقة اجمالية 250 الف طن في السنة.

وبالرغم من ضروف الحرب مع ايران وتوقف مصفى البصرة لأسباب امنية فقد كانت المصافي توفي الحاجة المتزايدة للمنتجات بل وبلغ تصدير المنتجات من نافثا وزيت غاز وزيت وقود وغاز سائل اكثر من 150 الف برميل باليوم في 1985 وماتبعها. اضف الى ذلك لأسباب امنية وعسكرية تم انشاء وتشغيل وحدات تكرير صغيرة طاقة كل منها 10 الاف برميل باليوم وبطاقة كلية بلغت 150 الف برميل باليوم قدمت للمصافي خدمة كبيرة رغم تدني مواصفات بعض منتجاتها. وفي نفس الوقت تمت الاستفادة القصوى من خطوط انابيب نقل المنتجات والمستودعات الكبيرة التي انشأت من شركة المشاريع النفطية وقلصت الى حد كبير نقل المنتجات بالسيارات الحوضية المكلفة.انتهت الحرب وسرعان ما اشتغل مصفى البصرة نتيجة الصيانة الحفاضية التي استمرت عبر سنوات الحرب ونتيجة لاصلاح الاضرار الكبيرة التي اصابته بالقصف في وقت مبكر. واتاح ذلك فرصة لزيادة المنتجات المصدرة واعطى ادارة المصافي فرصة لاجراء صيانات جذرية في بعض الوحدات التي كانت مؤجلة اثناء الحرب.والأهم من كل ذلك ان وزارة النفط كانت قد استكملت خطة تطوير المصافي افقيا وعموديا وتم الشروع في انشاء مصفى الوسط في جرف الصخر بين المسيب والاسكندرية متوسطا محطتي كهرباء حراريتين كانتا ستكونا مستهلكتين كبيرتين لزيت الوقود. وقد تم صرف الملايين على ذلك الموقع من حيث اعداد التصاميم وتهيئة الموقع وانجاز عدد كبير من خطوط الانابيب الخارجية وقواعد الخزانات وعددا من البنايات وتم استيراد كميات كبيرة من المواد الهندسية اللازمة. وشملت الخطة التوسع في الطاقات التحويلية في مصفى البصرة وبيجي باستقدام وحدات متطورة تهدف الى تحويل زيت الوقود الفائض الى منتجات خفيفة يزداد عليها الطلب.

وجاء دخول العراق الى الكويت وحلت ثلاثة عشر سنة من الحصار وفي 1991 لم يسلم اي مصفى من الغارات الجوية المدمرة وكانت اعادة الاعمار بعد توقف الحرب عملا بطوليا في ضل ضروف غاية في الصعوبة ولكنها استعادت اغلب طاقات الانتاج وباتت معركة ادامة التشغيل لمدة ثلاثة عشر سنة تمثل تحديا لم يسبق له مثيل بسبب شحة الادوات والمواد الاحتياطية والكيمياوية اللازمة للتشغيل السليم والمحافضة على حد ادنى من مواصفات المنتجات. ومع ذلك وفي مطلع 2003 لم تكن المصافي توفي كل احتياجات العراق فحسب بل كانت تصدر او “تهرب” ما يقرب من 150 الف برميل باليوم من المنتجات و 400 طن باليوم من الغاز السائل.

وجاء غزو واحتلال العراق في 2003. واذ لم تتأثر المصافي بالاعمال الحربية الا ان الفوضى واعمال النهب والسلب طالت كل شيء في العراق بما في ذلك المصافي. ونتيجة للسياسة التي شجع عليها الاحتلال تم التخلص من عدد كبير من المهندسين والفنيين والاداريين لاسباب سياسية تافهة وفقدت المصافي كثيرا من عنفوانها رغم ازالة كل المحددات المالية وعودة الاتصال بالشركات العالمية المجهزة للمستلزمات. والانكى من ذلك ان خطة وزارة النفط لتطوير المصافي عموديا وافقيا قد اوقف العمل بها وبات شعار المرحلة خصخصة تلك الصناعة الحيوية التي دخلت مرحلة من الترك او الاهمال بالاعتماد على استيراد المنتجات الى حدود 100الف برميل باليوم في بعض السنوات.

أما مشاريع المصافي فكانت عشوائية باضافة طاقات تكرير اولي دون مراعات الحاجة الى وحدات معالجة لاحقة ولازمة لمواصفات منتجات جيدة. وكان لالغاء مصفى الوسط او نقله الى كربلاء بحجج واهية دون النظر الى الملايين التي صرفت عليه وعلى المجمع البتروكيمياوي الملاصق بل تم تخريب ونهب عددا كبيرا من الابنية والمنشآت التي كانت منجزة.ونتيجة لفشل سياسة الخصخصة وعدم استطاعة الحكومة اغراء اي مستثمرين معتبرين قامت الوزارة باحالة مصفى كربلاء في 2014  بطاقة 140 الف برميل باليوم وبكلفة 6.5 ليار دولار وهي تقريبا ضعف الكلفة المقارنة في المنطقة. وكان المفروض ان يبدأ العمل في 2018  وها نحن في 2023 ويقال ان تشغيلا تجريبيا قد بدء الان. وبسبب القرض الياباني فحسب تم احالة مشروع تطوير مصفى البصرة باضافة وحدة التكسير بالعامل المساعد بطاقة 35 الف برميل باليوم وملحقاتها والذي مثل نقطة مضيئة في مسيرة العشرين سنة الماضية رغم ان كلفته ضعف المتوقع في المنطقة اعتياديا.وفي 2014 استباح ارهابيو داعش العراق ونتيجة لذلك تم تدمير اغلب وحدات مجمع بيجي ليس نتيجة الاعمال الحربية فحسب بل بالنهب المبرج والواسع النطاق لموجودات المجمع ومعداته واصبح كل ذلك موثقا لا يمكن نكرانه وصعب عملية اعادة اعمار المجمع الا جزئيا الى اليوم. وتشير بعض التقديرات انه لو تم استعادة كل مجمع بيجي واشتغل مصفى كربلاء بالكامل وتم انجاز مصفى مشابه فان العراق (بموجب تقديرات وزارة النفط في دراستها المعدة عن استيراجية الطاقة) سيستمر باستيراد الغازولين وزيت الغاز لفترة طويلة.

قصة الغاز

اما قصة الغاز فتكاد تكون موازية لما جاء بالنسبة للمصافي. وقد سبق ان قلنا بان شركات النفط الاجنبية العاملة في العراق لم تهتم بهذا المصدر واثرت حرقه هباء باستثناء حاجتها الداخلية في بعض المراحل. وفي سنة 1965  قام العراق بانشاء وحدة صغيرة في الرميلة لتجفيف غاز المرحلة الاولى الحلو لأغراض معمل الاسمدة في ابو الخصيب ومعمل الورق في الهارثة ومحطة كهرباء النجيبية ولاحقا لخدمة محطات الضخ على خط النفط الاستراتيجي الى حديثة ومحطة كهرباء النجف. وفي 1968 انشأ معمل استخلاص الكبريت في كركوك بطاقة 80  مليون قدم مكعب قياسي باليوم لانتاج الغاز الجاف والكبريت وارسال السوائل الى معمل التاجي للمعالجة وانتاج الغاز السائل. وتم ايضا مد خط انابيب لنقل الغاز الجاف الى بغداد حيث الاستهلاك الاكبر.

وبين 1978  و 1980  تم انشاء وحدتين لمعالجة الغاز في الزبير بطاقة 300  مليون قدم مكعب باليوم لكل منهما لاستخلاص الغاز السائل وتوفير كميات اضافية من الغاز الجاف للشبكة. وفي 1983 اشتغل مجمع غاز الشمال في كركوك بطاقة 536  مليون قدم مكعب باليوم اعتمادا على الغاز الخام المنتج صحبة النفط من حقول المنطقة. اما مجمع غاز الجنوب بفرعيه في الرميلة وخور الزبير بطاقة كلية تبلغ 1050  مليون قدم مكعب باليوم فقد انجز في 1984 الا انه لم يشتغل الا في 1988  لأسباب امنية. وهكذا فان الطاقة الكلية لمعالجة الغاز كانت مساوية او ربما اكثر من الغاز الخام المنتج مع النفط في ذلك الوقت والسنوات التالية.

وفي فترتي الحصار والاحتلال اصاب معامل الغاز ما اصاب المصافي ولاداعي لسرد القصة من جديد. ومنذ 2003  ولحد الان لم يتم اضافة طاقة جديدة لمعالجة الغاز لا بل حتى الصيانة الجذرية للمعامل القائمة لم تكن بالسرعة المطلوبة رغم زيادة طاقة انتاج النفط الخام وتوفر كميات كبيرة من الغاز الخام. ففي الفترة بين 2004 و 2014 لم يعمل مجمعي غاز الشمال والجنوب الا بطاقة 45 بالمئة وبين 2008 و2017 كان الغاز المهدر حرقا يعادل 196 الف برميل باليوم اغلبه من الجنوب. وربما حدث تحسن في النصف الثاني من 2017 بسبب اشتغال مجمعي الغاز بصورة افضل وان مشروعا واعدا لشركة غاز البصرة قد يبدأ العمل قريبا بطاقة 400 مليون قدم مكعب باليوم حيث يبقى العراق بحاجة الى اربعة مجمعات مماثلة لتلافي حرق الغاز هدرا.

اود ان اشير الى ان كل المؤشرات التي ذكرتها منشورة سابقا ليس في مذكرات النفطيين فحسب بل في دراسات رقمية تحليلية لا تتيح لأي مأرخ ان يدخل في الموضوع دون المرور عليها. ارجو من الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف ان يعيد النظر فيما كتبه وخاصة ان اعمال جيلين من النفطيين وزراء ووكلاء ومدراء عامون ومهندسين وفنيين واداريين واقتصاديين وعمالا لا يمكن اختصارها بتصريحه المقتضب عن صناعة تهم كل شعب العراق وامله في مستقبل افضل.

مشاركة