رشدي العامل يدعو للتذوق (نبتون يحتفي بالطبيعة)

دراسة في ديوان الطريق الحجري -1-

رشدي العامل يدعو للتذوق (نبتون يحتفي بالطبيعة)

كرم الله شغيت

تعود هذه الدراسة إلى السنة التي صدر فيها ديوان رشــدي العامل الأخير( الطريق الحجري) وهي سنة 1991، غير أنها بقيت ساكنة في حواشي الديوان تنتظر أن انفض عنها الغبار، وقد كنت لا أجد فيها سوى ملاحظات قارئ عابر كتبها بخيال مترف. وقد جاء يوم قمت فيه بتجميعها على ورقة مستقلة فوجدت أنها تحتوي على مادة جيدة ، وملاحظات لا يمكن أن تكون عابرة و لربما تفتح طريقاً لمعرفة اكبر بعالم هذا الشاعر. ديوان( الطريق الحجري) أو ديوان ما بعد الغياب كما يحلو للبعض ان يسميه صدر بعد رحيل الشاعر حاملا معه رحلة عناء طويلة مع المرض استحضر فيه الشاعر كل أدواته ليواجه إحساسه بالأفول.ولم يغير أسلوبه المعروف ولا ترك مفرداته الأثيرة إليه ،بل أصبح أكثر التصاقا بها ، متوسما فيها أن تعبر به إلى المرفأ الذي طالما حلم به .فكانت مفرداته أكثر وضوحا وانشدادا إلى بعضها تسير معه حيثما سار وتتجمع مشكلة بؤر متسلسلة وتنعزل حتى تصل إلى أدق التفرعات فلم يكن هو في هذا سيد مفرداته ،بل كانت هي دليله إلى ابتداع الفكرة وأداته لانتقاء الصورة،حتى أصبح شعره عبارة عن لوازم تتردد في اغلب القصائد إن لم تجد إحداها تجد نظيرتها ، فأنت عندما تتصفح الديوان تفاجأ بهذا الكم الهائل من المفردات التي تتكرر وبإصرار تكاد لا تخلو منه قصيدة. وقد رأيت أن افتتح دراستي هذه بالمرور على مفردات الشاعر تلك وإرجاعها إلى بؤرها الأصلية لنرى كيف غاص الشاعر في أدق تفاصيلها، فلم ينسَ شاردة ولا واردة الا أتى بها. ولو أردنا أن نكون أكثر دقة فإن تلك البؤر لا تعدو عن كونها بؤرة واحدة يمكن ان نسميها (الطبيعة) وهذه المفردات يمكن أن تتفرع إلى ثلاثة تجمعات أدق تفصيلا هي: 1/مفردات البحر 2/ مفردات نباتية 3/مفردات الطبيعة أولا: مفردات البحر: تشكل هذه البؤرة اكبر تجمع للمفردات ازدحم بها الديوان وقد جعلها الشاعر طيعة بيده ، يصل بها إلى صوره وأفكاره وقد جاءت المفردة الأصلية بأشكال عديدة (بحر ، بحـــار،البحر)ومتعلقــــــاتها كذلك في صور متــــــعددة ،مفردة وجمعاً،والملاحــــــظ انها تتسلسل وتتدرج بالنســـــــبة لقربهــــــا وارتباطها بالبؤرة الأم وكما يلي: المركب والسفينة ومتعلقاتهما (شراع،صارية، ربان، ملاح، بحّــار) الجزيرة / المرفأ /الميناء /الفنار المحّــار / اللؤلؤ /الصدفات / الأصداف الأمواج / الأنواء / النــــوء وقد تعددت طرق التعبير في هذه البؤرة لدى الشاعر ولكنها لا تتعدى ثلاث طرق كانت هي الأبرز في إيراد مفردات البحر. 1.مجيء المفردة وتنويعاتها مرة واحدة في القصيدة أو المقطع، وهو كثير 2.حشد عدد كبير من المفردات المتوفرة في قاموسه البحري في مقطع واحد فلو قرأنا المقطع الأخير لقصيدة( الشاعر راحلاً) لوجدنا إن المقطع يشكل مثالا نموذجياً لهذه البؤرة والتي تجمعت مفرداتها فيه بشكل واضح للعيان. ص 44/أقول لكم غادروني/غادروا مرفأ/كان في الفجر صبحاً/وفي الليل أشرعة من نهار/لم يعد في مواجهة البحر حتى الفنار/هاجرت منه كل الصواري/وكل المراكب والأشرعة 3. وقد لا يكتفي الشاعر بحشد المفردات في المقطع الواحد فيقوم بحشدها في السطر أو الجملة الواحدة كما هو في السطر الأخير من المقطع السابق وكذلك في ص /263 حيث يقول: والريح على أشرعة المركب في البحر تدوي وفي ص/ 98 حيث يقول:نحن شراعا مركب مبحرٍ وقد استخدم الشاعر تلك المفردات بحرفية رائعة وطوعها لأفكاره وألبسها قوالب رؤاه مؤسساً لعلاقته بالبحر منذ بدايتها وهو يتطلع إلى البحر ويرغب في الذهاب إليه. ص 62/وخذيني للبحر/أشم طراوة رمل الجزر المنسية/اقتات الملح/وارضع ثديَ الماء ويبدو إن هذه العلاقة قد أخذت تتوطد شيئاً فشيئاً وكأن البحر قد لاحظ مدى شوق الشاعر إليه ورغبته في الدنو منه، فأخذ البحر يدنو منه والأشرعة تغريه والأنواء تدعوه…. ص 96 البحر يدنينا لأسراره/ص 99أشرعة في البحر تدنينا/ص 164 تحلم بالقصائِد/ والبحر يدنو منك/ص 184 تراك تفاءلت / حين وجدت طريقك للبحر يدـــنو ص278 ماذا ترقب عند ضفاف الجزر الخضراء/ يغاويك الوهم / وتغمرك الشمس وتدعـــــوك الأنواء وإذ يخــــوض الشـــــاعر غــــــمار البــــحر ويستجيب لإغراءاته نراه يصبح بحــــــاراً محترفاً يزور بحار الدنيا ويرحل في كل مدنها منفقاً عمره فيه. ص76 أرحل في كل زوايا مدن الأرض/ وأبحر في كل بحار الدنيا/ كل سنين العمروهو يجد في الجزر مهرباً وملجأ ً ،والبحر يحاصره ويحيط به حتى في أحلامه . ص43 سأمت الوجوه خذوني / إلى جزر لا تتلصص فيها العيون على بعضها كما يرى في الشراع أملاً يلوح ثم يغيب. ص255 يا جبيناً مَرَّ في واحتنا / لاح في الأفق شراعاً وانطوى حتى إن إحساس الشاعر الخفي بالبحر ومائه يظهر من خلال شفاه الحبيبة فيقول في ص 238(( أجس الملـــح على شفتيها)) و يتذوق حلاوة رحلته تلك متوغلا في دقائق صور البحر الرائعة ومنها: ص139 ويرقص الشراع في البحر/على مركبنا الراحل/ص96 ويلثم الموج صوارينا/ص29ضحكنا كانت البحار/ما بيننا والجزر البعيدة/ص194 ينقلني كما يشاء مركب الرياح حتى أنه ينسى في غمار رحلته تلك حقله ذلك الحقل الذي طالما حلم ببيادره عندما كان البحر يحاصره ويغريه. ص104 أيها الربان هل أنساك /همس الريح في ملعبها حقلك ويتجرع مرارة التجربة فقد أتعبه البحر وأمواجه وعذبته المراكب المغادرة والمرافئ الساكنة، وهو يرى الأشرعة البيضاء تبكي عند الرحيل، والبحر يتخلى عنه حتى الفنار، ويسمع عن جاريةٍ و شاعرٍ ماتا من البكاء على أرصفة الميناء. ص59 أتعبتني البحار وأمواجها /ص104 عذبتك المراكب تنأى/عذبتك المرافئ/في الظل ساكنة/ص263 ثم تنأى أيها الربان/ والأشرعة البيضاء تبكي ص44 لم يعد في مواجهة البحر حتى الفنار/هاجرت منه كل الصواري/وكل المراكب والأشرعة ص127 في آخر الليل / سمعنا آخر الأنباء / جارية وشاعر بكاء/ماتا من الحزن على ارصفة الميناء وكما إن هناك سفينة حب وشوق فهناك سفينة أحزان وسفينة قرصان والجزر الخضراء تقابلها الجزر القصية والجزر المنسية. ص16/ سفينة شوق مغامر/ ونافذة مسكرة/ تعري جبين السنابل/ سفينة حب مسافر ص85 / لربما أهرب في عينيك/ من سفينة القرصان/ص102 لمحته لربما سفينة الأحزان /ترسو به في هذه الليلة من نيسان/ص85 وربما يتركني الشك / ويرســــــو القلب في جـــــزيرة الإيمان وتنتهي رحلة الشاعر تلك بعد أن يحس بأن شراعه متعب(مرتجف العينين)يغفو ويهوي فوق الرمل وقد تمزق. ص89 /أنا مبحر خلف شراع متعبٍ أبحرُ/ص264 وشراعي آه يا مرتجف العينين/ فوق الرمل يهوي/ص56ها نحن شراع غفى/ وكف بحار قضى واستراح ص195 فكيف يقوى جسدي النحيل/ يلحق بالبحر وقد تمزق الشراع/ وغاب عن مركبي َ الدليل ويحاول أن يعيد الكرّة ويرود جزيرته فلا تنجح التجربة. ص216 أرود الجزيرةO.. أعود وتنأى الجزيرة ويخلص إلى أن دنوه وقربه من البحر لم يكن إلا محض افتراء. ص185 نأيت وتبقى القرابة بينك والبحر/ محض افتراء/ فلا أنت تدنو/ولا البحر يدنو إليك فالبحر عند رشدي العامل تجربة تغريه بأن يدنو منها ، وتلوح له من بعيد وتفتح ذراعيها لمقدمه ،حتى إذا ذاق حلاوتها سقط في فخ التجربة ، وتجرع مرارتها فنأى عنها ونأت عنه. ثانيا ً:مفردات نباتية: إن المفردة الرئيسية التي تتفرع منها مفردات هذه البؤرة هي الحقل أو ما يقابله..البستان أو الحديقة،وهذه المفردات الأم تحمل في أحشائها كل ما يخطر بالبال من نبات وزرع تتدرج من الأعلى إلى الأدنى وبالعكس فالبستان فيه(نخلٌ وأشجار وأعشاب وشتلات وزهور) والنخل له(أعذاق وطلع وكرب وسعف )والأشجار لها (ثمر وأوراق وجذور وأغصان)وهي على أنواع (رمان و نارنج و عنب و تفاح و ليمون وبرتقال ) والزهور لها( براعم و تويجات ) وهي على أنواع (ياسمين وجلنار ونسرين وقداح وزنبق ونرجس وسوسن ) وهذه المفردات والاشتقاقات كلها جاءت في الديوان بصيغ المفرد والجمع ومرادفاتها التي لم ترد سابقاً، وقد جرى الشاعر على طريقته السابقة مع مفردات البحر فقد تجيء المفردة يتيمة في القصيدة وهي كثيرة ، أو قد تحتشد في مقطعٍ واحد. ص152/ في وجهها يبتسم القداح/ ويضحك الاقــــاح/ وترتوي ساقية/ من مطر الصباح ص270/ لا يعرف سر الأرض/غير المطر الناعم/يروي الحقل والبستان/يسقـي الزنبق الأبيض/والسوسن والنرجس/يدنو من تويجات الثمر/ويصوغ الورد بستانا والطريقة الثالثة من طرق التعبير عن هذه البؤرة هي مجيء السطر الواحد حافلا بمفرداتها.ص84((و النخل والتفاح واللــــيمون والـــــرمان)) وقد بدا الشاعر كثير الولع بالمفردات النباتية حتى إن عناوين قصائده لم تخل منها فأنت تجد قصائد تحت العناوين((أشجار النارنج، حقل الأحزان، في غابات الصمت، أغصان)). ولو تتبعنا مفردات هذه البؤرة( الحقل /البستان/ الحديقة)لوجدنا أن لكل منها علاقة بتجربة معينة تختلف من مفردة إلى أخرى،وهذه العلاقة جديرة بأن نقف عندها قليلا لنرى الفرق في نوعها مع كل مفردة وكيف استغلها الشاعر مسرحا لأحداثه بالاستعانة بالمفردات الفرعية الأخرى معطيا للقيمة المكانية أهمية كبرى في تكثيف الحــــــدث وإبراز دلالاـــــته. فالحديقة لها حضور وصفي يلبسها وظيفة حسية ترتبط بالنشاط العاطفي لشخصيات القصيدة، فكما للذكرى حدائق فللنسيان حدائق وللأسماء أيضا،وما يغرس في الحديقة ليس وردا أو زهرا، بل بهجة أو فرحا أو قد تكون محلا يخفي فيه الشاعر ظل صديقته الراحلة(ص152) ، وبالرجوع إلى المقدمة التي كتبها الناقد حاتم الصكر للديوان نرى ما للحديقة من معنىً في حياة الشاعر. ص85/يا رجلا تأكله الأحزان /ويغرس البهجة/ في حديقة النسيان ص138/متى أراك مرة أخرى/شاحبة في الضوء/مثل القمر الشاحب/في حديقة الذكرى ص102/وربما في عتمات الحان/يخطو إلى حدائق النسيان أما البستان فيتجلى في توظيفه لغايات جمالية تستعير ألوانه ومساحاته في طرح العلاقة بين المكان والتجربة الحسية التي حدثت فيه فألوانه تغازل النفس و تغري بفتح شباك الأمل. ص132/وجهك شباك على بستان/ص134/كيف تعطي الشمس للأزهار دفء الضوء؟/ والأنهار للبستان ماء/ص176/هل يأتي صبح لا يرقب فيه الفلاح/عيون البستان وهكذا في الصفحات217/251/234/238/239/264 وغيرها يأتي البستان جزءاً رئيسياً و متصدراً لمعالم اللوحات التي يرسمها الشاعر في قصائده. و تأتي مفردة (الحقل) لتجسد رؤى المكان بصورة جلية حيث يظهر الحقل مسرحاً لنشــــــاطات بشـرية وغير بشرية كـــــما هو الحال مع البستان. ص114/من يبقى في الحقل إذا رحل الناطور؟…ص72/ودماء القتيل جدول بين حقل وحقل يسيل….ص170/والقلوب التي أكلت لحمها/زرعت بين حقل وحقل…..ص213/والحقل في بهجته والنهار/يأتي إلى عينيك. وتمثل قصيدة (تذكارات) ص152 مثالا نموذجيا لمفردات هذه البؤرة وكذلك قصيدة (اللوحة الأخيرة) ص243 والتي وصف فيها لوحات الفنان خالد الجادر حتى لكأنك تنظر إليها من خلال كلماته ، وهي تزدهي بمفرداته النباتية، وقد رسمها على سعف النخيل صـــــانعاً من الجــــذور السمراء فرشاة ومــــن طــلع النخيل زيتا.

مشاركة