رسالة باللغة الروسية – ثامر مراد

352

رسالة باللغة الروسية – ثامر مراد

حقاً أن العلم نور والجهل ظلام. يختلف الأنسان المتعلم – ولا أقول المثقف لأن مفهوم المثقف يتجاوز مرحلة التعليم بشوط كبير – عن الأنسان غير المتعلم وأقصد بالمتعلم الذي يجيد القراءة والكتابة وليس معرفة مهنة أو حرفة. الانسان الذي يجيد القراءة ينفتح على آفاق العالم البعيدة والقريبة ويستطيع أن يتعلم أشياء وأشياء لاتعد ولاتحصى على نقيض الأنسان الذي لايجيد القراءة . الدافع الذي دفعني للكتابة عن قضية تعلم القراءة والكتابة تلك – الرسالة التي وصلتني باللغة الروسية عام   1978 حينما كنتُ في الصف الأول في كلية الآداب – قسم اللغة الأنكليزية وكنتُ لاأزال أسكن في القرية البعيدة – مسقط الرأس- كنتُ أعشق هواية – المراسلة – أي تبادل الرسائل مع الأصدقاء من كافة أنحاء العالم . كنتُ الوحيد في القرية من يعشق هذه الهواية ولاأزال حتى هذه اللحظة. كان هناك شاب وسيم جدا في قريتنا قد تخرج من قسم اللغة الروسية وسافر الى روسيا أشهر قليلة وتعرف على صديقة له – طالما كان يحدثني عنها – طلبتُ منه أن يسمح لي أن أراسلها كصديقة مراسلة فقط لاغير- كان أكبر مني بثمان سنوات- وافق على شرط أن يكتب لها وإذا وافقت سيعطيني عنوانها لأضيفها الى مئات الأصدقاء والصديقات من كل العالم.

وافقت هي الآخرى وراحت تكتب لي باللغة الأنكليزية . حينما وصلت الى الصف الرابع من كلية الآداب كتبت لي رسالة باللغة الروسية بخط رهيب كأنه تحفه فنية . لم أفهم أي شيء من تلك الرسالة . في الصباح الباكر ذهبتُ الى غرفة أساتذة اللغة الروسية وكان هناك أستاذ واحد كبير السن يجلس في الغرفة وبلا مقدمات سلمته الرسالة ورجوته أن يترجمها لي.

ظل الأستاذ يطالع الرسالة بأنتباه شديد ويبتسم بعض الشيء وسألني عن كيفية معرفتها وشرحت له كل شي. سلمني الرسالة دون أن يترجم لي أي كلمة ولكنه قال ” خطها رائع وعباراتها أروع لكنك حاول أن تجد مترجم غيري لأنني لاأستطيع أن أقول لك أي شيء …أو تعلم اللغة الروسية وترجمها بنفسك ” خرجت من غرفته وأنا حاقد على كل استاذ يتحدث الروسية . أهملت الرسالة وحفظتها مع عشرات لا بل مئات الرسائل الآخرى. منذ أكثر من شهر وأنا أتصارع مع اللغة الروسية عن طريق النت وتعلمت أشياء كثيرة عن الروسية . خطرت على ذهني اليوم محاولة البحث عن الرسالة .

راحت أناملي تبحث في رسائل قديمة تعود الى أكثر من 30  سنة وحينما وجدت الرسالة بدأت أحاول فك رموزها. كانت رهيبة كلها كلمات عشق وحب لاينتهي . قررت مواصلة ومتابعة اللغة الروسية بجهود فردية . أرسلت رسالة على نفس العنوان وشرحت لها كل شيء . وصلتني رسالة من فتاة روسية تقول ” المعذرة أمي ماتت منذ أكثر من عشر سنوات وبحثت عن رسائلك ووجدتها كلها مع صورك هل تريد أن أعيد لك الرسائل أم أحتفظ بها…” كانت صدمة بالنسبة لي وقلت لها بأني بعد سنة من هذا التاريخ سأسافر الى روسيا لزيارة قبرها أن شاء الله . إحتفظتُ برسالتها مع بقية الرسائل وراح ذهني بعيداً الى أيام الشباب وكيف طارت الأيام بهذه السرعة. حقاً أن العلم نور والجهل ظلام.

مشاركة