رسالة إلى وزير الثقافة – حيدر المحسن

الإنتحار الثّقافي

رسالة إلى وزير الثقافة – حيدر المحسن

هناك في فكرة الوطن جانب غير واقعي يتمسك برؤيته الأديب، ويدفعه إلى أن يفترق عن السياسي وعالم الاجتماع والاقتصاد… في تقديره للماضي، وفي الطريقة التي يتفاءل بها، ويعيش بها يومه كذلك توّاقا ومتألما. الجميع ينظرون إلى الوطن بعين تفسّر الأمور على نحو ميتافيزيقيّ، فهو يمثّل لدى البعض الراية التي ترفرف، أو التربة التي نمشي عليها، والنهر والشجر والأم والأب، كلّ هذا وغيره ينتمي إلى فكرة الوطن، أما بالنسبة إلينا فإن المواطنة هي ببساطة الغيرة التي نشعر بها من الغَير الذي يحاول أن يتفوّق علينا في المحيط الذي نحسّ فيه بالحياة، وهو الفنّ. الوطن هو البيت والمدرسة والحانة والحديقة  والمسجد والسوق، وساحة المعركة؛ نرى كلّ شيء ونحاول أن نخلق له نظيرا في عالم الأدب والتّشكيل والموسيقى، وبالتّالي يكون العراق هو البلد الذي نقوم نحن بصنعه، وعرضه على الملإ.

الساحة والسوق والمسجد والبستان والحانة والبيت والمدرسة…لا، لعل ذاكرة الفنان ليست مزدحمة إلى هذا الحدّ، إن قطرة دم واحدة من بقرة مذبوحة ومتيبّسة على الجدار كافية للتعبير عن الوطن:

كان هنالك سعلاة، وكوخ من القصب يسكنه شيخ وعجوزه، سمعت السعلاةُ صوتَ البقرة، وتوقّفتْ أمام البيت قائلةً لنفسها، لقد وجدتُ صيدا. خاف العجوزان، لكنّ البقرة قرّرت تحدّي السّعلاة قائلة لها: إذا أتيت مرة ثانية، وجرُؤت على دخول البيت، فإنني سأغمزك بعيني، وأنطحك بقرني، وأرفسك برجلي، وكانت السعلاة تقول لها: سوف أقوّض هذا الكوخ، وأفترسكم جميعا. فكّر العجوزان في أنهما أصبحا هدفا مستمرا للسعلاة بسبب البقرة، فقاما بذبحها، وظنّ الاثنان أن كل شيء انتهى، لكن السعلاة عادت في الليل، وسمع الزوجان البقرة تردّ عليها: سأغمزك بعيني، وأنطحك بقرني، وأرفسك برجلي.

– ولكن البقرة ذُبحت، من الذي كان يجيب، أهي الشياطين؟

يسأل الصبيّ أباه في القصة، ويجيبه الأب: – كلاّ إنه رأسها، لقد أخفاه العجوزان في فناء الدار وقلبوا فوقه طشتا، لئلا يلمحه أحد، لأنهما أرادا طبخه في اليوم التالي.

– وهل جاءت في اليوم الثالث؟

– تماما كعادتها، أول الأمر.

– وهل ردّ عليها أحد؟

– أجل، لقد سمعت الإجابة ذاتها: سأغمزك بعيني، وأنطحك بقرني، وأرفسك برجلي.

– كيف؟

– ثمة قطرة دم واحدة بقيت عالقة في الجدار بعد تنظيف الفناء من دماء البقرة، هي التي تكلّمت الآن.

 – قطرة دم؟

– نعم.

– وماذا فعلت السعلاة؟

تملّكها الذّعر ثم ولّت هاربة، لكن العجوزين كشطا قطرة الدم في اليوم التالي، فجاءت السعلاة مرة أخرى عند منتصف اللّيل.

كلما أعدت قراءة هذه القصة لفرج ياسين أفكّر بما حلّ فينا بسبب السّعالي التي تهدّدنا من كلّ صوب. إننا نسكن في بيت من الزجاج، وجيراننا يعتلون تلالا من الحصى والحجر. من قرّر لنا هذا المصير؟ وما الذي تبقّى من بلاد السواد الذي هو الأبهى؟ بقيت حتما قطرة الدم، وهي رمز للثقافة التي تقودها أنت، يا أيها الوزير الصديق…

لا حدّ للبركة التي تحيط بخطوتك وأنت تقود فريقك إلى المملكة الجارة، وجلّ ما أتمنّاه أن يسير رجال السياسة، الّذين بيدهم الحلّ والربط على طريقك نفسه. لكن السّفين قد تنقلب إذا عاكستها الرياح؛ أعني أن رجال الحلّ والربط إذا باعدت الشقّة بينهم، وهذا أمر جائز في هذي الديار، وهو جائز أيضا في دنيا السياسة في كل بقعة من الأرض، أخشى عندها أيها الصديق أن يُنظر إلى ما قمت به من جهد ككشط قطرة الدم التي دافعت عن البيت في قصة فرج ياسين، والتي تحمل عنوان “غدا في الصّدى”، فلا يتبقّى بعدها أخي الوزير من مجير، وذلك تقدير العزيز العليم.

هل نسمّي الأمر، لو حصل، انتحارا للثقافة في البلاد على يد مسؤولها الأهمّ؟

مشاركة