رسالة إلى عادل عبد المهدي: نبحث عن وطن في وطن – ياس خضير البياتي

250

 فك التشفير

رسالة إلى عادل عبد المهدي: نبحث عن وطن في وطن – ياس خضير البياتي

أبدأ بالسلام، والتهنئة            أكتب لك هذه الرسالة كمواطن عراقي، مريض بالعراق، بعد شعوري بأن الوطن لم يعد وطنا كما عرفناه بعد ان غزاه الغرباء، ونحروه من الوريد الى الوريد، بمعاونة بعض ابناءه، ولأنني مواطن عراقي رفض الاحتلال الأمريكي فكرة وممارسة، فأنني لم أكن أتصور ان يقف العراقي مع الأمريكي لمساعدته على تدمير وطنه، وقتل اهله، وتنفيذ مخططاته الشيطانية، وكنت انت مع الأسف أحد الذين انخدعوا بالعملية السياسية التي لم تكن نتائجها بعد هذه السنوات الا كارثية على البلد والعباد. ولا بأس ان نختلف معا في طريقة التفكير والمنهج، رغم أنك جربت الأحزاب الدينية والمدنية كلها، لكنني سأخاطبك بمنطق مصلحة الوطن مادمت عدت الى الواجهة السياسية مرة أخرى، مقدرا لك شجاعتك في أنك رسخت ثقافة الاستقالة لعدة مرات.  سأترك ما قيل عنك، هنا وهناك، ولن اذهب مع من يريد نبش تاريخك بانتقائية متعصبة ، أو انشغل مع عشاق (القيل والقال)، أو من يعيب عليك بأنك جربت بالأمس فما جدواك أن تكون اليوم (المجرب لا يجرب)، لأنني سأترك الامر للمستقبل، وسنرى الأفعال كم هي حاضرة في ممارساتك بالميدان، ومتى تكون رجل دولة لا رجل سلطة، وكيف تتحكم بمسارات الوطن بعقلانية، وتقلع بذور الطائفية التي أصبحت سرطانا مزمنا، ومتى تغلق منافذ التنفيس للدولة العميقة التي كانت سبب البلاء الوطن!  سأحدثك بمنطق (سانت اكزوبيري) الفرنسي (نحن لا نرى جيدا الا بقلبنا)، وسأتعامل مع معلوماتي الخاصة منذ ان كنت طالبا في كلية بغداد، شقيا ونبيها ولماحا، الى حصولك على الماجستير في الاقتصاد من فرنسا، برسالة اقتصادية عميقة. وأعرف أنك من عائلة عربية جنوبية عريقة، وأنك بغدادي الهوى والنشأة، وصاحب فكر متنوع تؤهلك لمعرفة الحقيقة، والوقوف مع حرية الانسان، ونبذ الموت والطائفية والدمار، مثلما اعرف جرأتك على تقديم استقالتك عندما تشعر أنك خارج تغطية (العادل)الآخر.     وكما تعرف فقد انتهت معارك الوطن أخيرا، وادخنة التسقيط السياسي، ومصائد التحالفات والمناكدات السياسية، وهدأت الدول وابتزازاتها بعد ان اطمأنت على مصالحها، بولادة عسيرة للرئاسات الثلاث انتظرها الشعب بلا مبالاة في مستشفيات الأحزاب، وغرف انعاشها، عسى ان يكون المولود هذه المرة عراقيا صالحا، متطرفا بعراقيته ووطنيته، بعد ولادات كثيرة سابقة تمخضت عن أبناء لا يخافون الله والوطن، مهووسون بالجاه والمال والسلطة. لأننا نخاف اليوم ان تولد لدينا جينات بشرية تحمل صفات وراثية سياسية مريضة تنقل من جيل الى جيل، وهو امر لا نستبعده، مثلما لا نتمناه في ظل القادم الجديد.

  استراتيجية أعادة الثقة

كل شيء انتهى، وهدأت العواصف العاتية في ترشيح الرئاسات، ولم تتبق امامنا الا عاصفة الوزير، والوزارات التي لم تهدأ سريعا كما يتصور البعض، لأن الغنائم هي أصل المعارك والتناحرات.وسترى ذباب أهل المال تحوم من كل جانب على كعكة  السلطة ،ولننتظر الأيام القادمة الحبلى بالمفاجآت، وسيراقبك الشعب كيف تتصرف وسط هذه العواصف التي ستكون اول تجربة لك في قيادة سلطة البلاد، مثلما هي قبان الشعب للثقة، لأنها ستكون بمثابة الصدمة الأولى، ومعيار ثقة الشعب بك، لتهدئة النفوس التي عانت طويلا ظلم الحكام ،وسياسة الأحزاب الباحثة عن السلطة والمال! وحسنا فعلت عندما فتحت ترشيح الوزير لكافة الشعب، وسأكون هذه المرة مصدقا ومتفائلا، لكنني اسمع صوت الشعب يقول انها مسرحية سياسية، لأنك ستكون في قبضة حكم الأحزاب واطماعهم ومساوماتهم المالية، ومع ذلك نقول سننتظر كم وزير رقمي سيكون بحكومتك؟

انت تعرف ياسيدي، ان أصعب شيء لرئيس الوزراء الآن، هو ليس بناء برج من الحجر، انما برج إنساني، بمعنى إعادة الانسان العراقي الذي دمرته الحكومات السابقة، ككائن انساني واجتماعي، من خلال الطائفية والفساد، وفككت اصوله المجتمعية الاصيلة، وأطفأت في روحه جذوة الامل والمستقبل ،وهدمت مدنه وقراه، واذلت أهلها عمدا، ومسخت انسانيتهم وكراماتهم، وعطشت مدنا كبيرة، وأطفات الانوار على العراق كله، وجعلت شباب الوطن متسولين بلا امل، وأسرى لمخدرات الموت البطيء، واشعلت فيهم هلوسة التمرد والغضب والانحراف ،حتى كادت جراحات الوطن هي الصورة الأبرز لمشهد الحاضر. وهو المشهد الذي لا يراه العراقي اليوم الا حنينا للأمس، وتذكيرا لكل المنجزات القديمة، وحلاوة للمظلومية، لأننا ببساطة جعلنا المواطن بعد خمسة عشر عاما، يعيش بنفس الأماكن والشوارع والجسور والفنادق والملاعب والمنتزهات والمطارات التي بناها النظام السابق، بل اختزلنا كل ما كان جميلا وسعيدا بالقياسات الحاضرة، فلم يعد المواطن يأمن على نفسه وعائلته وبيته، ولا تتحقق حقوقه الا بالرشوة والفساد، ولايشعر بإنسانيته بسبب فقدانه لمقومات الحياة البسيطة من الكهرباء والماء والمجاري التي أصبحت حقا طبيعيا في افقر دول العالم ،بل ان بطاقته التموينية تم اختزالها وسرقتها على المكشوف، حتى اصبح الوطن ماركة عالمية مسجلة في الفقر والتخلف والفساد ،ليصبح في آخر الأوطان!                      ثقافة التسامح

انت اعرف، ياسيدي رئيس الوزراء، من غيرك بأن الدول لا تستقيم الا بالسلم المجتمعي، وفتح أبواب التسامح والاخوة والمحبة بين الناس، و(عفا الله عما سلف) الا الذين اقترفوا بحق الشعب جرائم القتل. لقد قال مانديلا ساعة خروجه من سجنه بعد سبع وعشرين سنة، وهو ينظر الى زنزانته (نحن لا ننسى.. ولكن نتسامح)، فصارت تلك الجملة الرائعة تاريخا لجنوب افريقيا، وصار مانديلا رمزا لثقافة التسامح. مثلما كان غاندي يزرع روح التسامح في شعبه، ليجنبهم الاقتتال والفوضى وهو القائل (الضعيف لا يمكن ان يسامح ابدا، فأن التسامح سمة الأقوياء). ليتنا نستفيد من هذه النماذج. وليتنا نكون أقوياء مثل غاندي في التسامح، ونغلق منافذ الحقد والكراهية، ونعلن قوتنا في انصاف المظلومين ممن أفقرتهم الدولة باسم (الاجتثاث)، وسلبت منهم كرامتهم، وقطعت ارزاق عوائلهم وأطفالهم، وهجرتهم من موطنهم اجبارا او اختيارا، ودفعت الكثير منهم لأن يتمردوا بعد ان ضاقت بهم الحياة، وقساوة القوانين المريضة. لأن جريمتهم أنهم خدموا الدولة العراقية باقتدار، وبنوا مؤسسات ما زلنا نعيش ونعمل بها، ونحكم من خلالها، ونتباهى بمنجزاتها. والذي جرى لعراق اليوم، وهو بلد التنوع الفسيفسائي من الأديان والطوائف والأقليات والقوميات عندما كان منارة للبشر في التسامح والمعارف، ليصبح اليوم ماركة للطائفية والقتل والدمار؟ فهل تستطيع ياسيدي ان توقف نزيف الطائفية، وتقلع روح الأحقاد من مؤسسات الدولة السياسية وتجنبنا ثقافة الدم والتعصب والكراهية؟                            الشفافية والقانون

سيدي رئيس الوزراء، عليك ان تضع القانون فوق الجميع، لأنه هو أساس العدل والكرامة وتطور البلدان، وكما يقول مونتسكيو (يجب ان يكون القانون مثل الموت الذي لا يستثني أحدا)، فلقد جربنا حكومات دولة القانون سابقا، ولم نجد مع الأسف قانونا واحدا ينصف الانسان، بل كانت شوارع العراق مكتظة بجثث البشر، بدلا من زهور الياسمين، كان القانون الابرز هو قانون السلاح وكاتم الصوت، وقانون المتفجرات بأنواعها بدلا من مفرقعات الفرح والاحتفالات .كانت تحكمنا الأحزاب والعشائر بقوانينها ،ويقتل الناس دون ذنب ،ويشرد الاف من مدنهم وقراهم ،وتقتل القوانين بالتهديد والفساد وبيع الذمم ،وتقتل النساء لأن الله خلقهن جميلات وشقيات ،ويختطف الشباب من كل المدن لانهم أصحاب راي،ورمزللعنفوان والتمرد. فهل ننتظر منك ياسيدي ان تقيم عدالة الله في الأرض، وتجعل قوانين الأرض أكثر عدالة فوق الأحزاب والطوائف والقوميات والقبائل، بحيث يشعر المواطن انه يعيش في عصر التشابك الرقمي، وليس في عصر تشابك التاريخ القديم. وهذا يحتاج منك إرادة رجل دولة يحكم بالقانون، وتجعل الله امامك في كل قرار تتخذه، ومظلوم تنقذه، لأنها فرصة لن تتكرر لك مرة أخرى، وانت تعيش في العقد السبعيني، فهي امنية سعيدة رغم صعوبة المهمة، وتعقد المشاكل، لكنها فرصة لخدمة البشر في هذه الحياة الفانية. ولك الأجر والإحسان عندما تحقق البسمة لملايين العراقيين الذين يبحثون عن وطن في وطن اسمه العراق!

مرة قرأت ل (بيرت راند رسل) قولا مأثورا يقول (حين تكون الحرية ضارة يجب ان نلجأ الى القانون)، وهو أمر نحتاجه اليوم، لأننا لدينا حريات منفلته، وضائعة بين البشر، وحرية على مقاسات الفرد والحزب والعشيرة ،دون ان يكون لها اطار قانوني ،لذلك تتأسس لدينا جمعيات وأحزاب وصحف واذاعات ومقرات ومؤسسات وشركات وهمية دون ان يكون لها شرعيه قانونية .لذلك ادعوك ياسيدي ،ان تنهض بفكرة الشفافية في كل مفاصل الدولة ،لأن القانون يعني الشفافية ، وهو ما نفتقده في نظامنا السياسي ،لهذا السبب سرقت مليارات الدولارات ،وأهدرت ثروات العراق وسربت للخارج ،وانتشرت العقود والمشاريع الوهمية التي قضت على اقتصاد العراق حتى اصبح العراق مصرفا لنهب الثروات المالية .لذلك ادعوك الى رفع منسوب الوعي بفكرة الشفافية لدى كل المسؤولين ،واجبارهم على نشر الأرقام والاحصائيات على المواقع الالكترونية للوزارات والمؤسسات لاطلاع الشعب عليها، فهذا حق قانوني لهم. فهل يصح ان تبقى موازنات الدولة، وصرفيات الرئاسات الثلاث سرا من اسرار الدولة القومية، ويبقى الشعب جاهلا بأمواله وقنوات صرفها، وألا تبقى الشفافية فكرة جميلة في الاقوال فقط، وانما تكون في عقل الناس فكرة ديمقراطية، وممارسة حية، وحق طبيعي لهم؟

 الاقتصاد والاستثمار والفساد

سيدي رئيس الوزراء، لأنك رجل اقتصادي تخصصا واهتماما، ولانريد مبارزتك لأنك ابن الاقتصاد خبرة وممارسة، ولكننا نذكرك بالرأي والمشورة كأكاديمي واعلامي، ومواطن عراقي، ان دولتنا فيها كل عجائب السياسة، وأكبر اعجوبة هي انها دولة بلا اقتصاد، رغم انها تفيض بالاقتصاديين، وأصحاب الخبرات التجارية والمالية واهل الاختصاص من الأكاديميين، ومع ذلك لا توجد لنا هيكلية اقتصادية، وحوكمة للمؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وليس لدينا تنمية مستدامة، وسياسة اقتصادية واضحة. فلقد قضينا تماما على اقتصاد الدولة، بالمزادات والنهب والفساد، ولم يعد لدينا مشروع صناعي وزراعي وغذائي يسد بعضا من حاجة السوق كما كان سابقا، ليرفع معنويات الشعب، ولا نحن نجحنا بأقامة اقتصادنا الحر، بل اسسنا نظام مافيات اقتصادية تنخر بالمؤسسات المالية والاقتصادية، وتسرق ثروات الوطن بطرق مبتكرة في ظل حماية ودعم الأحزاب، حتى فاحت رائحة الفساد والمفسدين، وأصبحت الدولة تساهم في نشر ثقافة الفساد والرشوة، حتى أصبحت ثقافة مجتمعية داخل مؤسسات الدولة. وأصبحت المشاريع الوهمية، وعقود الوزارات وكأنها نظام سياسي مقرر على كل السياسيين. ولم يعد في بلاد الرافدين الماء والزرع والورد، انما أراضي بور قاحلة، ومبازل منخورة، وسدود قديمة، وشعب يشرب مياه آسنة ومالحة حتى أصبح اقتصادنا الريعي يقتل زراعتنا ومصانعنا ومشاريعنا الصغيرة، لينهي آخر امل للفلاح والصناعي، وليسدل الستار على وطن مستورد في أسواقه ومنتوجاته، حتى يشعر المرء بالخجل: كيف ان هذا العراق العظيم غير قادر اليوم على انتاج البصل والطماطة والفجل والخضروات، بعد ان كان ينتج الصواريخ والسيارات والأدوية والأجهزة الالكترونية؟ اليس اليوم نحن بحاجة الى اقتصاد انتاج ينهي تبعيتنا وفقرنا وتبديد ثرواتنا؟

     ننتظر الأمل!

سيدي رئيس الوزراء، لعلك قرات تجارب الدول النامية التي أصبحت اليوم قوة اقتصادية كماليزيا وتايوان وسنغافورة وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية، وكيف حققت نموا اقتصاديا مرتفعا وتصنيعا سريعا، بعد ان كانت بعض هذه الدول بحيرات من البعوض وبيوت من الصفائح القديمة العفنة. وإذا كانت هذه الدول بعيدة عنا، وليس من جنسنا وثقافتنا، فأنني أقرب لك المساحة لأختار الامارات، الدولة التي كانت يوما تقتات على البحر، وتتمنى ان تكون شبيهة بالعراق بمدنه الحضرية، وتحضر أهله، كيف حولت رمال الصحراء الى صناعة استثمار وابتكار، لتكون موطن الشركات الكبيرة في العالم، والتكنولوجيا والمعرفة، وقبلة سياحية عالمية، وبيئة استثمارية بقوانينها الراقية، وماركة عالمية في طيرانها ومطاراتها وموانئها العملاقة وفنادقها وبنيتها التحتية وسعادتها وتنميتها. واذكرك ياسيدي، وانت الأعلم بالاقتصاد وتاريخ الشعوب، ان هذه الدول لم تكن بهذه المستوى لولا وجود الإرادة السياسية والحكمة والعقلانية والقانون والشفافية، والاهم اقتلاع الفساد من جذوره، وتقديم الفاسدين للقضاء النزيه مع عقوبات شديدة رادعة، لا تأخذ بالحسبان الحزب والقبيلة والطائفة والدين.

وآخر الكلام

أننا ننتظر منك ان ترفع عنا غمامة التخلف الاقتصادي، ورفع أنقاض التدمير في اقتصادنا ومؤسساتنا وصناعتنا وزراعتنا ومصارفنا، وتفعيل قوانين الاستثمار، وبناء بنية تحتية راقية، والاهم ان تكون حازما ومتطرفا في ضرب المفسدين واقتلاع الفساد، واختيار الوزير النزيه بعيدا عن مصالح الأحزاب وهيمنتهم، وطرد الفاسدين والمتهمين بالإرهاب.  نريدك مواطنا بدرجة وطن، ومتطرفا لعراقتيك وأنسانيتك، لأننا ننتظر افعالا   لرجال تليق بعراقيتنا، ومتبوعا لا تابع، وحكيما عادلا لا يخشى الظالمين والفاسدين. نريدك عراقيا بالانتماء، لا تابع لأحد، لأن العراق هو سيدنا الوحيد، مطاع لا طائع، وصانع لا مصنوع، وآمر لا مأمور، وحاكم لا محكوم. ودعنا نقول لك في السطر الأخير، بأننا نشفق عليك، لأنك ستحمل كل اثقال العراق، وستكون وسط الغام ومفخخات الدستور، وقوانين الطوائف والقبائل، وفساد الأقربين وغدرهم، لأننا نخاف منك، كما تعودنا عليك، أن تتركنا في بداية أو وسط الطريق بعد ان لاتجد جدوى أن (تكون او لا تكون) وهذا ما نتوقعه في قراءة المشهد العراقي مع الأسف! كن صبورا كصبر أيوب.. كن عراقيا من ابوين عراقيين ،وعادلا وحكيما.. وكن مواطنا بدرجة وطن!

{ أكاديمي واعلامي

مشاركة