رحلة في ذاكرة شارع الرشيد

رحلة في ذاكرة شارع الرشيد

على بساط الريح من بغداد إلى الدنيا

سعدون الجنابي

كما تتفاخر دول العالم وعواصمها بشوارعها الرئيسية ومعالمها البارزة ، حري بنا نحن العراقيين و البغادة خاصة ان نتفاخر ببغدادو بشارعها الاثير شارع الرشيد ومعالمه العديدة المتميزة

فمن ضمن معالم الشارع العديدة ، مثلت عمارة في منطقة الشورجة في منتصف شارع الرشيد ، حدثا فريدا انشغل فيها البغادة والعراقيين وكذلك العرب و العالم. ويعزى الامر الى أن تصميمها غريب و كذلك لان لونها الابيض مع شكلها المدور في هيكل البناء يعطي للناظر انبهارا وكذلك يعطي للمصور الفوتوغرافي بعدا جذابا تلتقطه العين وتألفه عين العدسة عن بعد فيبدأ في اخذ لقطاته.

لكل ذلك اصبحت العمارة حديث المدينة لحقائق عدة، لأنها من ست طوابق الامر الذي اثار مخاوف البغادة واستغرابهم. ذلك لان البغادة ألفت عيونهم عمارات شارع الرشيد ذات الثلاث او الاربع طوابق لا اكثر لذلك اعتبروا هذه العمارة غريبة على نظيراتها في شارعهم الاثير شارع الرشيد. السبب الاخر لمخاوفهم أن تصميم العمارة غريب جدا خرج على كل سياقات بناء العمارات المألوفة في بغداد لا بل بالعراق ومنطقة الشرق الاوسط ككل. وكان تصميمها وبناءها وهندستها متقدما على نظيراتها في فترة الخمسينات. لكل ذلك عد المختصون هيكلها الغريب في وقته ثورة في عالم التصميم و الهندسة والتنفيذ، واصبح النموذج مادة يتم تدريسها أكاديميا بكليات الهندسة في العراق و العالم..

صمم المصمم العمارة نصفين غير متشابهين… نصف العمارة الاسفل الاساسات على شكل مكعب الشكل فيما كان نصفها العلوي دائري كألاسطوانه الفارغة.

وبرأي المتواضع فأني اعتقد ان في البناء الدائري فيه رمزية إلى تصميم وبناء عاصمة الرشيد بغداد المدينة المدورة.

في حين ان اختيار المصمم للشكل الدائري الاسطواني، كما يذكر المختصون بهندسة العمارة ، جاء حتى يلائم ويتناسب مع شكل منارة وقباب جامع مرجان القريب من موقع العمارة وهذا كله يضاعف من جماليتها.

إضافة الى كل ذلك فقد أسبغ لون العمارة الأبيض بعدا فنيا كبيرا لجمالية العمارة ووضع حدا للنمط السائد في بناء العمارة في شارع الرشيد بألوانها الداكنة الكلاسيكية القديمة. حيث كانت العمارة البيضاء ترى بالعين المجردة من اماكن بعيدة عن موقعها في منطقة الشورجة وسط شارع الرشيد

وقد استفاد المصمم من انحراف شارع الرشيد يمينا من منطقة بناء العمارة للمحافظة على جامع مرجان حسب اصرار المس بيل المستشارة السياسية للمندوب السامي الانكليزي آنذاك وصانعة الملوك أو خاتونة بغداد كما يحلو لها ان ينادوها الاخرون . وحقيقة الأمر ان شارع الرشيد ليس على استقامة واحدة والتي استمر عليها من سوق هرج ومقهى الزهاوي ولغاية منطقة الشورجة حيث العمارة ليحيد الشارع يمينا. اقول ان المصمم استثمر هذا الانحناء لأنه ساهم في بروز العمارة عن مسار الشارع كأن العمارة لوحدها في صف طويل خلفها وأمامها من الواجهات المسطحة من العمارات ولأنها مدورة فإنها تبرز تلقائيا وجماليا من أماكن بعيدة عن الموقع.

وهنا نود أن نوضح ان لشارع الرشيد انحناءات عدة لتفادي ازالة الجوامع كجامع الأحمدي و المدرسة المأمونية مدرسة الملوك وموقع مدفع طوب ابو خزامة في منطقة الميدان قبل سوق هرج حيث انحرف الشارع يسارا ثم يمينا ليأخذ استقامته بعد ذلك من منطقة سوق هرج المجاور وحتى منطقة الشورجة حيث موقع العمارة المدورة في الشورجة لينحرف يمينا لتفادي تدمير جامع أجزاء من جامع مرجان. وبقى مستقيما حتى جامع السيد سلطان علي في منطقة المربعة ، وهنا لتفادي اقتطاع أجزاء من جامع سيد سلطان علي ، غير الشارع مساره ليتحول يسارا ويستمر باستقامة حتى محلات جقماقجي نهاية شارع الرشيد. وهنا نضع النقاط فوق الحروف فعن اي عمارة نتحدث : اننا نتحدث عن العمارة المدورة البيضاء و التي هي عمارة عبود نعم  انها عمارة عبود في وقت يتداول اسم العمارة  إعلاميا و بالعديد من المصادر والصحف والمجلات ومواقع وسائل التواصل الاجتماعي على انها : عمارة (الجاجرجي) غير

صحيح على الإطلاق. العمارة المدورة بيضاء اللون هي عمارة عبود حسب التصميم الاساسي لمدينة بغداد.

هناك عمارة اسمها الجادرجي او الدامرجي وموقعها في نهاية شارع السمؤال اي في الشارع المقابل باتجاه نهر دجلة. وهي ليست العمارة التي نتناولها بالبحث هنا اي عمارة عبود

ولكي أتحقق من المسألة راجعت العديد من المصادر واهمها الويكيمابيا شبه الرسمية او كما يطلق عليها الاطلس الجغرافي للمواقع الارضية

والتي استندت إلى سجلات وخرائط أمانة العاصمة والتي تفضل وارسلها لي اخي وصديقي المهندس المعماري سعد أحمد صالح العبدي عند استفساري منه عن اسم العمارة المدورة واجابني على الفور انها عمارة عبود وارسل لي ما كتبته الويكيمابيا.

تذكر الويكيميبيا ان اسم العمارة هو عمارة عبود. والاسم مأخوذ من اسم  التاجر المسيحي  لطيف عبود  صاحب شركة لطيف  طبارة  للسجائر وكان مقرها في منطقة العبخانة في وسط شارع الرشيد ما بين منطقتي العمار والمربعة. كانت شركة عبود طبارة تنتج سكائر غازي ذو العلبة الكارتونية البيضاء.

وتذكر المقالة ان عبود  اشترى قطعة للأرض من مالكها اليهودي كما تذكر بعض المصادر، مناحيم دانيال صاحب سوق دانيال المقابل لسوق الشورجة وجامع مرجان ومنطقة تحت التكية. وبرأي المتواضع فإن الارض اقتطعت من  أرض سوق دانيال حالها حال العديد من المحلات والبيوت البغدادية ، لغرض شق وتشييد شارع الرشيد. لاحظ الصورة انه تم استقطاع قطعة الارض من ارض السوق الاساسية بالتصاميم الرسمية للدوائر البلدية ، والذي تكتب عنه الكتب القديمة ان سوق دانيال كان  يربط بين سوقين سوق  دانيال و سوق الشورجة قبل شق شارع الرشيد.

… تعاقد التاجر لطيف عبود مع معماران لتصميم وتشييد عمارة له ،  هما المهندس  المعماري عبد الله احسان وكان استاذ العمارة في جامعة بغداد بالخمسينات والمهندس المعماري رفعت  الجارحي. والاثنان معروفان بعشق الحداثة بالتصاميم مع وجود البصمات التراثية.

قام المهندسان المقاولان بإعداد التصاميم وبعد مباركة  المالك لطيف عبود بدأ تنفيذ العمارة بشق الاساسات. وسميت العمارة باسم مالكها عبود و إلى يومنا يحتفظ البغادة  الاصليين من كبار السن بهذا الاسم (مع ان مالك العمارة عبود تغير اسمه  مرات عدة بقى اسم العمارة عبود.)

أكمل عمال البناء القاعدة وكانت مكعبة الشكل متساوية الابعاد. وبدأوا بالصعود إلى تشييد الطوابق العليا و هي حسب التصميم اسطوانية مدورة. وكان العاملين بأسواق الشورجة  والمارة من البغادة،  ينظرون إلى تقدم العمل والعمارة تصعد طابق بعد طابق كإسطوانة مجوفه بخوف وتوجس خاصة وهم ينظرون الى العمال حين بدأوا يصعدون إلى الأعلى كأنهم يطيرون بالهواء كال سندباد الطائر. وذلك من كثرة قصص الخيال ورحلات السندباد البحري وسيرته الخيالية على بساط الريح. ولان البغادة يؤمنون بالسحر وقراءة الطالع والخيرة ويذهبون الى المله لقراءة المستقبل  والبخت والودع والزواج صدقوا ما ذكره الملالي من خرافات عن العمارة. وكان  من هؤلاء الملالي  كثير في محلات بغداد. لذا بدأء البغادة يؤمنون ان العمارة مسحورة او بها مس من الجن لا محالة لغرابة ذلك التشكيل: قاعدة مكعبة عليها اسطوانة مدورة.

خرافات و حكايات

كان البغادة يتداولون كلام عن علاقة العمارة بالجن …وعن هذه الفكرة بعث لي أخي و صديقي أحمد صاحب برسالة مسج ضمنها  مشاهداته الأولى  لهيكل العمارة بشكلها الحالي بنصفها الاسفل مكعب ونصفها العلوي مدور اسطواني. يقول فيها انه عام  1959 قرر والده   الحاج صاحب الحلي القيام بزيارة اخيه في بغداد، اي عم احمد الحاج عبد الهادي الحلي  الذي كان قد  نزح من الحلة قبل سنتين  وسكن بغداد. وقد إستأجر بيتا يبعد أمتار من  موقع العمارة في منطقة تحت التكية.  وصادف اليوم التالي لزيارتهم،  ذكرى مرور عام على ثورة 14 تموز 1958. ولتلك المناسبة شهد شارع الرشيد انطلاق مظاهرة كبيرة صاخبة لأنصار السلام احتفالا بالثورة مصحوبة بالألوان البراقة والموسيقى الصاخبة التي جلبت انتباه عائلة احمد القادمين من مدينة الحلة . تلك المسيرة التي شارك فيها كل اطياف الشعب العراقي من عمال وفلاحيين وطلبة من كافة المراحل. واستمرت التظاهرة بلا توقف اكثر من 24 ساعة.

..في تلك الفترة كان هيكل  العمارة مكتمل ولم يتبقى  على انتهاء العمل سوى التشطيبات الداخلية من الابواب والشبابيك…ولان المظاهرة كانت حدثا مبهرا فريدا لمن جاء من الحلة وقتها عام 1959.

لانها كانت حاشدة جدا مصحوبة بالأغاني والموسيقى والوان براقة للمتظاهرين ….ذلك الأمر  جلب اهتمام من هم بعمر الشباب اي  احمد واخوانه وأبناء عمومته  كونها حدثا لم يشهدوا مثلها من قبل  وارادوا مشاهدتها.. فتسلق الشباب كافة  من اقارب احمد سوية عبر درجات هيكل البناية وأصبحوا في الطوابق العليا  في مواجهة شارع السمؤال و شارع المصارف وعمارة مصرف الرافدين ويطلون منها على شارع الرشيد..

وبقوا يتفرجون على جموع المتظاهرين موجة بعد موجة دون أن ينتبهوا لمضي الوقت، الذي تأخر عليهم ولكنهم صمدوا. ولكن  عم أحمد حضر الى حيث كانوا يجلسون وطلب منهم بحزم العودة إلى البيت لان الوقت تأخر على الشباب من امثالهم للبقاء خارج البيت. ولم تنفع  توسلاتهم مع أن إصرارهم على البقاء كان قويا. هنا  خرج عليهم عم احمد بتحذير اشبه بالصاعقة واقرب الى الخرافة ، قائلا لهم : انا اخاف عليكم لأنه  ما ان تظلم الدنيا ساعة المغيب ستقوم العمارة المدورة بفعل الجن بالدوران على نفسها وستصيب بالسحر كل من في داخلها من بشر وخاصة في جزءها  الأعلى المدور من الهيكل الذي انتم فيه …. وتبقى تدور  الليل كله حتى الفجر بفعل السحر والجن  ، وسيمسكم مس من الجن وما أن سمع الجميع ….كلمات الجن والسحر….هرول الجميع خوفا من عاقبة السحر والجن…ودوران الجزء الأعلى من العمارة المدورة اساسا ، ونزلوا العمارة  وتوجهوا للبيت للنوم.

صباح اليوم التالي ، والكلام لا يزال لصديقي أحمد… سألنا عمنا هل دارت العمارة …قال طبعا الليل كله تدور حتى بزوغ الشمس. كذا أنهى صديقي واخي احمد صاحب الرسالة

   عمارة عبود بالوثائق

نعود إلى قصة عمارة عبود كما مدون في الويكيميبيا، انه بعد وفاة لطيف عبود بالستينات ، قامت ابنته أدفيش عبود ببيع العمارة الى التاجر هاشم البهبهاني. وهنا بدأ البعض يسمونها عمارة البهبهاني. مع ان الأغلبية  ابقوا على اسمها القديم عمارة عبود. وبعد فترة هاجرت  أدفيش عبود  إلى انكلترا وتوفيت هناك. قام التاجر البهبهاني ببيع   العمارة  إلى الحاج ابراهيم يوسف سعد واولاده . وكان السبب من بيعه للعمارة، لكي يقوم بشراء

عمارة العطور المستقيمة المجاورة إلى تلك العمارة ، وهي تقع بخط مستقيم  باتجاه سير الشارع باتجاه منطقة باب الاغا.

واخيرا وبعد فترة قام  الحاج إبراهيم يوسف سعد ببيع العمارة إلى عبد العزيز الذكير من أهل البصرة. وهنا  أطلق البعض على العمارة اسم عمارة الذكير. وتعود ملكيتها الان الى ورثة عبد العزيز الذكير وهو المالك الاخير لعمارة عبود.

ومن خلال متابعتي لما يكتب عن عمارة عبود لاحظت  أن العديد من الصحفيين والكتاب ومن يكتبون بوسائل التواصل الاجتماعي يقعون بالخطأ الحارثي انهم في  في مقالاتهم يصفونها صح ويطلقون عليها  اسم عمارة الجادرجي او الدامرجي. وهذا التباس كبير يقع فيه  العديد دون وعي منهم ، ذلك   ان من صممها هو المهندس المقاول المعمار  رفعت الجادرجي كما ذكرنا اعلاه وليس اسم العمارة الجادرجي.

… وإنصافا لزملاء المهنة اقول الحقيقة من ان هناك عمارة الجادرجي او الدامرجي   في منطقة قريبة من عمارة عبود في نهاية شارع السمؤال لكنها ليست في شارع الرشيد وليست عمارة عبود المدورة البيضاء بل نهاية شارع السمؤال ، ذلك الشارع المقابل لعمارة عبود ،  وهي ايضا من ستة  طوابق. لكن الغريب ان بعض الاعلاميين يكتب واصفا عمارة الجادرجي  وهو يقصد عمارة عبود  محور نقاشنا ويستخدم صورة عمارة عبود مع مقالاتهم التي تتحدث عن عمارة أخرى اسمها الجادرجي او الدامرجي  .

ماذا عن عمارة عبود هذه الايام ؟..

هنا نصل الى احداث هامة جدا عن عمارة عبود في  القرنين العشرين والحادي والعشرين اي هذه الايام…

لقطة رائعة

اولا…

قام المصور الفوتوغرافي الرائد لطيف العاني بتوثيق جمالية العمارة بلقطة رائعة اسبغ عليها بعدا عميقا لصورة عمارة عبود نهاية الخمسينات ومنذ ذلك التاريخ واللقطة تحظى باهتمام النقاد بالعراق والدول العربية والعواصم العالمية.

ثانيا…

نهاية عام 2019 اصبح كتابي الموسوم (رحلة في ذاكرة شارع الرشيد ) جاهزا للطبع ولفشل لقطة رشحتها انا  كغلاف للكتاب. قام المصور الفوتوغرافي المبدع هيثم فتح الله والذي  طبع الكتاب في مطبعته دار الاديب ، ولتوسمه الابداع الفني بلقطة الرائد لطيف العاني باستخدام صورة المصور الرائد لطيف العاني لعمارة عبود ذاتها ، ووضعها كغلاف للكتاب.

…ومنذ ذلك الحين والكتاب يحصد الانتشار داخليا وخارجيا ، والعديد من النقاد امتدح  جمال الغلاف و حرفية الصورة فوتوغرافيا لعمارة عبود نهاية الخمسينات.

ثالثا ….

في نهاية  شهر شباط  2020 قمت بزيارة مكتبة الكونغرس في واشنطن دي سي العاصمة الأميركية وتم استقبال من قبل مسؤول او مدير   قسم الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى في مكتبة الكونغرس ، د مهند صالحي. وكان لقاءه حارا مرحبا بالخطوة التي أقدمت عليها والمتمثلة بقيامي بإهداء كتابي الموسوم ( رحلة في ذاكرة شارع الرشيد ) الصادر عام 2019 الى مكتبة الكونغرس. وأثناء النقاش قال لي الدكتور صالحي ان القسم الذي نحن فيه يضم لوحده الآلاف الكتب المهداة إلى المكتبة. واخذني بجولة في ارجاءه. وأضاف قائلا لدينا العديد من الكتب التي تتحدث عن بغداد و عن شارع الرشيد  ،كلها قام بتأليفها أجانب زاروا العراق وبغداد وشارع الرشيد او عاشوا فيه لفترة. ولكن كتابك هو أول كتاب مؤلفه عراقي و بغدادي و ولد وتربى حتى الجامعة في شارع الرشيد لذا فأن كتابك مختلف نوعا عن تلك الكتب الاخرى في مكتبة الكونغرس. أي ببساطة فإن كتابك يعتبر ثروة قيمة تضاف إلى رفوف وأرشيف وكتلوك المكتبة. ما قاله اشعرني بالفخر والزهو. وأخذ يقلب صفحات الكتاب وابدى اعجابا كبيرا بصورة غلاف الكتاب والتي هي عمارة عبود وابلغته ان من صورها نهاية الخمسينات  المصور الفوتوغرافي  الرائد لطيف العاني. وامتدح موضوع الكتاب والتصميم  واختيار صورة الغلاف.

وفي تاريخ  4 أذار/ مارس2020  استلمت رسالة تهنئة من المديرة المشرفة العامة على أجنحة المكتبة اخبرتني فيها انه تم استلام هديتك وتم إدخال  كتابي  ضمن كتالوج المكتبة و اعطوني  رقم سحب الكتاب للاستعارة من المكتبة.

وبعد فترة ، تواصلنا عن طريق الإيميل وردا على سؤال لي أجابني :

ان لنا مكتبة في مصر تمثل مكتبة الكونغرس في القاهرة ومن يريد أن يهدي بحوثهم او كتبهم او مخطوطاتهم ما عليهم الا مراسلة مكتبنا الدائم في العاصمة المصرية القاهرة على الإيميل ..

 [email protected]

ولا مانع لدي ، والكلام ل د مهند صالحي ان يذكروا اسمي

(د. مهند صالحي ).

والاتفاق مع المكتب لإرسال كتبهم او بحوثهم او ما يريدون اهدائه لمكتبة الكونغرس.

عمارة عبود

واخيرا في شهر مارس 2021..  دخلت الصورة عمارة عبود كمادة للبحث الاكاديمي في عالم هندسة العمارة وتأثير مثل هكذا عمارات سابقة زمنها الذي ولدت فيه ، على التطور الحضاري لذلك البلد خاصة إذا كان ذلك البلد يملك  ارثا حضاريا معماريا هائلا. اي التصاميم صاحبة  البصمة في تلك البلدان  الحضارية في هندسة عماراتها الحديثة في عواصمها في مرحلتين تحت السيطرة الاستعمارية ومرحلة الاستقلال. واختاروا لبحوثهم عواصم لدول في أفريقيا والشرق الأوسط و جنوب آسيا وتحديدا  عواصم دول مثل : مصر وإيران والعراق ودول آسيوية أخرى سواء أكانت تلك الأنظمة تتبع حكم نهرو في الهند او نكروما في غانا او بهلول في إيران او الهاشميين في العراق…قاموا بالمقارنة بين كل هذه الدول قبل الاستقلال وبعده ونظرته المستحدثة للمستقبل. وتهدف الندوة إلى أن تبحث في تأثير البناء الهندسي ورمزية البناء وربط ذلك كله مع المتغيرات السياسية في تلك الحقبة.

وللخزين التراثي الهائل للعراق قبل وبعد الانتهاء من مرحلة الاستعمار البريطاني و حصوله على استقلاله ، لم يتردد منظموا ندوة عقدت في اهم متحف في لندن العاصمة البريطانية من اختيار عمارة عبود في شارع الرشيد في منطقة الشورجة وسط بغداد،  كعلامة بارزة على التطور الحضاري والتقدم العلمي في هندسة الحداثة بالعمارة في وقت تشييدها بالخمسينات وتأثيرها على هندسة العمارة في العاصمة العراقية بغداد.. الندوة أقامتها هيئة تجمع للمعمارين العالميين مؤسسة فارجام  ، الذي اطلق مبادرة  gather لمعرفة تأثير العمارة على التقدم الحضاري في دول مثل مصر وايران و العراق وغيرها في الشرق الاوسط وأسيا الوسطى…محور النقاش هو : هل تمنح استخدامات الأشكال الهندسية كالأشكال الاسطوانية والمكعبات والمربعات في بناء العمارات بعدا حضاريا للبلد الذي تبنى فيه.  ولان هكذا عمارة متطورة كونها اول عمارة يتم تصميمها خارج المألوف العمراني الهندسي لبناء العمارة في بغداد، لتصبح علامة بارزة ترمز للحداثة في العمارة وغنى البلد الذي تبنى فيه لتضيف له بعدا حضاريا مستحدث على ارث البلد التاريخي الضارب بالقدم. .

ولأجل الترويج للنقاشات العلمية عن تلك الفكرة اختاروا صورة المصور الفوتوغرافي الرائد لطيف العاني لعمارة عبود ووضعتها إدارة الندوة  كبوستر ترويجي للندوة. ووضعت الندوة  ضمن برنامجها السنوي في ندوتين منفصلتين.. الاولى يوم 2 أذار مارس عام 2021 على  احدى قاعات متحف التيت الشهير في لندن العاصمة البريطانية والذي يعود بناءه إلى القرن التسع عشر وكان يطلق عليه بين عام 1897 و 1932 المتحف الوطني البريطاني للفنون ثم بعد ذلك تغير اسمه الى متحف التيت في لندن.

 Tate Museum London

وتضمن منهاج يوم الثلاثاء 2 أذار / مارس دراسة خطط البناء والانجازات في المدن الرئيسية امثال : لاغوس و طهران وبغداد. وركزت على دراسة تأثير التعصب القومي والوطنية السياسية على جوانب الحياة ومنها مجال الاعمار الهندسي.

وكان المتحدثون في الندوة من جامعة كاليفورنيا في أميركا وتحدث عن إيران الحديثة  و جامعة ماجستير في بريطانيا وتحدث عن لاغوس وتقلباتها العمرانية الهندسية نحو الحداثة ، ومن جامعة ماجستير أيضا تحدث أخر عن التغييرات الهائلة للعمارة الهندسية في خطط بغداد للتصميمات الاساسية. وأخر تحدث عن الحداثة في المدن خاصة في موزمبيق وغرب باكستان. وتم تخصيص قسما من الندوة حول التداخل والمزاوجة والتعشق بين الفن والبناء المعماري الهندسي في اوجهها في دول مثل المغرب و الهند و العراق. وكانت مداخلة العراق عن طريق السيد امين الساده وهو باحث معماري مستقل والذي أفاض في امتداد دور رفعت الجادرجي كمهندس المعمار و فنان مبدع في إشاعة  الحداثة في البناء في العاصمة العراقية بغداد.

وبعد اسبوع يوم  9 أذار 2021 عقدت ندوة ثانية مشابهه للأولي  في فرع متحف التيت  شمال انكلترا في مدينة ليفربول..

Tate Museum Liverpool

ونتائج البحثين في الندوتين كانت لصالح عمارة عبود في شارع الرشيد وسط بغداد ، لما تمثله من حضارة عمرانية وتقدم معماري في العاصمة بغداد بالخمسينات مقارنة مع تصاميم أخرى في بلدان اخرى تفوقت عليها عمارة عبود. كل تلك العمارات تمت قياسها بالنسبة الى تصميم عمارة عبود وموقعها في شارع الرشيد قلب بغداد  قياسا الى نظيراتها في دول الشرق الاوسط و جنوب آسيا وافريقيا في مرحلة ما بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية ونيل تلك البلدان استقلالها الذاتي.

ولو ان بوستر الندوة يذكر خطأ ان صورة العمارة في شارع “الشورجة” وهي من مجموعة صور للمصور الفوتوغرافي لطيف العاني.

وبعد استفساري من أخي لطيف العاني تبين أنه  أخبرهم انها في منطقة الشورجة في شارع الرشيد. وقد فشلت محاولاتي لتصحيح الخطأ لأني علمت بالندوتين متأخرا و  اتصلت بعد اسبوعين وكان الاوان قد فات.

ووضع منظموا الندوة تحت صورة  عمارة عبود سطرين بالإنكليزية يجمل فكرتهم للنقاش….

 Cubicles, Vectors, Catalysts

 Envisioning the Modern city.    “ان استخدامات الاشكال الهندسية مثل الاشكال الاسطوانية والمستطيلات والمكعبات في بناء  العمارة في تلك الفترة دليل حضاري لتقدم ذلك البلد وكملمس حضاري لعلاقة مفكري بغداد مع موروثهم الحضاري …..”

وكان منظموا الندوة يتحدثون عن عمارة عبود في وسط شارع الرشيد منتصف بغداد في منطقة الشورجة. فخرا يضاف إلى بغداد المدورة التي بناها المنصور ولشارع الرشيد الذي أخذ اسمه من خليفة بغداد هارون الرشيد.

وتكسب العمارة الامتياز والتفوق على نظيراتها في مصر وإيران و في آسيا وجنوب آسيا الوسطى.

وتوصل المنظمون الى اختيار العمارة ذاتها موضوع بحثنا اي عمارة عبود كمثال بارز يدعم فكرتهم الاساسية…واعتبر المحاضرون في الندوة من جانبهم ان العمارة  تمثل نقلة نوعية في بناء العمارة في  تلكم البلدان بالخمسينات وخاصة لدولة مثل العراق.  وذهب المديح والاطراء كله في مداخلات من حضروا الندوتين من خبراء ومتابعين ومهندسين  الى براعة المهندس المعماري الراحل رفعت الجادرجي لكونه ترك إرثا هائلا لعدة عمارات سكنية  وتجارية والعديد من  البيوت التي صممها ولا تزال شامخة حتى ايامنا هذا وكانت في وقت تشييدها نظرة مستقبلية للتصميم الهندسي والمعماري عن ما هو سائد في تلك الحقبة الزمنية من الخمسينات والتي رسمت واقع الحداثة في العمارة من بغداد الى العالمية .

وهكذا تنتهي حكاياتنا وعمارة عبود لما تزل واقفة بشموخ

ولقد أصاب عمارة عبود  بعض الخدوش العميقة وعوامل الاهمال وسوء استخدام البشر لمحيطها حيث ترمى حولها الازبال والعالم المتحضر يعتبرها رمزا للإبداع الهندسي المعماري، يا لها من مفارقة ومسخرة.

مشاركة