رحلة رجب في بلاد العجب – منهل الهاشمي

رحلة رجب في بلاد العجب  –  منهل الهاشمي

 سادتي الكرام… عمتم صباحاً إِن كان صباحاً ،  أو عمتم مساءً إِن كان مساءً… أنا الشيخ رجب جبتُ أرض الله الواسعة قاصداً بلداً لطالما سمعت عنه الكثير ،  فيقال عنه أنه موئل الحضارات والثروات الطائلات والخيرات ناوياً أن أحطَّ الرحال فيه للسكنى والإقامة. حينما دخلته واذا بي أجد أنَّ الخراب والموت والدمار والحطام.. والحزن والكآبة والقهر والضيم قد خيّموا عليه. فتملّكني العجب والغرابة الشديدين. حالما سرت فيه وإذا بي أسمع صوت أنفجارات مدوية متلاحقة ،  ورأيت بأم عينيَّ عشرات الجثث من الضحايا الشهداء اطفالاً ونساءً وشيباً وشباناً ،  منها من تفحمت ومنها من غدت أشلاء متناثرة ،  ورأيتُ الناس في حيصَ بيصَ من أمرهم وكأنه يوم الحشر ،  فهم يتراكضون يمنة ويسرة هلعين مرعوبين من هول ما حصل ،  وصادفني الآف آخرون وهم يحملون أغراضهم بأيديهم وعلى ظهورهم ،  سمعت بأنهم نازحين ومهجّرين يفرّون مذعورين هائمين على وجوههم لا يلوون على شيء. قلت لنفسي متعجباً بصوت مسموع : عجباً !!… مالي أرى الناس في بلاد السلام والوئام ،  والحضارات والخيرات ،  في قتل وتفجير وتدمير ونزوح وتهجير.. وقد خيّمت على البلاد والعباد رائحة الموت والنار والدمار ؟!!. سمعني أحدهم فأجابني بصوت باكٍ والعَبرَة تخنقه : هو الأرهاب المجرم يا سيدي !!. ضربت كفاً بكف متحيراً ،  وسرت خطواتٍ أُخرْ فأذا بي وقد وجدتني قرب اطفال وصبية وهم يبحثون بلهفة عمّا تبقى من فضلات طعام أو عن علب فارغة لمشروبات غازية يجمعونها من حاويات النفايات والقمامة والشوارع ويضعونها في اكياس كبيرة ،  أَجِلتُ بناظريَّ فوجدت آخرين من أترابِهم في التقاطعات المرورية وهم يبيعون المحارم الورقية والسكائر وقناني المياه ،  أو يمسحون زجاج العربات وسواها من الأعمال البائسة ،  في حين أنّ البعض الآخر منهم كانوا يدورون على العربات يستعطون ويشحذون برفقة نسوة أو رجال مسنّين أو معاقين يتوسلون ويستعطفون بذلّ وهوان شديدين الرائح والغادي من عابري السبيل وراكبي العربات ،  قلت لنفسي مستغرباً : عجباً… مالي أرى الناس وقد أراقت ماء وجوههم من أجل كِسرة خبز ؟!!. سمعني أحدهم فأجاب بمرارة : هو الجوع والعَوَز والفاقة والحرمان يا سيدي !! أجبته وقد تضاعف أستغرابي : كيف ذلك وبلادكم يُقال عنها بلد الخيرات والثروات والعطاء والنماء،  بل هي من أغنى بلدان الله الواسعة ؟!!!. اجابني متألماً : هوَ ذاك يا سيدي ولكنه الفساد المالي والأداري !!. سرت في طريقي وقد تعوّذت وحوّقلت متألماً فأذا بي اجد أناساً يلطمون الصدور ويطّبرون الهامات ويسلخون جلود ظهورهم بضرب الزناجيل جاهشين بالبكاء ،  وعلى مقربة منهم سمعت آخرين يتحدثون بالسوء عن بعضهم واصفيهم بالمرتشين والسارقين والمختلسين.. وآخذي العمولات والإتاوات وعاقدي الصفقات الوهمية !!. قلت لنفسي متعجباً بصوت مسموع : عجباً… مالي أرى بعضهم يفعلون هذا نهاراً ،  وذاكَ ليلاً ؟!!. سمعني أحدهم فأجاب : هو الرياء والنفاق والمداهنة والتدليس يا سيدي !!. وأردف بحرقة : ولتعلمنَّ يا سيدي بأنَّ الكثير منهم هم ساسة ومسؤولون !!!. سألت مستفسراً : وما غايتهم من وراء ذلك ؟!!. فأجابني : التجارة يا سيدي.. التجارة ،  فلقد غدا الدين عند هؤلاء البعض وما أكثرهم سوى تجارة.. وتجارة مربحة جداً ،  فهي السُلّم الذي سيرتقوه درجة فدرجة للوصول لغايتهم بالسلطة والجاه والنفوذ والثروات ،  لذا تراهم مع كل ناعق ينعقون ،  ومع كل ريح يميلون أنّى أتجهت ،  شرقيةً كانت أَم غربية.. يمينية أم يسارية !!!. قلت لنفسي مستغرباً : وما فائدة أن يربح أحدهم الدنيا وما فيها ويخسر نفسه ؟!!. هززت رأسي أسفاً وحيرة وأستمريت سائراً في طريقي،  وأذا بي أجد شاباً بدا عليه الطيش والتهور والعنجهية والصَلَف والبلادة ،  وهو يوبّخ ويعنّف رجلاً وقوراً بعمر والده وقد بدا عليه الهيبة والوقار ونور العلم يشعُّ من وجهه ،  والأول يصفه بالغبي والحمار !! والآخر يجيبه بتسليم تام : حاضر أستاذ. ثم أردف بلهجة عتاب : ولكن لا تنسَ بأني في يوم ما كنتُ أستاذك !!. قلت لنفسي متعجباً بصوت مسموع : عجباً… مالي أرى الجاهل يقود العالِم ؟!!!. سمعني أحدهم فأجاب : هو المال والحال يا سيدي.. قوة الفلوس وضعف النفوس هي من قلبت التلميذ أستاذاً ،  والأستاذ تلميذاً !!. بلغ مني العجب والأستغراب مأخذاً عظيماً لكني رغم ذلك أستمريت أَغُذُّ السير في خطاي ،  فصُعقت وكدت أقع مغشياً عليَّ  لهول ما رأيت ،  فلقد شاهدت بأم عينيَّ جثتين ملقيتين فوق كومة من الأزبال وكلتاهما كانتا مفصولتي الرأس ومقيّدة اليدين وعليهما آثار تعذيب وممثّل بهما. وقد تجمهر الناس حوليهما ،  وسمعت أحدهم يقول بحرقة شديدة بعد أن حوّقل : كلاهما خلّف وراءه أيتاماً جوعى وزوجاتً ثكلى ،  متى ينتهى شلال الدم المجنون هذا وقد غدا بحراً من الدماء لمجرد الأختلاف في الطائفة ؟!!. قلت لنفسي متعجباً بصوت مسموع كالمخبول : عجباً.. مالي أرى جنون السادية وقد تفشى بين الأخوة لمجرد الأختلاف في الطائفة.. أيعقل هذا أم يصدّق ؟!!!. سمعني أحدهم فأجاب : هي ذي وطاويط الطائفية المجنونة يا سيدي التي أمتصت دمائنا مصّاً في الليل والنهار !!. تعوّذت وحوقلت وأحتسبت ثانيةً ،  وأستمريت أسير بطريقي وقد كاد يصيبني الجنون من هذي البلاد العجيبة الغريبة التي لم أرَ لها مثيلاً في كل بلاد الأرض !!. فأذا بي أجد سرادقاً كبيراً منصوباً وقد غصّ بالرجال ،  دفعني الفضول لمعرفة ما يدور فيه فدخلت ،  سمعت الأول يقول للثاني مدافعاً عن نفسه بحرارة : ولكني لست بمذنب أو مسؤول ،  أنا كهربت سور الدار كي أمنع سرقته ،  فالمعتدي والمذنب الحقيقي هو ولدك الذي حاول السطو على داري وتسليبنا !!. أجابه الثاني محتداً بجنون : نعم لكنك قتلته.. لذا فأنا أطالب بالتعويض وإلا فليكن دماً بدم !!!. بعد مساومات طويلة مجهدة مع والده الذي كان يساومه على ولده المقتول (ظلماً وعدواناً) كما يتساومون على أية سلعة ،  سلّمهُ الأول مُكرهاً مبلغاً مهولاً من المال مسلّماً أمره لله !!. قلت لنفسي متعجباً بصوت مسموع : عجباً.. مالي أرى الحق وقد إنقلب باطلاً ،  والباطل إنقلب حقّاً.. فالمتضرر والمُعتدى عليه يدفع تعويضاً للمعتدي ؟!!. سمعني أحدهم فأجاب : هي الأعراف والقوانين العشائرية التي تحكمنا يا سيدي !!. قلت محتداً بصوت عالٍ : والله لَبِئسَ الأعراف والقوانين هي !!. خرجت من السرادق ضارباً كفاً بكف وأكملت سيري فوجدت شُباناً يافعين بعمر الورود يتسكعون في الطرقات على غير هدىً ،  ويتصرفون تصرفات غريبة مؤذية تثير أستياء وأنزعاج كل من صادفهم ،  وسمعت أحدهم يقول لصاحبه : كيف السبيل للخلاص من لعنة المخدرات التي حلّت على أبنائنا !!. التفتُّ للناحية الأخرى فوجدت أقرانهم وأترابهم يجلسون في المقاهي على ناصية الشوارع ،  يدخنون (الأركيلة) ويجترّون ويلوكون همومهم ومشاكلهم على شكل غيمة من الدخان التي عمت المكان ،  وكان يخترقها بين الفينة والأخرى سُعالهم وضحكاتهم المجلجلة المفتعلة كي يتناسوا همومهم وما هم فيه من ضياع !!. قلت لنفسي متعجباً بصوت مسموع : عجباً… مالي أرى شُباناً بعمر الورود وهم يضيّعون أحلى سني عُمِرِهم بغيمة من دخان أو في خَدَرْ ؟!!. سمعني أحدهم فأجاب : هي البطالة يا سيدي وما يتبعها من فراغ وضياع !!. سرت في طريقي هازّاً يدي أستغراباً ،  فوجدت حشداً كبيراً من الجمهور ينصت بأهتمام ،  وأحد الادباء وهو يلقي شعراً يهيم مدحاً بالساسة والمسؤولين ويكاد يذوب بهم  عشقاً !!. التفت احد الحضور لصاحبه وسمعته يقول مندهشاً : أَتسمع ما أسمع… سبحان مغير الأحوال!!… هو الشاعر نفسه من كان بالأمس بأكبر الشتّامين والهجّائين القادحين لهم ،  أنقلب اليوم لأكبر المادحين ؟!!. قلت لنفسي متعجباً بصوت مسموع : عجباً… مالي أرى بعض الأدباء والفنانين وقد أضحَوا مهرجين في سيرك السياسة ؟!!. سمعني أحدهم فأجاب : هي الأنتهازية يا سيدي… دعارة فكرية.. فالمومس تبيع جسدها لمن يدفع أكثر ،  وكذا الحال مع بعض هؤلاء ،  فهم يبيعون قلمهم وضمائرهم وفكرهم وإبداعهم لمن يدفع أكثر… فتراهم يرتقون بالثَرى نحو الثُريا ،  وينحطّون بالثُريا نحو الثَرى… تبَعَاً للدافع والمدفوع !!. تأسفت بشدة لما آل اليه بعض الحال من الفكر والفن والادب ،  وأستأنفت سيري فإذا بي أجد رجال الشرطة (العَسَسْ) وهم ينهالون ضرباً مبرحاً بأعقاب بنادقهم على أحد الكتاب  ويقتادوه ذليلاً مُهاناً شاتميه بأقذع الألفاظ وهم يصرخون بوجهه : بطل ومغوار أنت حتى تنقدنا وتشتمنا بكتاباتك ،  أتظن أنك بذلك ستصلح الكون ؟!!. قلت لنفسي متعجباً بصوت مسموع : عجباً… مالي أرى الحرية في بلاد الحرية والديمقراطية كما أسمع ،  تُداس وتُقمع بالأحذية وأعقاب البنادق ؟!!. سمعني أحدهم فأجاب ضاحكاً بقوة : أية حرية وديمقراطية يا سيدي هَداكَ الله ؟!!.. هي الفوضى بعينها !!. تركتهم وواصلت طريقي فصادفني أحدهم وقد بدت عليه سيماء النباهة والحصافة والهيبة وكِبَر العلم على محيّاه ،  وهو يشكو لصاحبه عسر الحال والمقال رغم كونه كما يقول من الكفاءات والعقول الكبار لضياع فرصة عمل تناسبه وكانت مخصصة له ،  بيدَ إنّ غيره أقتنصها منه ظلماً وعدواناً رغم أفتقاره لأدنى مقومات العلم والشهادة والخبرة والكفاءة !!. قلت لنفسي متعجباً بصوت مسموع : عجباً… مالي أرى العقول والكفاءات وقد هُمشت وغُيّبت ،  والجهالة والغباوة سُيّدت ؟!!. سمعني أحدهم فأجاب : هي الوساطات يا سيدي !!. غادرتهم والغصّة تملأ قلبي وحلقومي ،  فلفت إنتباهي وجود مئات المقرات لعشرات الأحزاب السياسية ،  وكل منها قد توّشحت بيافطات تحمل شعارات الحرية والديمقراطية والعدل والمساواة والقانون والخير والتقوى ،  وكلها قد أجمعت بأنَّ مصلحة البلاد فوق مصلحة العباد !!. ورغم هذا فالخراب يعمُّ البلاد… كل البلاد ،  والفساد والظلم والباطل ينخر فيها نخراً ،  فكنت أسمعه وأراه وألمسه لمس اليد أينما حللت وأرتحلت ووطأت !!!. فقلت لنفسي متعجباً بصوت مسموع : عجباً… مالي أرى كثرة الأحزاب.. وتفشي الخراب.. وطغيان الآلآم والأحزان والعذاب في هذي الأرض اليباب ؟!!!… فهناك عشرات الأحزاب ،  إن لم يكن المئات ،  وكل حزب بما لديهم فرحون فَكِهون ،  تراهم قانعون راضون مرضيون رغم كل ما حل بالبلاد والعباد من قتل وتفجير وتدمير ونزوح وتهجير ،  وجوع وعَوَز وفاقة وحرمان ،  وفساد وبطالة وفوضى وتسيّب دونما رقيب أو حسيب !!!. سمعني أحدهم فأجاب : لا تعجب يا سيدي هي ذي المصالح… فالمصالح تتصالح!!!. تمزق داخلي وأنا أجرّ رجليَّ جرّاً أحثُّ الخطى وقد أصبت بالأعياء وكاد يغمى عليَّ من هول ما رأيت وسمعت ،  فإذا بي أرى جمهرة كبيرة من الناس تتدافع امام إحدى الأبنية الحكومية بالمناكب والأكتاف والأيدي يُغالب كل منهم الآخر ليسبقه !!. قلت لنفسي متعجباً بصوت مسموع : عجباً… مالي أرى الناس ونحن في الألفية الثالثة بدل الوقوف بالطابور حسب النظام كما يفعل كل خلق الله في كل بلاده حتى المتخلفة والبدائية منها ،  تراهم يتدافعون بالمناكب والأيدي كالدواب… وإنَّ شرَّ الدواب عند الله الصُّم البُكم الذين لا يعقلون !!!. سمعني أحدهم فأجاب : هو التخلف والهمجية يا سيدي !!. سألته وقد غلبني الذهول : وكيف ذلك وقد سمعت بأَنَّ لهذي البلاد ستة الآف أعوامٍ من الحضارة وأنكم أول من علّمَ الناس القراءة والكتابة ،  بيدَ إني بعد كل ما رأيت وسمعت ،  لأراكم والله قوماً تجهلون !!!. فضحك وهو يقول : هي ذي الأزدواجية التي نحياها يومياً يا سيدي… أزدوجية القول والفعل !!!. عدت لأقول له معاتباً : لطالما سمعت عن بلادكم بأنها بلد السلام والوئام.. والخيرات والثروات.. والعلم والعلماء.. فما عدا ممّا بدا ؟!!. أجابني بثقة : ها أنتذا يا سيدي قد قلت بنفسك بأنك (سمعت)… وأنت سيد العارفين بأنَّ ما بين الحق والباطل أربع أصابع !!.. والآن بعدما (رأيت) فما قولك ؟!!. أجبت بخيبة أمل شديدة المرارة : ليتني بقيت على سمعي دون رؤيتي !!… عجيب غريب أمر هذي البلاد والعباد !!. ثمَّ أردفت متسائلاً : هلاّ أخبرتني بأسمها.. فأنا للآن أجهله ؟!!. أجابني ضاحكاً : هو ذاك أسمها ما قلته دون أن تعلم (ولاية عَجَبْ) !!!. قلت له بمرارة : إنها والله لتذكرني بـ(ولاية بطيخ) التي لطالما سمعنا عنها وسخرنا منها !!. أجابني ضاحكاً بقوة أكبر ومؤكداً : لا يا سيدي إسمح لي بالقول.. أنت واهم ومخطئ ،  فحتى في (ولاية بطيخ) قد تجد هناك شيئاً (حلواً) ،  أما في ولايتنا فلن تجد سوى العَجَب !!. أجبته شارد الذهن متأملاً ما مرَّ بي : عَجَب وأي عَجَب… هو العَجَب العُجاب !!!. وعدت لأسأله ثانيةً : أَلها مسمّىً آخر ؟!. أجابني نعم أسمها (العراق)… لكن التسمية الأقرب هي (بلاد ما بين ” النارين ” ) !!. فكرت ملياً بالأسم : العراق.. العراق..!! فأستدركت متسائلاً بعد أن تذكرت شيئاً مهماً : ذلك العراق.. أَلمْ يقل فيه شاعركم الكبير واصفاً إياه : الشمس أجمل في بلادي من سواها… والظلام.. حتى الظلام هناك أجمل فهو يحتضن العراق ؟!!. أجاب مؤكداً : هو ذاك يا سيدي !!. قلت له متعجباً مستغرباً: أَفتراه عن أي شمس كان يتحدث ؟!.. أَعنْ شمس الحرية والعدالة والمساواة.. أم عن شمس الحق والخير والجمال.. أم عن شمس الفرح والبهجة والسعادة.. أم تراه كان يتحدث عن شمس تموز وآب     اللهّاب !!!… وعن أي ظلام كان يتحدث ؟!!.. أَعنْ ظلام الموت والعدم والدمار والجثث المتفحمة.. أم عن ظلام الظلم والطغيان ،  وسواد الحزن والآلآم والعذابات.. أم عن ظلام الجوع والعوز والفاقة والحرمان والذل والهوان.. أم عن ظلام الجهل والتخلف والطائفية والفساد والرياء والتدليس والأزدواجية والتناقض.. أم تراه كان يتحدث عن الظلام الدامس الحالك لأنقطاع التيار الكهربائي !!!. ضحك بقوة وهو يقول : لعلها كانت شطحات شاعر مُغرق بالخيال والرومانسية والعواطف والتفاؤل.. فكما تعلم يا سيدي بأنَّ الشعر أَعْذَبُه.. أَكْذَبُه !!!. قلت لنفسي بمرارة كالحنظل : وأنا الذي نويت الأقامة فيها والسكنى في البلاد الحُلم !!. وغرقت في لُجّة همّي وتفكيري ،  بيدَ أنه إنتشلني من بحر الهموم والأوجاع بقوله : يبدو يا سيدي الجليل من مَحيّاك إنك شيخ كريم نبيل ،  ومن الواضح إنك جئت لمكان غير مكانك.. وزمان غير زمانك ،  فإذا أردت أن تعيش بيننا وُجِبَ عليك التطبّع بطباعنا ،  والتخلّق بأخلاقنا ،  وتسير سيرتنا… لتحيا حياتنا… وتموت مماتنا…. فحتى تكون على صواب يجب أن تحيا في مجتمع يقوم على الصواب ، أما إذا كنت تحيا في مجتمع يقوم على الخطأ،  وكنتَ بينهم على صواب فستكون بنظرهم خاطيء ونشاز،   فما عليك والحال هذه إلا أن تكون مثلهم على خطأ حتى تكون بنظرهم على صواب… صدقني يا سيدي الكريم هكذا تُفلسف الأمور… فما أنت قائل ؟!!!. أطرقت مفكراً متحيراً بقوله …… وللآن ما زلت أفـــكر متحيراً.

مشاركة