رحلة البشر إلى المريخ ممكنة تقنياً من دون أي موعد في الأفق

386

واشنطن‭-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬في‭ ‬11‭ ‬أيار‭/‬مايو‭ ‬1990،‭ ‬أعلن‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬جورج‭ ‬بوش‭ ‬الأب‭ ‬أن‭ ‬الحدود‭ ‬المقبلة‭ ‬لاستكشاف‭ ‬الفضاء‭ ‬ستكون‭ ‬إرسال‭ ‬البشر‭ ‬إلى‭ ‬المريخ‭ ‬قبل‭ ‬20‭ ‬تموز‭/‬يوليو‭ ‬2019،‭ ‬الذكرى‭ ‬الخمسون‭ ‬لأول‭ ‬خطوة‭ ‬خطاها‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬القمر‭.‬

هذا‭ ‬الالتزام‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬فيما‭ ‬لم‭ ‬تفض‭ ‬وعود‭ ‬مماثلة‭ ‬قطعها‭ ‬ثلاثة‭ ‬رؤساء‭ ‬خلفوه‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬هم‭ ‬جورج‭ ‬بوش‭ ‬الابن‭ ‬وباراك‭ ‬أوباما‭ ‬ودونالد‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬برنامج‭ ‬ملموس‭ ‬ما‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬مفارقة‭ ‬في‭ ‬غزو‭ ‬الانسان‭ ‬للكوكب‭ ‬الأحمر‭ ‬الذي‭ ‬يقال‭ ‬إنه‭ ‬ممكن‭ ‬لكنه‭ ‬يؤجل‭ ‬باستمرار‭ ‬فيما‭ ‬ترسل‭ ‬روبوتات‭ ‬أقل‭ ‬كلفة‭ ‬وخطورة‭.‬

وقال‭ ‬سكوت‭ ‬هوبارد‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬ستانفورد‭ ‬والموظف‭ ‬السابق‭ ‬في‭ ‬وكالة‭ ‬الفضاء‭ ‬الأميركية‭ (‬ناسا‭) “‬حضرت‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭ ‬عرض‭ ‬حول‭ ‬طريقة‭ ‬إرسال‭ ‬البشر‭ ‬إلى‭ ‬المريخ‭. ‬لكن‭ ‬منذ‭ ‬كينيدي‭ ‬لم‭ ‬يخصص‭ ‬أي‭ ‬مسؤول‭ ‬الأموال‭ ‬المناسبة‭ ‬لذلك‭”.‬

ويجمع‭ ‬الخبراء‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬تم‭ ‬تقريبا‭ ‬حل‭ ‬التحديات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬والصحية‭ ‬لمهمة‭ ‬كهذه‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭ ‬سنتين‭ ‬إلى‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭. ‬وتحتاج‭ ‬عملية‭ ‬الإطلاق‭ ‬إلى‭ ‬صاروخ‭ ‬بالغ‭ ‬القوة‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬تمرست‭ ‬به‭ ‬الناسا‭ ‬منذ‭ ‬الستينات‭. ‬واليوم‭ ‬تصنع‭ ‬شركات‭ ‬خاصة‭ ‬مثل‭ “‬سبايس‭ ‬اكس‭” ‬التي‭ ‬يملكها‭ ‬إلون‭ ‬ماسك‭ ‬و‭”‬بلو‭ ‬أوريجن‭” ‬العائدة‭ ‬لمالك‭ ‬أمازون‭ ‬جيف‭ ‬بيزوس،‭ ‬صواريخ‭ ‬ثقيلة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬عشرات‭ ‬الأطنان‭ ‬إلى‭ ‬الكوكب‭ ‬الأحمر‭.‬

  ‬مسافة‭ ‬بعيدة‭ ‬

وطمأنت‭ ‬الإقامة‭ ‬في‭ ‬محطة‭ ‬الفضاء‭ ‬الدولية‭ ‬منذ‭ ‬عشرين‭ ‬عاما‭ ‬العلماء‭ ‬إلى‭ ‬المخاطر‭ ‬المحتملة‭ ‬للتعرض‭ ‬للاشعاعات‭ ‬وانعدام‭ ‬الجاذبية‭ ‬مثل‭ ‬ضمور‭ ‬العضلات،‭ ‬خلال‭ ‬الرحلة‭ ‬التي‭ ‬تستغرق‭ ‬سبعة‭ ‬أشهر‭. ‬وتظهر‭ ‬الأبحاث‭ ‬أن‭ ‬جسم‭ ‬الانسان‭ ‬يتأثر‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الخطر‭ ‬مقبول‭.‬

لكن‭ ‬تبقى‭ ‬الإقامة‭ ‬على‭ ‬المريخ‭ ‬التي‭ ‬ستستمر‭ ‬حوالى‭ ‬15‭ ‬شهرا‭ ‬بانتظار‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬الكوكبان‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬الشمس‭. ‬فمتوسط‭ ‬الحرارة‭ ‬على‭ ‬المريخ‭ ‬63‭ ‬درجة‭ ‬مئوية‭ ‬تحت‭ ‬الصفر‭ ‬والإشعاعات‭ ‬عالية‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬صنع‭ ‬البزات‭ ‬والملاجئ‭ ‬الواقية‭.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬حصول‭ ‬حالة‭ ‬طوارئ‭ ‬طبية‭ ‬سيستحيل‭ ‬إجراء‭ ‬عملية‭ ‬إجلاء‭ ‬بسبب‭ ‬المسافة‭ ‬الطويلة‭.‬

ما‭ ‬هي‭ ‬المشاكل‭ ‬الصحية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تعتري‭ ‬رواد‭ ‬الفضاء؟‭ ‬يقول‭ ‬دان‭ ‬باكلاند‭ ‬المهندس‭ ‬وطبيب‭ ‬الطوارئ‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬ديوك‭ ‬إنهم‭ ‬قد‭ ‬يصابون‭ ‬بكسور‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬غالبية‭ ‬الأحيان‭ ‬كان‭ ‬يكون‭ ‬وضع‭ ‬الجص‭ ‬كافيا‭. ‬وهو‭ ‬يطور‭ ‬إبرة‭ ‬آلية‭ ‬تحقن‭ ‬في‭ ‬الأوردة‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬الناسا‭. ‬ويمكن‭ ‬معالجة‭ ‬الإسهال‭ ‬والحصى‭ ‬في‭ ‬الكلى‭ ‬والزائدة‭ ‬الدودية‭ ‬عادة‭ ‬باستثناء‭ ‬30‭ % ‬من‭ ‬حالات‭ ‬الزائدة‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬جراحية‭ ‬ويمكن‭ ‬تاليا‭ ‬أن‭ ‬تودي‭ ‬بحياة‭ ‬المريض‭.‬

ومع‭ ‬فحوصات‭ ‬معمقة‭ ‬جدا‭ ‬يمكن‭ ‬خفض‭ ‬احتمال‭ ‬ظهور‭ ‬السرطان‭ ‬وتفاقمه‭ ‬في‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يقول‭ ‬دان‭ ‬باكلاند‭ ‬مشددا‭ “‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬عائق‭ ‬طبي‭ ‬مطلق‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬المريخ‭”.‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمساكن‭ ‬والآليات‭ ‬فتكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬منع‭ ‬الغبار‭ ‬من‭ ‬الدخول‭. ‬ويقول‭ ‬روبرت‭ ‬هاورد‭ ‬من‭ ‬مركز‭ ‬جونسون‭ ‬التابع‭ ‬للناسا‭ “‬يعاني‭ ‬المريخ‭ ‬من‭ ‬مشكلة‭ ‬العواصف‭ ‬الغبارية‭”. ‬ويمكن‭ ‬لهذه‭ ‬العواصف‭ ‬العاتية‭ ‬ان‭ ‬تحجب‭ ‬الشمس‭ ‬مدة‭ ‬أشهر‭ ‬وبالتالي‭ ‬تعطيل‭ ‬عمل‭ ‬الألواح‭ ‬الشمسية‭.‬

ويحتاج‭ ‬الرواد‭ ‬تاليا‭ ‬إلى‭ ‬مفاعلات‭ ‬نووية‭ ‬صغيرة‭. ‬في‭ ‬العام‭ ‬2018‭ ‬نجحت‭ ‬الناسا‭ ‬ووزارة‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬مشروع‭ ‬سمي‭ “‬كيلوباوير‭ ‬بروجيكت‭”.‬

وعلى‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬يهدف‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭ ‬مواد‭ ‬على‭ ‬المريخ‭ ‬بفضل‭ ‬الموارد‭ ‬المنجمية‭ ‬على‭ ‬الأرجح‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬الطباعة‭ ‬الثلاثية‭ ‬الأبعاد‭.‬

والتطور‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الصعيد‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬بداياته‭ ‬وسيشكل‭ ‬برنامج‭ “‬ارتيميس‭ “‬القمري‭ ‬الأميركي‭ ‬تجربة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭.‬

ويدعو‭ ‬إلون‭ ‬ماسك‭ ‬إلى‭ ‬استيطان‭ ‬المريخ‭ ‬مع‭ ‬مهمة‭ ‬أولى‭ ‬لبناء‭ ‬مصنع‭ ‬اكسجين‭ ‬ووقود‭ (‬ميثان‭) ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬مياه‭ ‬المريخ‭ ‬وثاني‭ ‬اكسيد‭ ‬الكربون‭ ‬من‭ ‬الجو‭.‬

وقال‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2017‭ “‬أن‭ ‬نصبح‭ ‬كائنات‭ ‬متعددة‭ ‬الكواكب‭ ‬مختلف‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬كائنات‭ ‬بكوكب‭ ‬واحد‭”‬

ويروج‭ ‬رئيس‭ ‬جمعية‭ “‬مارس‭ ‬سوساييتي‭” ‬روبرت‭ ‬زوبرين‭ ‬لإقامة‭ “‬فرع‭ ‬جديد‭ ‬للبشرية‭” ‬على‭ ‬الكوكب‭ ‬الأحمر‭ ‬ويرى‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬المعيب‭ ‬ألا‭ ‬تكون‭ ‬البشرية‭ ‬تقدمت‭ ‬أي‭ ‬خطوة‭ ‬منذ‭ ‬هبطت‭ ‬للمرة‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬القمر‭ ‬في‭ ‬1972‭.‬

في‭ ‬المقابل‭ ‬يقول‭ ‬عالم‭ ‬الأحياء‭ ‬الوجودية‭ ‬ميشال‭ ‬فيزو‭ “‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نوقف‭ ‬هذه‭ ‬الحماقات‭! ‬لدينا‭ ‬كوكب‭ ‬رائع‭ ‬مع‭ ‬غلاف‭ ‬جوي‭ ‬واكسجين‭ ‬ومياه‭ (..) ‬ولا‭ ‬يحق‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬للناس‭ ‬إن‭ ‬ثمة‭ +‬خطة‭ ‬بديلة‭+ ‬أو‭ +‬كوكب‭ ‬بديل‭+ ‬وأننا‭ ‬سنؤسس‭ ‬حضارة‭ ‬مريخية‭”.‬

ويقول‭ ‬دان‭ ‬باكلاند‭ ‬أن‭ ‬العائق‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬إقامة‭ ‬مستوطنة‭ ‬بشرية‭ ‬أو‭ ‬قواعد‭ ‬دائمة‭ ‬هو‭ ‬اقناع‭ ‬الشعوب‭ ‬والمسؤولين‭ ‬بقبول‭ ‬مستوى‭ ‬خطر‭ ‬أعلى‭ ‬مما‭ ‬هي‭ ‬الحال‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬القمر‭ ‬أو‭ ‬محطة‭ ‬الفضاء‭ ‬الدولية‭. ‬فعلى‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬لن‭ ‬يعود‭ ‬الجميع‭ ‬من‭ ‬المريخ‭ ‬إلى‭ ‬الأرض‭.‬

مشاركة