رحلة إلى المغرب – نصوص – خالد ساحلي
كانت ليلة بيضاء ونحن نحزم أمتعتنا للسفر غداً إلى الدار البيضاء، كان القلق باديا ثالثتنا يشغل أوقاتنا ويزاحمنا، نراجع أوراقنا ونؤكد على الوثائق حتى لا ننساها في ظل هذا الضغط الخانق؛ احمد نبراس ومحمد بهاء ناما بعدما سهرا معنا إلى منتصف الليل فالإعياء نال منهما فاستسلما منهزمين للنعاس . وجدتني اخلد معهما للنوم على أمل استرجاع بعض اللياقة التي احتاجها للغد والتي أضعتها في النهار، أحتاج إلى طاقة زائدة بخاصة حين أكون بحاجة لاستغلالها في الوقوف والمشي والحمل وفي سياقة السيارة لمسافة تزيد عن 600 كلم في ظل طريق وطني فاسد يتطلب السير فيه كثيراً من الحذر بسبب ما حصده من أرواح، هذا الطريق الذي قيل عنه مشروع القرن وصرفت عليه الأموال الكثيرة التي وحدها كانت كافية لتبني دولة بكل مؤسساتها من جديد.
استيقظت باكرا وقد أخذت قسطا من الراحة لم تتعد الثلاث ساعات نوما غافيا، كانت الزوجة قد طهت لنا كسيرة وحليب وأحضرت لي كوبا من القهوة ، قالت لي أنها لم تكحل عينها بالنوم وأنها عادة بالنسبة لها حين تكون مسافرة، وقالت إنها تحب النوم في السيارة، وقالت أيضا أنها ستوقظ الأطفال وتجهزهم بينما أخرج السيارة من الكراج واحمّيها.
كانت الساعة الرابعة صباحا حين أيقظت أمي وأبي وودعتهما بخير وقد أعطتني سروال جينز جديدا ازرق اللون غالي الثمن من بين ملابس أخي الذي اشترى منها الكثير، هن الأمهات يقلقن على أبنائهن صغارا وكبارا قبّلت احمد ومحمد ودعت لنا جميعا بالخير والبركة.
ركبنا السيارة وأشعلت هاتفي المحموّل بالقرآن المجيد ورحنا نستمع جميعنا للصوت الرخيم مزمار من مزامير داوود . هاتفت زوج أختي لاصطحبه معي إلى العاصمة كان فطنا ينتظرنا.
انطلقت السيارة متوكلا على الله ، الوجهة مطار هواري بومدين … في الطريق… بعد الطريق…
وصلنا المطار كانت الساعة التاسعة بعد كفاح كبير مع الحفر الكبيرة ومع الازدحام دخلنا المطار وأودعت زوج أختي عيسى السيارة وبدأ نبراس وبهاء بالركض داخل المطار قالت الزوجة إنها ستلتقي زميلتها وأولادها وبأني سأتعرف ويتعرف زوج زميلتها علي، أخذنا مقاعد الانتظار وأخرجت زوجتي الماء وقليلا من الفاكهة للأولاد بينما رحت اسأل عن الرحلة وعن مكتب التسجيل والأمتعة والوقت الذي يبدأ فيه الديباركومون …
انتظرنا ساعة لحقت بنا زميلة الزوجة ثم التحقت أستاذة أخرى وقالت أنها على نفس le vole … تمت الإجراءات الروتينية من تفتيش وتدقيق للوثائق وكانت الطائرة قد فتحت أبوابها للمسافرين عبر الممر المتحرك ، اتجهنا صوب الباب وكان نبراس وبهاء فرحين للغاية ، بهاء المشاكس يغني أغنية حفظها من عمه ” الجزائر يا مّا ، للجيري” وصلنا باب الدخول كانت مضيافتان جميلتان تستقبلان الركّاب كانت إحداهما بلون اسمر جذاب البسمة على شفتيها: ” أهلا بك سيدي تفضل ومرحبا ، أهلا بك لالة” مخاطبة الزوجة.
رحنا في الطائرة نبحث عن أرقام مقاعدنا المحجوزة ، أخذ كل واحد مكانه كان بهاء إلى جانبي وبالجهة الأخرى كان شاب مغربي ابتسم لبهاء بعدما فتح له لوحة الشاشة وبرمج له فيلم رسوم متحركة مخاطبا إياه ” أنت جزايري وإلا مرُوكي” كان لبقا معه وصبورا قبل إقلاع الطائرة وعند اقلاعها.
انشغل الشاب بإحدى الجزائريات التي كانت عنصرا من الفريق المتوجه إلى المغرب في منافسة رياضية ، كانت مع زميلاتها و كلهن بلباس رياضي علمت بذلك من خلال المدرب ومساعدته الذين كانا خلفنا وكانت تمازح بهاء حين طلبت منه أن يعطيها انفه لتأكله على حد قولها كانت المسافة التي تستغرقها الرحلة ساعة ونصف بين بلديين شقيقين تربط شعبيهما علاقة أخوة.
لا زال الشاب المغربي يمازح بهاء ” أنت مغربي وإلا جزائري” ويهتم لأمر الفتاة ، بدأ حوار خفيف بين الشاب والرياضية لم أكن استرق السمع يعلم الله أني كما يقول المصريون طنشت لكن المسافة قريبة جدا، خرج الصوت من مكبر الصوت أهلا بكم دخلنا المجال الجوي المغربي…
كان الجو ماطرا وكان الضغط يزداد على الآذان ومن ساعة إلى أخرى أنظر في بعض الوجوه فأرى الخوف باديا عليها، وجوه مصفرة وقلوب مرتعدة وأحيانا أصواتا مرتفعة ، كثيرون كانوا يضعون سماعات البلوثوث في آذانهم يستمعون إلى الموسيقى متجنبين الألم الذي يحدثه الضغط الجوي في الطائرة على الآذان؛ كان نبراس ينظر إلى الأرض والمدن تبدو له كمثل علب الكبريت، كان فرحا للغاية أما محمد بهاء فقد كان منشغلا معي ومع الشاب المغربي والمدربة الجزائرية التي راحت كل زمن الرحلة و هي تطلب منه منحها أنفه وهو يتدلل عليها و على الجميع ومرات كثيرة منزعجا متضايقا من حزام الأمان الذي كان يشّده بقوة والذي طُلب منا وشدد علينا وضعه لأننا سنهبط في مطار محمد السادس بعد دقائق.
أخذت الطائرة مسارها للهبوط فتحت عجلاتها لتلامس الأرض ويحدث قليل من الارتجاج وبدأت المكابح تعمل وقد أصيبت بعض السيدات كما السادة بالخوف يا للطبيعة البشر الذين يحرصون على الحياة، أحطت محمد بهاء بذراعي حتى لا يشعر بشيء و بالفعل كان مبتهجا فرحا و أنا أقول له من ستلاكم وهو يرد عليّ مبتسما :
ــ ” ألاكم بدر هاري”
ــ تغلبه أم يغلبك ؟
فيرد : ” أغلبه”.
تناقصت سرعة الطائرة شيئا فشيئا إلى أن توقفت و بدأ الجميع يخرج أغراضه ويتأهب للنزول و فـتح باب الطائرة الكل مبتهج، سمعنا قائد الطائرة أو مساعده و كان صوت إمرأة شديد الرقة يخرج مكبر الصوت وبأربع لغات تكرر:
” نزلنا بحمد الله بكل سلامة أهلا بكم في المملكة المغربية نحن الآن في مطار محمد السادس بالدار البيضاء الساعة الآن الخامسة مساء نتمنى لكم إقامة طيبة ” . بدأ المسافرون في الخروج كنا نشغل الوسط من الطائرة في سلسلة بشرية منتظرين من هم في الأمام لينفضوا ثم نلحق بهم .
المدربة الجزائرية هذه المرة قبّلت محمد بهاء وكنت احمله باليد اليمين و حقيبة صغيرة بالشمال ، كان مدرب فريق كرة اليد الجزائري يحدثني بفرنسية طليقة بعدما سألته من سيواجه وأي دور وقال لي بأنها تصفيات البطولة الإفريقية للنساء وتمنيت له حظا موفقا وللمدربة أيضا.
وأنا أتقدم ببطء إلى باب الخروج وفي الممر حيث يفترق إلى آخر ابتسم المضيف والمضيفة السمراء الجميلة التي استقبلتنا أول مرة وقبّلت محمد بهاء و مسح المضيف على رأسه وقال للمضيفة أن هناك شبهاً بينه وبين ابنه. كانت الابتسامة بادية على الوجوه ونحن جميعنا ننزل من على السلم المحمول باتجاه الحافلة التي تنتظرنا أما أحمد نبراس كان سعيدا و لو أنه كان مندهشا من المشهد الذي يراه لأول مرة، صعدنا الحافلة وقوفا وكانت فتاة افريقية إلى جانبي تتكلم مع صديقها بالاسبانية وتكثر في الكلام . المطار يبعد عنا مسافة ميل أو ما يقارب، كان الجو قد تغير و زخات المطر بدأت تسقط وها هي الحافلة تتوقف أمام المدخل الرئيسي للمطار وانفض الجميع متوجهين إلى مكاتب شرطة المطار للتوقيع على الجواز وإجراءات إدارية أخرى.
دخلنا مهرولين على عجل للتصديق على أوراقنا وعلى الجوازات من طرف شرطة الحدود ، ملأت بطاقة معلومات بما تعلق من لقب و اسم و تاريخ الميلاد ورقم جواز السفر وغيرها من المعلومات الروتينية و عن طبيعة الزيارة ، ثم توجهت إلى شباك بعدما تركت الأولاد في عهدة أمهم وقد انتظرنا أكثر من نصف ساعة وكان خط من المسافرين ثم لحقت الزوجة بالممر تمسك بنبراس و بهاء إلا أن انتبهت إحدى السيدات لي فأشارت لي بيدها فيما بعد أن تقدم لأن في صحبتي ولدين وبذلك لي الأفضلية في المرور ، كانت السيدة بصحبة رفيقها العجوز كان يمازحها وكانت صديقة أخرى برفقتهما بسروال الجينز تحمل في يدها حقيبة بنية ونظرات طبية في عينيها ، كانوا من إحدى الدول السلوفينية عرفت ذلك من خلال لكنتهم ، شكرتها إلا أن السيدة تمادت في إشارتها بأن تقدم لا تستحي ونظر فيها الجميع فعلموا ما تقصده لأن اللافتة تؤكد ذلك، اعتذرت من الجميع و تقدمت وقدّمت جوازات السفر وأجبت عن بعض الأسئلة وأخذت الجوازات لأنتقل إلى المرحلة الثانية من العمل التفتيشي الروتيني المعمول به في كل مطارات العالم، دقق الشرطي الآخر في الجوازات ثم كان مرورنا بعد ذلك ونحن ننزل إلى الصالة الكبيرة حيث حقائبنا كان السلم الكهربائي قد أبهج نبراس حملته ووقفت به بينما زوجتي حملت بهاء، كان فرحا للغاية، أخذنا حقائبنا بعد التأكد من أسمائنا عليها ثم توجهت مباشرة حيث مكتب الصرف الذي كان أمامي، وقدمت له ورقة من اليورو ليعطيني مقابلها دراهم وانطلقنا مسرعين إلى المخرج الجهة الغربية حيث محطة القطار، ابتعت تذاكر ورحت اسحب الحقيبة التي كانت بعجلات ونبراس بيدي الشمال منتظرين جميعنا القطار الذي سيمضي بنا إلى الدار البيضاء وبالتحديد إلى محطة casa voyageurs …
{ كاتب وروائي من الجزائر


















