رجال عائدون من ليبيا يشجعون التمرد في مالي

930

رجال عائدون من ليبيا يشجعون التمرد في مالي
دكار ــ كيدال »مالي« ــ »رويترز« ــ اجتاح متمردون يقودهم رجال الطوارق بلدة اجويلهوك في شمال مالي بعد مهاجمتها الشهر الماضي بأسلحة ثقيلة من الترسانات المنهوبة من الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي. وزاد المقاتلون الذين اكسبهم القتال في ليبيا صلابة اعداد المتمردين الصحراويين الذين طوقوا خلال هجومهم في 18 يناير/كانون الثاني قاعدة الجيش المحلي بمركبات رباعية الدفع مثبت عليها اسلحة آلية. ودمروا منشآت الاتصالات الخاصة بالجيش وكذلك ابراج الهاتف المحمول واطلقوا وابلا من قذائف المورتر.
وبعد ان قطعوا امدادات المياه ونصبوا كمائن لقوافل الامدادات عادوا بعد اسبوع ليجتاحوا القاعدة.
وقال جندي حكومي مالي شارك في القتال لرويترز شريطة عدم الكشف عن اسمه “يتميزون بأنهم اكثر عددا وافضل عتادا وامكانات تتعلق بالنقل والامداد والتموين بما في ذلك الهواتف المتصلة بالاقمار الصناعية”. “انها حقيقة مرة”.
ومع اقتراب الذكري السنوية الاولي للانتفاضة ضد القذافي تدفع مالي ودول اخري الي الجنوب ثمن ثورة قام بها معارضون ليبيون بدعم من الغرب. ويزيد تدفق الاسلحة والمقاتلين من ليبيا من حالة عدم الاستقرار في انحاء غرب افريقيا التي نشأت من عدة مسببات ابتداء من اسلاميي بوكو حرام الذين يقفون وراء موجة من التفجيرات القاتلة في نيجيريا الي حلفاء تنظيم القاعدة الذين يستهدفون غربيين وقوات مسلحة في دول الساحل التي تمتمد شمالا حتي موريتانيا.
وليس التمرد غريبا علي مالي. فهذا هو رابع تمرد يقوده بدو الطوارق الذين يسكنون شمال البلاد منذ الانفصال عن فرنسا عام 1960 .ولم ينته آخر تمرد الا في 2008.
لكن الجندي المالي يقول ان ترسانة المتمردين المعممين تضم هذه المرة صواريخ اس.ايه 7 واس.ايه 24 ونظام صواريخ ميلان المحمولة.
وبدلا من الاختفاء مرة اخري في الصحراء بعد الهجوم شجعتهم قوة النيران الجديدة علي مهاجمة الجيش علي ثلاث جبهات ومقاومة طائرات الهليكوبتر الحربية.
وقال مسؤول بوزارة الدفاع المالية طلب عدم نشر اسمه ان المتمردين مجهزون “مثل الجيش الليبي تماما” بعتاد مثل الرشاشات الثقيلة علي المركبات رباعية الدفاع والصواريخ المضادة للدبابات والطائرات بالاضافة الي الاسلحة الخفيفة.
وقال جيريمي كينان وهو خبير في شؤون الصحراء يدرس الطوارق منذ فترة طويلة “في مرات التمرد الاخري كانوا قليلي العتاد”.
وقال عن الحركة الوطنية لتحرير ازواد “هؤلاء الرجال العائدون من ليبيا معهم اسلحة ثقيلة ويعرفون كيف يستخدمونها”.
وازواد هو الاسم الذي يطلقه المتمردون علي وطنهم الذين يريدون تأسيسه من ثلاثة اقاليم في شمال مالي. وهذا هو احدث تحد امني لحكومة مالية مقرها باماكو التي تبعد 1500 كيلومتر والتي فشلت بالفعل في منع حلفاء تنظيم القاعدة من زرع انفسهم في مناطق من الشمال النائي واستخدامه قاعدة لاحتجاز رهائن غربيين. ومنذ اندلاع القتال في مالي في منتصف يناير كانون الثاني ترد انباء عن مقتل عشرات الاشخاص من الجانبين وفر ما لا يقل عن 60 الف مدني من منازلهم في منطقة بالساحل تواجه بالفعل ازمة انسانية من احدث موجة جفاف تضربها. وتوقف التدريب علي مكافحة الارهاب والتعاون بين الحكومة المالية وحلفاء رئيسيين مثل الولايات المتحدة والجزائر. وقد يجبر القتال ايضا مالي علي تأجيل انتخابات مقررة في 29 ابريل/نيسان. وتتهم باماكو الجبهة الوطنية لتحرير ازواد بالانضمام الي تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الاسلامي وهو جناح القاعدة في شمال افريقيا في هجوم اجويلهوك. وقال عدة جنود شاركوا في الهجوم انهم واجهوا جنودا ملتحين يرتدون زيا يشبه الزي الافغاني. وقال ساكن شارك في دفن الموتي ان اكثر من 115 جنديا قتلوا كان معظمهم موثق اليدين.
وترفض الجبهة الوطنية لتحرير ازواد هذه الاتهامات وتتهم الحكومة بالسعي لافقادها مصداقيتها وترويع الغرب.
وفي حين يعتمل الاحباط المستمر منذ عقود بشأن اتفاقات السلام التي لم تنفذ ونقص التنمية في شمال مالي فقد ادت تداعيات الحرب في ليبيا الي ظهور الجبهة التي يقدر دبلوماسيون ومحللون بأنها تتألف من الف مقاتل.
وبعد ثلاثة اشهر من مقتل القذافي لا يزال حكام ليبيا الجدد يسعون جاهدين لبسط سلطتهم علي البلاد ولا يفرضون سيطرة كاملة علي حدودها التي يتسلل منها المقاتلون وتتدفق عبرها الاسلحة الي الدول المجاورة ناحية الجنوب.
ومع انهيار نظام القذافي بدأ مئات الطوارق من مالي من المسلحين الذين كانوا مجندين في جيشه علي مدي سنوات في العودة الي بلادهم حيث فرص العمل ضعيفة ولا تتمتع السلطة الوطنية بسيطرة تذكر.
البعض سلم اسلحته الي السلطات المالية واصبحوا منذ ذلك الحين مدنيين او انضموا الي الجيش. ولم يفعل آخرون ذلك.
وفي اكتوبر تشرين الاول تجمع هؤلاء المقاتلين في واحة زاكاك في التلال القريبة من الحدود مع الجزائر. وانضم اليهم متمردون ومنشقون عن الجيش المالي وشبان ونشطاء ماهرون في الانترنت في اجتماع سري اسفر عن مولد الجبهة الوطنية لتحرير ازواد.
وأصبح بعض العائدين من ليبيا في الاونة الاخيرة قتلة مأجورين لكن كثيرين مثل الكولونيل محمد نجم الذي اصبح حاليا اكبر قائد عسكري بالجبهة الوطنية لتحرير ازواد هم مقاتلون مخضرمون خدموا في صفوف القذافي لسنوات.
وانضم اليهم رجال قاتلوا تحت امرة زعيم المتمردين الراحل ابراهيم باهانجا الذي توفي في حادث سيارة العام الماضي بينما كان يضع الاساس للتمرد واعضاء من حركة ازواد الوطنية التي يقودها الشباب والتي ظهرت في 2010.
وقال هاما سيد احمد المسؤول الكبير بالجبهة الوطنية لتحرير ازواد والمقيم في فرنسا في اتصال هاتفي “لدينا جميع الاجيال هذا العام”.
ويقول مسؤولون ماليون ان جنود الطوارق الذين اندمجوا في الجيش المالي بعد التمرد الاخير ولديهم معرفة وثيقة بالتضاريس المحلية يزيدون من المصاعب التي تواجهها باماكو.
ومع عودة هؤلاء المقاتلين جيدي التسليح الي بلادهم في اواخر العام الماضي ارسلت الحكومة وفودا في محاولة لتفادي المتاعب. ومضت الجماعة التي رفضت نداءات الحكومة تسليم اسلحتها في طريقها لتشكيل نواة التمرد.
وشاهد صحفي من رويترز زار جماعة في مالي قررت تسليم اسلحتها مركبات رباعية الدفع مثبت عليها اسلحة آلية وقاذفات صواريخ متعددة الفوهات.
وقال الحاج بابا حيدرة النائب عن بلدة تمبكتو الشمالية والذي شارك في المحادثات “يشعرون بالقوة لان لديهم اسلحة وهم مستعدون لاستخدامها.
“عندما سمعنا نبرتهم وشاهدناهم يغرسون علم »ازواد« اشرنا الي انه ينبغي »لباماكو« العمل سريعا لفتح المحادثات بل ايضا القيام باستعدادات عسكرية.. لكن الحكومة لم تكن سريعة بصورة كافية”.
ويقاوم بدو الطوارق الذين يجوبون مساحات صحراوية شاسعة بين مالي والنيجر والجزائر وليبيا وبوركينا فاسو السلطة المركزية منذ عهد الاستعمار. لكن في مرات التمرد السابقة سعي الطوارق للحصول علي مزيد من الحكم الذاتي المحلي والي دمج مقاتليهم في الجيش بدلا من الحصول علي الاستقلال التام لازواد.
واعلن موقع توماست برس المؤيد للطوارق علي الانترنت في افتتاحية في ديسمبر كانون الاول علي موقعه الالكتروني “اما الان او لا للابد” مستلهما مزاج التمرد الجديد ومستشهدا بانشاء دولة جنوب السودان العام الماضي.
وقالت الافتتاحية ان الاسلحة القديمة الصدئة التي خذلت كاوسيني جيدا احد ابطال النضال ضد الاستعمار الفرنسي في اوائل القرن العشرين استبدلت بقاذفات صواريخ جراد واسلحة اخري ثقيلة توجد الان في معسكرات صحراوية.
ولدي الحركة آلة ماهرة للعلاقات العامة وموقع يجري تحديثه بانتظام ومتحدثون يعملون انطلاقا من اوروبا يسهل الاتصال بهم.
وترفض مالي اجراء أي محادثات بشان دولة مستقلة. ويقول المتمردون الذين يمثلون بعض الطوارق ناهيك عن مجتمعات اخري في الشمال انهم سيستهدفون البلدات واحدة تلو الاخري الي ان ينشئوا وطنهم في الشمال في مناطق كيدال وكاو وتمبكتو.
ومع ذلك تبدو فرص حصول قضيتهم علي دعم واسع ضئيلة.
ومن غير المرجح ان يحاكي حكام ليبيا الجدد المنشغلون في مشكلاتهم الخاصة القذافي في ولعه بالتدخل في شؤون الطوارق.
وتتطلع الجزائر التي تحتفظ بنفوذ قوي في الدول الواقعة جنوبها الي تحسين التعاون مع مالي خاصة في قتالها ضد خلايا القاعدة المحلية. ولدي شركتها المحلية للطاقة سوناطراك اهتمام في القسم المالي من حوض تاوديني في الشمال رغم ان عمليات الاستكشاف لم تبدأ بعد.
ويؤكد المسؤولون الجزائريون انهم يستضيفون محادثات بين الحكومة المالية وبعض زعماء الطوارق. لكن الجبهة الوطنية لتحرير ازواد تنفي ارسال اي من ممثليها الي الاجتماعات ولا تظهر بادرة تذكر علي الاصغاء للمناشدات الدولية لوقف اطلاق النار.
ومن غير المرجح ان يتمرد طوارق النيجر الذين سبق ان اقاموا في بعض الاحيان روابط مع طوارق مالي. فهم افضل تمثيلا في الحكومة المركزية ولم يتمكن سوي عدد قليل من طوارق النيجر العائدين من ليبيا من الاحتفاظ باسلحتهم.
وقال دبلوماسي يتابع الصراع عن كثب “في النهاية هم محاطون بدول لا تؤيد ان حركة استقلال لذا فسيكون منتهي آمالهم هو الحصول علي حكم ذاتي اوسع وحزمة اجور لائقة لقادتها”.
لكن حتي اذا كان من غير المرجح ان ينجح التمرد في انشاء دولة جديدة للطوارق فانه يمثل تحديا مباشرا لكل من مالي والكفاح الدولي لخلايا القاعدة وعصابات تهريب المخدرات التي تتخذ من الشمال الصحراوي مكانا أثيرا لها. وادي انخراط الاسلاميين في اقتصاد بملايين الدولارات قائم علي الفدي يغذيه خطف الغربيين وتهريب الكوكايين وسلع اخري الي اقحام المنطقة علي جدول الاعمال الامني للغرب.
وقال دبلوماسي ثان ان الجيش المالي ربما يواجه تمردا اكثر قوة من ذي قبل لكن الاستقلال “هدف بعيد المنال” وانه يمكن القضاء علي التمرد عن طريق حل سياسي.
واضاف الدبلوماسي “اكبر تهديد لوجود مالي هو تهديد تجارة المخدرات الدولية والارهاب”.
وتحاول واشنطن دعم الجيش المالي وقدمت له معونة عسكرية بقيمة 17 مليون دولار العام الماضي لتجهيز وتدريب القوات علي كل شيء من حرب الصحراء الي الفوز بالقلوب والعقول. وتقدم الدول الاوربية مساعدات ايضا.
لكن كثيرا من هؤلاء الرجال واغلب هذا العتاد من المرجح ان يحول الان للتصدي للجبهة الوطنية لتحرير ازواد وليس الاسلاميين.
وشاهد مراسل لرويترز كان مسافرا في الرابع من فبراير/شباط علي الطريق المتجه جنوبا من كيدال قوافل من الجنود الماليين المتجهين الي الشمال لتعزيز وحدات هناك وكان كثير منهم يستقل شاحنات كانت واشنطن قد قدمتها لمالي العام الماضي لاستخدامها في عمليات مكافحة الارهاب.
وكان من المقرر ان تجري العملية »فلينتلوك« وهي تدريب سنوي تديره الولايات المتحدة لمكافحة الارهاب في الصحراء الافريقية في مالي الشهر المقبل لكن ستؤجل بسبب التمرد.
ويقول موقع مغربي علي الانترنت وهو موقع شمال افريقي يرعاه الجيش الامريكي ان وحدة صغيرة من المدربين الجزائريين ارسلت الي شمال مالي لتدريب وتجهيز الوحدات المحلية اضطرت للمغادرة بسبب القتال.
وقال الدبلوماسي الثاني “هذا نوع التنسيق والتحرك الذي يحوله »التمرد«”.
وبالنسبة لمن يخشي ان تفقد الحكومات الضعيفة في المنطقة السيطرة علي مناطقها الصحراوية فان القضية هي اين سيكون موقع الجبهة الوطنية لتحرير ازواد بين شبكة الجماعات المعقدة ومن بينها خلايا القاعدة والمهربون الدوليون واللصوص وقطاع الطرق المحليون الذين ملأوا الفراغ البعيد عن متناول يد الحكومة المركزية التي تعمل في العاصمة البعيدة جدا عن هذه المناطق.
ولا توجد روابط ايديولوجية بين الطوارق وتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الاسلامي. لكن الروابط العائلية والانتهازية المطلقة تعني صعوبة التمييز في منطقة يتداخل فيها بانتظام التمرد والجريمة والجهاد.
ومن الامثلة علي ذلك اياد غالي وهو متمرد سابق عمل لفترة وجيزة قنصلا عاما لمالي في السعودية قبل ان يعود الي بلاده ليشارك في مفاوضات الرهائن في الشمال.
وشكل غالي منذ ذلك الحين حركة اسلامية لكن دبلوماسيين يقولون انه لا توجد صلات ملموسة بالقاعدة الا عن طريق قريب يعمل قائدا محليا. ويقول دبلوماسيون ومحللون ان بعض رجاله علي الاقل يقاتلون فيما يبدو مع الجبهة الوطنية لتحرير ازواد في المعارك الاخيرة.
ويقول المتمردون انهم جندوا عشرات من مسلحي الطوارق الذين سبق لهم العمل مع تنظيم القاعدة.
وكثيرا ما تتبدل التحالفات والولاءات المحلية مثلما تتبدل رمال الصحراء الشاسعة.
وقال حيدرة النائب البرلماني عن تمبكتو “اليوم لا احد يعرف حقا من يقف مع من”.
/2/2012 Issue 4121 – Date 13- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4121 – التاريخ 13/2/2012
AZP02