رجال الدولة ورجال السلطة

673

رجال الدولة ورجال السلطة
عبد العظيم الجبوري
بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في 9»4»2003 وسيطرة الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر على مقاليد الأمور بدأ بإجراءات تعسفية القصد منها تفتيت وحدة البلاد وإضعافها وهذا ديدن كل محتل من خلال العمل بنظرية فرِق ــ تسد لكي تسهل عليه عملية السيطرة التامة كما يظن ، حيث اصدر قرارات حل بموجبها البنية التحتية الأساسية للدولة العراقية لكي يعيد هيكلتها من جديد وفق النظرية الأمريكية ــ الصهيونية وكما يلي
1 ــ خلط الأوراق على صعيد الوضع الداخلي العراقي بعد ان ضمن توزيع العراق على شكل حصص طائفية وعرقية ولها أبعاد مصلحيه ذاتية ودخول الأحزاب والشخصيات إلى هذا المعترك لتحقيق ما فقدوه أيام المعارضة للحصول على الأموال والجاه وإدامة زخم العمل مستقبلا خصوصا ان المال أصبح عصب الحياة ومحركها الرئيسي.
2 ــ ترتيب عودة الشركات النفطية الأمريكية الى العراق بعد ان طردت منه بقرار التأميم في 1 حزيران 1972 خصوصا ان نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني يمتلك أسهما فيها وان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن منح امتيازات خاصة من هذه الشركة.
3 ــ العمل على إنشاء جيش جديد وبعقيدة جديدة وفق النهج والإدارة التي توجهها قوات الاحتلال وإنهاء القوة العسكرية العراقية وإخراجها من معادلة القوة المؤثرة في الشرق الأوسط وإخراجها من توازن القوى في المعادلة العسكرية مع الكيان الصهيوني.
3 ــ فتح المجال أمام الفاسدين والمفسدين في نهب ثروات العراق وأولهم بول بريمر نفسه وما قصة اختفاء 17مليار دولار في فترة حكمه إلا دليل واضح في عملية النهب الممنهج لخيرات العراق وثرواته، وفتح المجال أمام الرأي العام الأمريكي بإقامة الدعاوى الكيدية ضد العراق، وما قصة الأمريكان الذين تضرروا نفسيا من دخول القوات العراقية للكويت في 2 آب 1990 والمطالبة بتعويضهم بمبالغ مجزية عن هذا الضرر .
4 ــ العمل على تفتيت المجتمع العراقي على أسس طائفية خدمة للصهيونية التي تخشى العراق، وتخشى القوة التي تظهر من ارض بابل والتي ستقوض حكمهم كما جاء في التوراة، ولهذا لجأ الاحتلال على وضع ذلك في الدستور ،على ان العرب في العراق هم جزء من الأمة العربية وأن الأكراد هم جزء من الأمة الكردية التي سترى النور لاحقا .
5 ــ فتح المجال أمام التدخلات الإقليمية المباشرة كإيران من خلال دعمها بعض الكتل السياسية المعروفة ودعم شخصيات بعينها ضمن الكتلة نفسها ،وحتى أن تشكيل الحكومة لم إلا بتوافق الطرفين الأمريكي والإيراني، وإن المشاكل السياسية لا يمكن حلها إلا في قم وطهران، ثم واشنطن ،والشعب العراقي شاهد على ذلك، والتدخلات غير المباشرة لدول الجوار الأخرى بحجة حماية أقليات معروفة او التوجس من إقامة دولة كردية على الحدود التركية، او تمويل أطراف معينة للوصول الى قبة البرلمان، وما الأنباء التي تناقلتها بعض الوكالات عن رسالة الجنرال قاسم سليماني الى الهاتف النقال لقائد قوات الاحتلال الأمريكية الجنرال ديفيد باتريوس في العراق تخبره بان الأخير هو الحاكم الفعلي للعراق، وليس قائد قوات الاحتلال أو أصدقائهم من السياسيين.
6 ــ العمل على إرباك المجتمع العراقي وجعله لا يتمكن من التمييز بين المقاومة والإرهاب من خلال قيام قوات الاحتلال بافتعال تفجيرات في المناطق السكنية بشكل مباشر او من خلال عملائها، وبعض المأجورين لخلق فجوة كبيرة بين المقاومة الشرعية وحاضنتها من أبناء الشعب العراقي.
7 ــ العمل على إذكاء الفتنة الطائفية ،بتفجير مرقد الإمامين العسكريين عليهما السلام في شهر شباط 2006 من خلال انسحاب القوات الأمريكية من الشوارع، وترك الشارع خاليا للميليشيات الطائفية التي بدأت بعمليات التطهير العرقي والطائفي في المدن العراقية، ويسند ذلك بعض الفتاوى من المتعصبين وأنصاف المتعلمين والجهلة لإيصال المجتمع العراقي الى مرحلة كسر العظم ، حتى أن الكثير من الجهات السياسية بدأت تعد العدة لإنشاء إقليم الوسط والجنوب باعتبار أن الثروات جميعها من هذه المناطق وكانت بعض القنوات الفضائية تعد البرامج الخاصة بهذا الموضوع كبرنامج مطالب شعبنا الذي يبث من قناة الفرات الفضائية، وكذلك قيام بعض النكرات بالكتابة عن هذا الموضوع والمشاركة بفاعلية في البرامج التلفزيونية المباشرة كبرنامج الاتجاه المعاكس وغيره وكان أكثر المروجين لهذه الأفكار في حينها الناطقين باسم احمد ألجلبي محمد حسن الموسوي وانتفاض قنبر.
8 ــ قيام بعض الأحزاب والتيارات الدينية بتزويد بعض الفصائل المسلحة بالمال ليس لغرض إثخان جراح الاحتلال ،بل لجر الاحتلال الى أمور هامشية لتربك خططه في العراق وتربك العمل في شارع معين ،وبهذا يتم توجيه ضربة من العيار الثقيل لكل الأطراف وتفسح المجال أمام إيران لإدارة الصراع العسكري بالنيابة والصراع السياسي بشكل مباشر ،وهذا ما صرحت به بعض الفصائل المسلحة وبشكل علني وإذا افترضنا أن التصريحات غير صحيحة فالأمور تقاس بنتائجها فكانت النتيجة بناء واعمار في مناطق معينة وتدمير وخراب وقتل وسلب واختطاف في مناطق أخرى، وان بعض من هذه العمليات كانت تجري بتوجيه من أحزاب وشخصيات حكومية ودليلنا على ذلك التهديد بفتح الملفات ضد شخصيات معينة عندما تصل العلاقة بين أقطاب العملية السياسية الى نقطة اللاعودة .
9 ــ سيطرة بعض من قادة المليشيات على الوزارات الأمنية والتي تأتمر بأوامر الأحزاب وليس بأوامر وزارة الدفاع والداخلية وهذه المليشيات لها نهج طائفي أو عنصري وتعمل بصورة غير مهنية، وكذلك عناصر الدمج في زمن إدارة إبراهيم اشيقر الجعفري لرئاسة الوزراء وتعيين وزير للداخلية باقر جبر صولاغ ثم تقلد منصب وزير المالية في حكومة المالكي الأولى عندها تنفس العراقيون الصعداء عندما قالوا الحمد لله بالمال ولا بالعيال أثار ضجة واسعة في إدارته للوزارة من خلال عمليات الاعتقال الطائفية والعشوائية وتشكيل لواء الذئب سيء الصيت والذي اشرف على إدارته المدعو أبو الوليد حيث انتشرت ظاهرة التعذيب بالمثقاب الكهربائي والمعروف عند العراقيين بـ الد ريل وبثت القناة الرابعة في التلفزيون البريطاني برنامجا خاصا به وكذلك تصريحات اللواء منتظر السامرائي واللواء الركن جواد الرومي وكانا شاهدي عيان على الذي قام به هذا اللواء من أعمال مهينة للآدمية.
9 ــ بقاء الملفات التي سببها الاحتلال عالقة الى يومنا هذا وهذه الملفات تشمل فئات كثيرة من المجتمع وعوائلهم حل الجيش، اجتثاث البعث، الأجهزة الأمنية، وزارة الثقافة والاعلام ومنتسبي ديوان الرئاسة وغيرها من الملفات التي تتطلب قرارا جريئا في حلها وليس الهروب بها إلى الأمام.
10 ــ خلق فتنة عنصرية إذا فشلت الفتنة الطائفية وهي ترحيل المادة 58 من قانون إدارة الدولة في المرحلة الانتقالية الى المادة140 من الدستور وهذه المادة تخص مدينة كركوك ثم بدأت مطالبات بإضافة مناطق أخرى من الموصل وصلاح الدين وديالى وهذه المشاكل يبدو أن حلها سيستغرق وقت وجهد استثنائي لأن فيها اصطفافات داخلية كبيرة وترقب دقيق من قبل بعض دول الجوار.
لقد عمل الإحتلال على خلق ملفات ساخنة دائمة متداخلة بحيث عند معالجة ملف معين سيلقي بظلاله على معالجة الملف الآخر.
11 ــ تثبيت موضوع الفيدرالية والأقاليم بالدستور وكان هذا الموضوع مفصلا وعلى قياس كردستان العراق بحيث إذا رفضت 3 محافظات الدستور الذي ينص على ذلك فيعتبر الدستور ملغيا وللتاريخ نقول إن الدستور الغي لولا تزوير الكثير من الأصوات وكانت كلمة الفصل لأصوات محافظة نينوى وقد زور الكثير من أصوات ناخبي المحافظة بحيث أن الفرق بين قبول الدستور ورفضه بحدود 50 ألف صوت فقط. وهذا يعني أن أي محافظة تريد التحول الى إقليم ستضمن تأييد من 3 شقيقات سبقنها الى الأقلمة علما أن إقليم كردستان لم يخضع للاستفتاء الشعبي في عموم العراق.
إن الفيدرالية في العراق هي فيدراليات انفصالية وشخصية وعائلية وحزبية وعشائرية وضد توجهات الشعب العراقي الموحد، وان الذين يطلبون بالأقاليم هم من العوائل الذين إما أعضاء برلمان أو من الحكومات المحلية أو بعضهم في البرلمان وإخوانهم أو أبناء عمومتهم في الحكومات المحلية في المحافظات جواد البز وني وشقيقه أو احد أقاربه رئيس مجلس محافظة البصرة وشعلان الكريم وشقيقه في صلاح الدين واثيل النجيفي وشقيقه أسامة رئيس مجلس النواب وغيرهم الكثير. إن الفيدرالية في العراق هي انفصالية وخصوصا فيدرالية كردستان التي تعيش على موارد الدولة العراقية لتقوية وتثبيت أركانها ثم تعلن الانفصال ولكن في هذا الوضع المعقد فإنها تستخدم ورقة الانفصال لابتزاز الحكومة المركزية وللحصول على المزيد من المكاسب على حساب الشعب العراقي، وان إقليم كردستان إذا ما فكر بالاستقلال الآن فإنه سيخسر الكثير من الموارد المالية وكذلك سيخسر الدولة الكردية الناشئة كما خسرها في عام 1946 بعد إعلان جمهورية مها آباد للأسباب التالية
1 ــ ستفقد الدولة الجديدة ما مقداره 17 أو أكثر من الموازنة العامة للدولة علما أن جميع الموارد التي تدخل كردستان لن تصل بأي حال من الأحوال هذا المبلغ وهذا يعني أن الحكومة الكردية لن تستطيع تأمين رواتب موظفيها.
2 ــ إن الدول المحيطة بكردستان لا تؤيد قيام الدولة الكردية وستكون دولة معزولة من جميع الجهات وهذا سيؤثر كثيرا على الأوضاع العامة لها.
3 ــ سيفقد القادة الكرد الكثير من البريق السياسي الذي حققوه بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وعلى الأقل في محيطهم الذي يعيشون فيه.
إذن فلماذا يتأجل إعلان الدولة الكردية؟
إن القادة الكرد يدرسون الوضع الدولي والإقليمي بشكل دقيق وينتظرون الربيع السوري لكي يحقق الأكراد السوريون ما حققه زملاؤهم أكراد العراق وكذلك يترقبون نتائج مفاوضات إيران مع مجموعة دول 5 1 حول البرنامج النووي الإيراني وإذا وصلت النتائج إلى طريق مسدود ربما سيحصل ربيع إيراني يكون الكرد جزء منه لتحقيق ما حققه زملاؤهم أكراد العراق وسوريا ,وسيبقى موضوع أكراد تركيا وهو موضوع صعب بسبب أن تركيا جزء من حلف شمال الأطلسي وعلاقتها قوية مع بعض أطراف هذا الحلف… وربما على المدى البعيد سيلعب اللوبي الصهيوني دورا حاسما في أوربا وأمريكا لمقايضة انضمام تركيا الى الإتحاد الأوروبي مقابل انفصال أكراد تركيا وانضمامهم الى الأمة الكردية التي نص عليها الدستور العراقي.
ماذا يتوجب على الحكومة العراقية أن تفعله للحفاظ على وحدة العراق؟
أمام الحكومة العراقية أيا كان توجهاتها والظروف المحيطة بها أن تنتبه الى الوضع العراقي الداخلي وتفكر بشكل جدي في معالجة جذور المشاكل التي أغرقها بها الاحتلال وكذلك المعالجات الخاطئة التي عالجت بها بعض المشاكل وأول هذه المعالجات تحرير نفسها من تدخلات دول الجوار والعمل على لملمة البيت العراقي بإصدار قانون العفو العام وإنهاء موضوع المساءلة والعدالة وعدم الكيل بمكاييل مختلفة حسب الأهواء والرغبات وتفكيك كل التخندقات الطائفية بانتهاج برنامج وطني عام وإعادة النظر بالمرتبات العالية والإيفادات غير المبررة التي تنهك كاهل الدولة ومحاربة الفساد ومعالجة مشكلة البطالة وتعيين الكفاءات وبل ورعايتهم ووضع الرجل المناسب في المكان الذي يستحقه وفصل السلطات وإنهاء تسييس الجيش والأجهزة الأمنية بل وإعادة هيكلته وتسليحه وإنهاء موضوع المخبر السري والمادة 4 إرهاب وإنهاء الملفات الأخرى المتعلقة بالجيش السابق ووزارة الأعلام والاهتمام بالمتقاعدين والرعاية الاجتماعية والأيتام والأرامل وإعادة البطاقة التموينية الى سابق عهدها والتخلص من نفوذ البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والعمل على عودة العراق الى محيطه العربي والعمل على عدم حشر العراق في الملفات الدولية الساخنة كتنظيم لقاءات بين إيران والدول الأخرى والابتعاد عن التدخل بالشؤون الداخلية للدول الأخرى، وغيرها الكثير والتي تتطلب قرارات جريئة لرجال دولة من الطراز الخاص لا… لا… لا… لرجال سلطة من الطراز النادر .
/6/2012 Issue 4228 – Date 18 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4228 التاريخ 18»6»2012
AZP07