رباح نوري… الشعر بوصفه حياة

439

رباح نوري… الشعر بوصفه حياة
كم يلزم القصيدة من الليل لتصبح نجمة؟
عبدالرزاق الربيعي
عرفته في المهرجانات الشعرية التي جمعتنا عام1977 حين كنا طلابا في الرابع الإعدادي بثانوية التأميم بمدينة الحرية، مثلما جمعتني تلك المهرجانات واللقاءات بشعراء أصدقاء آخرين من بينهم فضل خلف جبر والمرحوم الشهيد صباح أحمد حمادي ولؤي حقي ود.عصام البرام وعمران التميمي قبل أن يترك الشعر ويتحول للكتابة الدرامية المسرحية والتلفزيونية وليصبح واحدا من أبرز كتّابها في تلك السنوات التقيت بالصديق الشاعر رباح نوري، وكان خفيف الوزن والظل، ينشر المرح بتعليقاته الطريفة، ونظرته الساخرة للحياة،التي جعلت منه،فيما بعد, بطلا عبثيا لأكثر من نص قصصي للكاتب الكبير عبدالستار ناصر.
الموجة السائدة
رباح نوري الساخر،النحيل، كان في تلك السنوات، يكتب الشعر العمودي، حسب الموجة السائدة آنذاك في تلك المهرجانات، ولم يكن يهتم كثيرا لنتائج المسابقات الشعرية التي نشترك بها، فقد كان يكتب الشعر لذاته، دون انتظار مكسب معين، أو صيت، ذلك أن الشعر مقرون عنده بالحياة، لذا غمر طوفان الشعر حياته وانعكس عليها.
واستمرت علاقتنا بعد دخولنا الجامعة بقسم اللغة العربية بكلية الآداب حيث انضم لنا الصديق الدكتور علي الشلاه وصرنا ثلاثيا، غالبا مانخرج من الكلية برفقة الدكتور عبدالأمير الورد لنتجاذب أطراف الأحاديث والنقاشات والقصائد في جولات طويلة بشوارع بغداد، ومرت السنوات والشاعر رباح نوري مستمر على نمط حياة شعرية اختارها لنفسه،مداوما على كتابة الشعر العمودي، الذي يكتبه بلغة جديدة، مضيئة، غير مكترث للصراعات الدائرة في الساحة الثقافية، ومسألة التجييل التي شغلت الكثيرين من شعراء جيلنا الثمانيني، فقد كان الشعر بالنسبة له غاية جمالية ومتنفسا لا أكثر ولا أقل فكان يعيشه في تفاصيل حياته أكثر مما يكتبه لذا فحضوره في المناسبات واللقاءات الشعرية يكون في الغالب حضورا شعريا أكثر مما هو نصيا، فلم يكن يهتم للنشر ولم يجمع نصوصه لليوم بمجموعة شعرية
كان وسط موجة الحياة يقف على ضفاف القصيدة.
وخلال تلك السنوات لم ينقطع تواصلنا, وهو من القلة من جيلنا التي لم تركب قطار التغرب، فقد ظل في بغداد، رغم توقه للسفر، ملازما مقاهيها الأدبية وحياتها الثقافية التي ظلت تعاند الحصار والموت والمفخخات.
في السنوات الأخيرة فاجأني بنصوص بعضها نشر بمجلة نزوى الفصلية الثقافية العمانية بتحوله الى قصيدة النثر ولم يكن في ذلك يجاري الموضة الشعرية بل لحاجة فنية ملحة، أملتها عليه الموضوعات التي تعتمد على المفارقة الشعرية، فجاءت تلك النصوص مختلفة عما سبق من نصوصه، تميل للتأمل والإشتغال على اللغة كقطعة فنية قابلة للنحت، فامتازت تلك النصوص بالكثافة الشعرية والتركيز الى أقصى طاقة الجملة الشعرية على الإختزال، وقد تتألف القصيدة من سطرين كما في شهرة
كم يلزمُك من الليل
لتُصبحي.. نجمة؟
أو خمسة أسطر كما في قوله
في المشهد
إمرأة.. تغرق
بعد المشهد
تخرجُ من البحر امرأة
تحملُ أسماء الغرقى
ويعتمد على عنصر المفاجأة الشعرية التي غالبا ما يختتم بها النص الذي يأتي متسلسلا يبنى على التقابل فتصبح الجملة معادلة موزونة كما في قوله
لفراشات
توقظ الصباحات.. بالورود
ولمذيعات
يشترين التلفزيونات.. بالأخبار
وللوحات
يقايضن الرسامين.. بالمتاحف
ولأسابيع
توبخ الاوقات.. بالايام
ولقصائد
تجسد العالم.. بالاشعار
لكل ماتقدم
قلتُ الكثير.. بأصابع بليغة
ويعتمد في نصوصه على التكرار من أجل ايجاد ايقاع بديل عن الموسيقى كما في شلل نصفي التي يهديها الى نادي الصيد الذهبي
أحلمُ
أنني أجلس على نصف كرسي
وأمامي نصفُ قدح من الشاي
ونصفُ قلم
ونصفُ ورقة
لهذا كتبتُ نصفَ قصيدة

أحلمُ
أنني أركبُ نصفَ باص
قاطعاً نصفَ تذكرة
لهذا أيضاً
ترجلتُ في منتصف المسافة
ويعطف في نصه أمنياتي درجات امتحانات حبيبته التي يبللها المطر وغياباتها ورسوبها على خصلات شعرها دون ذكر مجال لوجه الشبه بين كل ذلك لكنه أراد أن يقول أن كل شيء بحبيبته جميل وليصنع مفارقة تحرك المخيلة وتستفز العاطفة
أنوي أن أصبح مطرا
أخرج من الغيمة
وأهطل على العالم
لأبلل
خصلات حبيبتي الهلالية وضفائرها المدرسية
ودرجات إمتحاناتها
ودوامها
ورسوبها
وغياباتها
ورغم قلة نتاج الشاعر رباح نوري،الا أن قليله يكفي ليؤشر امتلاكه موهبة فذة وقدرة على النسج، هذا القليل سيعني الكثير للدارسين لو التفت هذا الشاعر أكثر الى الكتابة الشعرية.
/5/2012 Issue 4188 – Date 1 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4188 التاريخ 1»5»2012
AZP09