راقصة سوداء في برلين تندد بالعنصرية في أوساط الموسيقى والباليه

358

برلين‭- (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬كانت‭ ‬كلويه‭ ‬لوبيز‭ ‬غوميز‭ ‬أول‭ ‬راقصة‭ ‬سوداء‭ ‬تنضمّ‭ ‬إلى‭ ‬فرقة‭ ‬برلين‭ ‬الوطنية‭ ‬للباليه،‭ ‬لكنها‭ ‬عانت‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬العنصرية،‭ ‬ما‭ ‬حمل‭ ‬إدارة‭ ‬الفرقة‭ ‬المرموقة‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬تحقيق‭ ‬داخلي‭.‬

وفي‭ ‬أحد‭ ‬الأيام،‭ ‬كانت‭ ‬معلّمة‭ ‬الباليه‭ ‬في‭ ‬أكبر‭ ‬فرقة‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬توزع‭ ‬على‭ ‬الراقصات‭ ‬أوشحة‭ ‬بيضاء‭ ‬ليرتدينها‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬مشاهد‭ ‬باليه‭ “‬لا‭ ‬بايادير‭” ‬أو‭ “‬راقصة‭ ‬المعبد‭”‬،‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬أعمال‭ ‬الموسيقى‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭.‬

وروت‭ ‬راقصة‭ ‬الباليه‭ ‬البالغة‭ ‬29‭ ‬عاما‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬أن‭ ‬المعلمة،‭ ‬عندما‭ ‬وصلت‭ ‬إليها،‭ “‬قالت‭ ‬ممازحة‭: +‬لن‭ ‬أعطيك‭ ‬إياه‭ ‬لأن‭ ‬الوشاح‭ ‬أبيض‭ ‬وأنت‭ ‬سوداء‭”.‬

وأكدت‭ ‬راقصة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬الفرقة‭ ‬هذا‭ ‬الكلام،‭ ‬فأوردت‭ ‬طالبة‭ ‬عدم‭ ‬ذكر‭ ‬اسمها‭ ‬أن‭ ‬المدرّبة‭ “‬قالت‭ ‬ذلك‭ ‬وكأنها‭ ‬مزحة‭” ‬مضيفة‭ “‬أصبت‭ ‬بصدمة‭ ‬تامة‭”.‬

شعرت‭ ‬كلويه‭ ‬لوبيز‭ ‬غوميز‭ ‬التي‭ ‬تدرّبت‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬البولشوي،‭ ‬بالإهانة،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تفاجأ‭ ‬بالأمر‭. ‬وهي‭ ‬تؤكد‭ ‬أنها‭ ‬تتعرّض‭ ‬منذ‭ ‬وصولها‭ ‬إلى‭ ‬برلين‭ ‬عام‭ ‬2018‭ ‬لـ‭”‬مضايقات‭” ‬من‭ ‬قبل‭ ‬معلّمتها‭.‬

وتقول‭ “‬عند‭ ‬أول‭ ‬تدريب‭ ‬على‭ ‬باليه‭ +‬بحيرة‭ ‬البجع‭+‬،‭ ‬كنا‭ ‬ستّ‭ (‬راقصات‭) ‬جديدات،‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬التصحيحات‭ ‬كانت‭ ‬موجّهة‭ ‬إليّ‭ ‬أنا‭”.‬وتواصلت‭ ‬الملاحظات‭ ‬شهرا‭ ‬بعد‭ ‬شهر،‭ ‬فتروي‭ “‬كانت‭ ‬تقول‭ ‬لي‭ +‬حين‭ ‬لا‭ ‬تكونين‭ ‬واقفة‭ ‬في‭ ‬الصفّ،‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬سواك‭ ‬لأنك‭ ‬سوداء‭+”‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أكدته‭ ‬أيضا‭ ‬الراقصة‭ ‬الأخرى‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الراقصة‭ ‬الشابة‭ ‬المولودة‭ ‬لأم‭ ‬فرنسية‭ ‬وأب‭ ‬من‭ ‬الرأس‭ ‬الأخضر،‭ ‬تمسّكت‭ ‬بمكانها‭ ‬في‭ ‬الفرقة‭ ‬وواصلت‭ ‬العمل‭ “‬بكدّ‭”‬،‭ ‬مصممة‭ ‬على‭ ‬إثبات‭ ‬أنها‭ “‬تستحق‭ ‬موقعها‭”.‬

لكن‭ ‬الضغط‭ ‬كان‭ ‬ينهكها،‭ ‬فأصيبت‭ ‬بجرح‭ ‬في‭ ‬رجلها‭ ‬أرغمها‭ ‬على‭ ‬وقف‭ ‬العمل‭ ‬ثمانية‭ ‬أشهر‭ ‬خضعت‭ ‬خلالها‭ ‬لعلاج‭ ‬ضد‭ ‬الانهيار‭.‬

وأصيبت‭ ‬بصدمة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬شباط‭/‬فبراير،‭ ‬حين‭ ‬أرادت‭ ‬معلّمة‭ ‬الباليه‭ ‬إرغامها‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬مسحوق‭ ‬أبيض‭ ‬على‭ ‬بشرتها،‭ ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬إعلان‭ ‬رحيل‭ ‬المدير‭ ‬المشارك‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يرفض‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭.‬

وقالت‭ ‬الراقصة‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ ‬أوبرا‭ ‬نيس‭ ‬بفرنسا‭ ‬وفرقة‭ ‬بيجار‭ ‬في‭ ‬لوزان‭ “‬طلي‭ ‬بشرتي‭ ‬بالأبيض‭ ‬كان‭ ‬بمثابة‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬هويتي‭”.‬

وعند‭ ‬إبلاغ‭ ‬المسألة‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬فرقة‭ “‬شتاتس‭ ‬باليه‭” ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬في‭ ‬صفوفها‭ ‬ثلاثين‭ ‬جنسية‭ ‬مختلفة،‭ ‬شكّل‭ ‬الأمر‭ ‬مفاجأة‭ ‬كبرى‭ ‬للإدارة‭.‬

وأقرت‭ ‬المديرة‭ ‬بالوكالة‭ ‬كريستيان‭ ‬تيوبالد‭ ‬خلال‭ ‬مقابلة‭ ‬عبر‭ ‬الهاتف‭ “‬كنا‭ ‬نعتقد‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬للعنصرية‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية‭ ‬لمجرّد‭ ‬تنوّعنا‭. ‬وفي‭ ‬مطلق‭ ‬الأحوال،‭ ‬لم‭ ‬يخطر‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬بالنا‭ ‬يوما‭. ‬لكننا‭ ‬كنا‭ ‬على‭ ‬خطأ‭”.‬

وشددت‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬إرغام‭ ‬الفنانين‭ ‬السود‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬مسحوق‭ ‬أبيض‭ ‬على‭ ‬بشرتهم‭ ‬أمر‭ “‬محظور‭ ‬بالمطلق‭”.‬

وشكلت‭ ‬فرقة‭ ‬الباليه‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬كانون‭ ‬الأول‭/‬ديسمبر‭ ‬خلية‭ ‬لإجراء‭ ‬تحقيق‭ ‬داخلي‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬تمييز‭ ‬وعنصرية‭. ‬وأوضحت‭ ‬تيوبالد‭ “‬بإمكان‭ ‬جميع‭ ‬الموظفين‭ ‬أن‭ ‬يبلّغوا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬كشف‭ ‬أسمائهم‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬حوادث‭ ‬تمييز‭”.‬

ورفضت‭ ‬معلّمة‭ ‬الباليه‭ ‬الإدلاء‭ ‬بتعليق،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬الفرقة‭ ‬لم‭ ‬تشأ‭ ‬لأسباب‭ ‬قانونية‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬تدابير‭ ‬تأديبية‭ ‬يحتمل‭ ‬اتخاذها‭.‬

وستغادر‭ ‬كلويه‭ ‬لوبيز‭ ‬غوميز‭ ‬الفرقة‭ ‬في‭ ‬تموز‭/‬يوليو‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يتمّ‭ ‬تجديد‭ ‬عقدها‭.‬

وهي‭ ‬على‭ ‬يقين‭ ‬بأنها‭ ‬بدخولها‭ ‬أوساطا‭ “‬نخبوية‭ ‬جدا‭ ‬ومغلقة‭ ‬جدا‭”‬،‭ ‬خطت‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬محفوف‭ ‬بالمخاطر‭.‬

لكنها‭ ‬مصممة‭ ‬على‭ ‬مكافحة‭ ‬العنصرية‭ ‬التي‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭ ‬الراقصون‭ ‬السود‭ ‬أو‭ ‬الخلاسيون‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الرقص‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬الذي‭ ‬يهيمن‭ ‬عليه‭ ‬البيض‭ ‬بشكل‭ ‬شبه‭ ‬حصري‭.‬

وهي‭ ‬ليست‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬تطرح‭ ‬هذه‭ ‬القضية،‭ ‬إذ‭ ‬يطالب‭ ‬راقصون‭ ‬في‭ ‬أوبرا‭ ‬باريس‭ ‬بينهم‭ ‬شقيقها‭ ‬إيزاك‭ ‬لوبيز‭ ‬غوميز،‭ ‬بإعطاء‭ ‬مكانة‭ ‬أكبر‭ ‬للتنوع‭.‬

‭- “‬كيريكو‭” -‬

تقول‭ “‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬شخصا‭ ‬واحدا‭ ‬لم‭ ‬توجه‭ ‬إليه‭ ‬ملاحظات‭ ‬عنصرية‭ ‬من‭ ‬نوع‭ +‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تملّس‭ ‬شعرك،‭ ‬لديك‭ ‬لبدة‭ ‬أسد،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تشدّي‭ ‬ردفيك‭ ‬إلى‭ ‬الداخل،‭ ‬لديك‭ ‬ردفا‭ ‬امرأة‭ ‬سوداء،‭ ‬إنّك‭ ‬تقفزين‭ ‬مثل‭ ‬كيريكو‭”‬،‭ ‬شخصية‭ ‬طفل‭ ‬إفريقي‭ ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬تحريك‭.‬

واختبرت‭ ‬الراقصة‭ ‬فرادتها‭ ‬هذه‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬انتعلت‭ ‬أول‭ ‬حذاء‭ ‬رقص‭ ‬وهي‭ ‬طفلة‭ ‬في‭ ‬نيس‭.‬

وأوضحت‭ “‬لم‭ ‬أجد‭ ‬يوما‭ ‬مسحوق‭ ‬التجميل‭ ‬المناسب‭ ‬للون‭ ‬بشرتي،‭ ‬كان‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أجلب‭ ‬مساحيقي‭ ‬بنفسي‭”‬،‭ ‬مضيفة‭ “‬كنت‭ ‬أيضا‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬تبتكر‭ ‬تسريحاتها‭” ‬بسبب‭ ‬شعرها‭ ‬الكثّ‭ ‬المجعّد‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مصفّفات‭ ‬الشعر‭ ‬يرغبن‭ ‬في‭ ‬تسريحه‭.‬

لكن‭ ‬الراقصة‭ ‬تقول‭ ‬إنها‭ ‬لطالما‭ ‬كانت‭ ‬ترغب‭ ‬بالاندماج،‭ ‬فكانت‭ ‬تتكيّف‭ ‬مع‭ ‬الظروف،‭ “‬لكن‭ ‬تفاصيل‭ ‬صغيرة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تجعلكم‭ ‬تشعرون‭ ‬بالإقصاء‭”.‬

وشكلت‭ ‬مواقفها‭ ‬صدمة‭ ‬للذهنية‭ ‬المحافظة‭. ‬فالباليه‭ ‬الرومنطيقي‭ ‬تحكمه‭ ‬قواعد‭ ‬صارمة‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬شعر،‭ ‬وهدفها‭ ‬إعطاء‭ ‬انطباع‭ ‬انسجام‭ ‬وتماهٍ‭.‬

لكن‭ ‬كلويه‭ ‬لوبيز‭ ‬غوميز‭ ‬ترفض‭ ‬هذه‭ ‬الحجة‭ ‬وتقول‭ “‬سئمت‭ ‬سماع‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬ضمّ‭ ‬سود‭ ‬لأن‭ ‬أجسادهم‭ ‬غير‭ ‬ملائمة‭ ‬للرقص‭ ‬الكلاسيكي،‭ ‬هذه‭ ‬مجرّد‭ ‬ذريعة‭”.‬

مشاركة