رئيس‭ ‬أساقفة‭ ‬الموصل‭ ‬يستعد لاستقبال‭ ‬البابا‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬من‭ ‬الفرح

615

كراملش‭ (‬العراق‭)-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬في‭ ‬كارملش‭ ‬وقراقوش‭ ‬والموصل‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬العراق،‭ ‬كنائس‭ ‬مدمرة،‭ ‬ونفايات‭ ‬تجتاح‭ ‬الأزقة‭ ‬الضيقة،‭ ‬وآثار‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ظاهرة‭ ‬بوضوح‭.. ‬رغم‭ ‬ذلك،‭ ‬يؤكد‭ ‬رئيس‭ ‬أساقفة‭ ‬الكلدان‭ ‬في‭ ‬أبرشية‭ ‬الموصل‭ ‬وعرقة‭ ‬نجيب‭ ‬ميخائيل‭ ‬أن‭ ‬التحضيرات‭ ‬جارية‭ ‬لزيارة‭ ‬البابا‭ ‬التاريخية،‭ ‬وأن‭ ‬استقباله‭ ‬سيجري‭ ‬في‭ ‬‮«‬أجواء‭ ‬من‭ ‬الفرح‮»‬‭. ‬ورغم‭ ‬مرور‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬طرد‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬من‭ ‬المنطقة،‭ ‬يحتفظ‭ ‬رئيس‭ ‬أساقفة‭ ‬الموصل‭ ‬بآثار‭ ‬من‭ ‬الجرائم‭ ‬الوحشية‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬الجهاديون‭ ‬في‭ ‬كارملش‭ ‬بينها‭ ‬صليب‭ ‬مكسور‭ ‬عند‭ ‬برج‭ ‬أعلى‭ ‬كنيسة‭ ‬وأواني‭ ‬قداس‭ ‬وأيقونة‭ ‬متضررة‭… ‬أدلة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬‮«‬تجاوز‭ ‬الماضي‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬ميخائيل‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس،‭ ‬عبر‭ ‬‮«‬التسامح‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬نسيان‮»‬‭ ‬تلك‭ ‬الجرائم‭.‬

ويشير‭ ‬الى‭ ‬أنه‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬تهريب‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الوثائق‭ ‬القديمة‭ ‬من‭ ‬التنظيم‭ ‬المتطرف‭ ‬الذي‭ ‬احتل‭ ‬المنطقة‭ ‬بين‭ ‬2014‭ ‬و2017،‭ ‬وحكم‭ ‬بالرعب،‭ ‬مستهدفا‭ ‬خصوصا‭ ‬الأقليات،‭ ‬الى‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان،‭ ‬مخاطرا‭ ‬أحيانا‭ ‬بحياته‭. ‬وتقع‭ ‬كارملش‭ ‬شرق‭ ‬مدينة‭ ‬الموصل،‭ ‬مركز‭ ‬محافظة‭ ‬نينوى‭. ‬وكانت‭ ‬الموصل‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬قرون‭ ‬مركزاً‭ ‬تجارياً‭ ‬وثقافياً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬وتحتضن‭ ‬نينوى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الكنائس‭ ‬والوجود‭ ‬المسيحي‭. ‬وخلفت‭ ‬المعارك‭ ‬التي‭ ‬امتدت‭ ‬لأشهر‭ ‬طويلة‭ ‬بين‭ ‬القوات‭ ‬الحكومية‭ ‬العراقية‭ ‬والجهاديين،‭ ‬مئات‭ ‬الضحايا‭ ‬ودفعت‭ ‬الآلاف‭ ‬للنزوح،‭ ‬وانتهت‭ ‬بإعلان‭ ‬السلطات‭ ‬العراقية‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الجهاديين‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭ ‬2017‭.‬ويقول‭ ‬رئيس‭ ‬أساقفة‭ ‬الموصل‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تفارق‭ ‬وجهه‭ ‬الابتسامة،‭ ‬متحدثا‭ ‬من‭ ‬كنيسة‭ ‬كارملش،‭ ‬بأن‭ ‬جدول‭ ‬أعماله‭ ‬أصبح‭ ‬ضاغطا‭ ‬جدا‭ ‬منذ‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬الزيارة‭ ‬البابوية‭ ‬الأولى‭ ‬للعراق‭ ‬التي‭ ‬ستتم‭ ‬في‭ ‬آذار‭/‬مارس‭ ‬المقبل‭.‬

في‭ ‬كل‭ ‬المدن‭ ‬التي‭ ‬سيزورها‭ ‬البابا،‭ ‬الزعيم‭ ‬الروحي‭ ‬ل1‭,‬3‭ ‬مليار‭ ‬كاثوليكي‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬تقوم‭ ‬جوقات‭ ‬التراتيل‭ ‬وفرق‭ ‬الكشافة‭ ‬بتدريبات‭ ‬منذ‭ ‬أسابيع،‭ ‬وينتظر‭ ‬الجميع‭ ‬لقاء‭ ‬خليفة‭ ‬القديس‭ ‬بطرس‭ ‬والاقتراب‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬كنائسهم‭.‬

ويتولى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الكهنة‭ ‬ترجمة‭ ‬صلوات‭ ‬إلى‭ ‬الإيطالية‭ ‬والعربية‭ ‬واللاتينية‭ ‬والسريانية،‭ ‬لأن‭ ‬البابا‭ ‬سيحتفل‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬بأول‭ ‬قداس‭ ‬له‭ ‬بحسب‭ ‬الطقوس‭ ‬الشرقية‭. ‬وشكّلت‭ ‬لجان‭ ‬حكومية‭ ‬وأخرى‭ ‬في‭ ‬محافظات‭ ‬مختلفة‭ ‬لمتابعة‭ ‬الاستعدادات‭ ‬اللوجستية‭ ‬ومراسم‭  ‬ويرى‭ ‬ميخائيل‭ (‬65‭ ‬عاما‭) ‬أن‭ ‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬مع‭ ‬محيطه‭ ‬حساسة‭ ‬جداً‭ ‬خصوصا‭ ‬لأن‭ ‬أي‭ ‬مسؤول‭ ‬أجنبي‭ ‬حكومي‭ ‬لم‭ ‬يزر‭ ‬الموصل‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭. ‬ويقول‭ ‬رجل‭ ‬الدين‭ ‬الذي‭ ‬يضع‭ ‬قبعة‭ ‬بنفسجية‭ ‬ويرتدي‭ ‬ثوبا‭ ‬أسود‭ ‬بأطراف‭ ‬حمراء‭ ‬‮«‬نواجه‭ ‬ضغطا‭ ‬هائلا‭… ‬الأب‭ ‬الأقدس‭ ‬ليس‭ ‬كأي‭ ‬شخصية،‭ ‬إنه‭ ‬يمثل‭ ‬دولة‭ ‬وكاثوليك‭ ‬العالم‮»‬‭.‬

وسيتنقل‭ ‬البابا‭ (‬85‭ ‬عاما‭) ‬بسيارة‭ ‬مكشوفة‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬لم‭ ‬يستقر‭ ‬فيه‭ ‬الأمن‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭.‬‭ ‬ويصف‭ ‬ميخائيل‭ ‬التحضيرات‭ ‬ب»المهمة‭ ‬صعبة‭. ‬الكل‭ ‬سيحاول‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬البابا‭… ‬ويجب‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالتنقلات‭ ‬والزي‭ ‬الرسمي‭ ‬وكتابة‭ ‬البيانات‭ ‬بدقة‭ ‬تامة‭ ‬والدعوات‭…‬‮»‬‭. ‬ويشير‭ ‬الى‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬ملعب‭ ‬رياضي‭ ‬مناسب‭ ‬أو‭ ‬كاتدرائية‭ ‬لإقامة‭ ‬قداس‭ ‬بابوي‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬نينوى‭ ‬التي‭ ‬ولد‭ ‬فيها،‭ ‬مشيرا‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬‮«‬14‭ ‬كنيسة‭ ‬مدمرة‭ ‬،‭ ‬سبع‭ ‬منها‭ ‬تعود‭ ‬للقرون‭ ‬الخامس‭ ‬والسادس‭ ‬والسابع‮»‬‭. ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الكنائس،‭ ‬كاتدرائية‭ ‬مسكنته،‭ ‬وهو‭ ‬اسم‭ ‬مسيحية‭ ‬شهيدة‭ ‬في‭ ‬القرون‭ ‬الأولى،‭ ‬وكان‭ ‬رئيس‭ ‬أساقفة‭ ‬الموصل‭ ‬يرتادها‭ ‬برفقة‭ ‬أهله‭ ‬في‭ ‬صغره‭… ‬تغطيها‭ ‬اليوم‭ ‬حجارة‭ ‬وركام‭. ‬أما‭ ‬كنيسة‭ ‬القديس‭ ‬شمعون‭ ‬الصفا‭ ‬‭(‬القديس‭ ‬بطرس‭) ‬فمليئة‭ ‬بأكياس‭ ‬قمامة‭.‬

فسيفساء‭ ‬رائعة‮»‬‭ ‬

وفي‭ ‬بلد‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬فيه‭ ‬خلايا‭ ‬جهادية‭ ‬مجهول‭ ‬مكانها،‭ ‬يرى‭ ‬ميخائيل‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬شهادة‭ ‬هندسة‭ ‬في‭ ‬التنقيب‭ ‬عن‭ ‬النفط‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يقرر‭ ‬اعتناق‭ ‬الكهنوت،‭ ‬أن‭ ‬‮«‬كل‭ ‬مسؤول‭ ‬أمني‭ ‬سيكون‭ ‬بحالة‭ ‬توتر‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬زيارة‭ ‬البابا‭. ‬أما‭ ‬هو،‭ ‬فستكون‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬يلتقي‭ ‬بها‭ ‬البابا‭ ‬فرنسيس،‭ ‬إذ‭ ‬سبق‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬التقاه‭ ‬في‭ ‬روما‭.‬

ويؤكد‭ ‬ميخائيل‭ ‬أن‭ ‬زيارة‭ ‬البابا‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬المقرر‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيام‭ ‬‮«‬مهمة‭ ‬جداً‭ ‬لجميع‭ ‬العراقيين‮»‬،‭ ‬مشيرا‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬كفسيفساء‭ ‬رائعة‭ ‬متعددة‭ ‬الألوان‭ ‬ومتكاملة،‭ ‬لهذا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُجزأ‭ ‬الى‭ ‬أجزاء‭ ‬طائفية‭ ‬للأسف‭ (‬كما‭) ‬يحدث‭ ‬اليوم‮»‬‭. ‬ويؤمن‭ ‬رئيس‭ ‬أساقفة‭ ‬الموصل‭ ‬بأن‭ ‬البابا‭ ‬فرنسيس‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬نسج‭ ‬هذه‭ ‬الروابط،‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬البلاد‭ ‬حيث‭ ‬تتواجد‭ ‬عشرات‭ ‬الأقليات،‭ ‬عبر‭ ‬‮«‬كلمات‭ ‬قوية‮»‬‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬‮«‬مباركته‮»‬‭ ‬و»دعمه‭ ‬المعنوي‮»‬،‭ ‬مؤكدا‭ ‬بأن‭ ‬ذلك‭ ‬ممكن‭ ‬لأن‭ ‬هناك‭ ‬‮«‬تغيرا‭ ‬في‭ ‬العقليات‮»‬‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الخلافات‭ ‬بين‭ ‬المجموعات‭ ‬الدينية‭ ‬والعرقية‭ ‬قائمة‭.‬

ومن‭ ‬المقرر‭ ‬أن‭ ‬يزور‭ ‬البابا‭ ‬مدينة‭ ‬أور‭ ‬الأثرية‭ ‬حيث‭ ‬ولد‭ ‬النبي‭ ‬إبراهيم،‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬العراق،‭ ‬ليؤدي‭ ‬صلاة‭ ‬مشتركة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مسلمين‭ ‬ويزيديين‭ ‬وصابئة،‭ ‬الديانتين‭ ‬اللتين‭ ‬ظهرتا‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬قبل‭ ‬المسيحية‭ ‬بزمن‭ ‬طويل‭.‬

لكن‭ ‬‮«‬الأمر‭ ‬الأهم‮»‬،‭ ‬بالنسبة‭ ‬الى‭ ‬رئيس‭ ‬أساقفة‭ ‬الموصل،‭ ‬هو‭ ‬‮«‬زرع‭ ‬الفرح‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬كل‭ ‬الناس،‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬ليست‭ ‬بروتوكولية،‭ ‬إنها‭ ‬روحية‮»‬‭.‬

مشاركة