رئيسان .. وكتاب مُسْتقوى عليه

705

رئيسان .. وكتاب مُسْتقوى عليه

فؤاد مطر

بيني وبين كثيرين من إخواننا الكرد صداقات وجولات من المناقشات حول الموضوع الأساس وهو: ما الأفضل للشعب الكردي: دولة مستقلة أم كيان له كل مقومات الدولة الحاضنة للجميع؟ وعندما إرتأى الأخ الرئيس مسعود بارزاني أن يتوج تاريخه ونضاله بإنجاز يهديه في الدرجة الأُولى إلى روح والده الملا مصطفى، فإنه كان بذلك يحاول تحدي المحاذير مطْمَئناً إلى أنه ما دام الشعب في الجناح الكردي من العراق يؤيد ذلك فلا بد أن تتفهم الولايات المتحدة ودول أوروبا عموماً وكذلك روسيا وإيران ذلك وتبارك السعي الذي بدأه الأخ مسعود.

كما لا بد لهذه الدول من تقوية عزيمة الدولة الكردية المستقلة ومساعدتها مالياً وعسكرياً.

ما لم يُحسب له حساب أن الدول الكبرى وبالذات الولايات المتحدة تقف مع الشعب الكردي في شخص قيادته ضـــــمن حدود مرسومة، أي بما معناه تُوظف الموضوع كورقة في إستراتيـــــجيتها بالنسبة إلى المنطقة، إنما لا تحبذ الحل الطموح الذي يتطلع إليه حليفها مسعود بارزاني.

ذلك أنها إذا سارت في موضوع دولة كردية مستقلة في شمال العراق(كما حال دولة جنوب السودان) فهذا يعني أخْذها بصيغة الدولة الفلسطينية المستقلة. وحيث أن الدولة هذه تعني بداية النهاية للصراع العربي – الإسرائيلي فإنها لا تحبذ، لأن المباشرة بإنهاء الصراع يعني فقدان الولايات المتحدة ورقة ضغط ومساومة على الدول العربية وبالذات مصر ودول الإقتدار النفطي المالي. وهذه ورقة تُمسك بها الإدارة التي إنتهت بيديْ الرئيس دونالد ترامب ومستشاره زوج إبنته الذي عدا كونه يهودياً فإنه محسوب على الجناح الأكثر إنحيازاً لمصلحة إسرائيل في اللوبي اليهودي (ايباك) داخل الولايات المتحدة. عملياً كانت الدولة المستقلة التي أرادها مسعود بارزاني باتت قائمة بحكم نتائج الإستفتاء. لكنه قيام معنوي مادام لا إعتراف من أميركا ودول العالم بها، فضلاً عن أن الحكم العراقي وجد نفسه مصطفاً إلى جانب إيران وتركيا ليس فقط في عدم الإعتراف وإنما المزيد من التصعيد لتبهيت العملية الإستفتائية التي جرت ومن دون أن تشوبها شوائب.

خلاصة القول إن الإستفتاء الذي جرى من حيث النتائج كما من حيث صيغته الحضارية والدستورية أخذ مكانه في سجل التطورات الدولية والصيغ الدستورية وإتجاهات الرأي العام. وهذا أمر لا  جدال فيه.

وتلك خلاصة لمبتدى الخطوة ومنتهاها قمتُ ككاتب ومؤلف بتجسيدها تحليلاً وتوثيقاً وسرداً للوقائع وبكل تجرد في كتاب، وأمضيتُ الكثير من التفكير في شأن عنوان له يجسِّد حقيقة ما جرى ويكون في الوقت نفسه بمثابة وقفة من التأمل العميق من جانب الأخ الكردي الذي ما أن عاش بداية الحلم حتى وجد نفسه في خضم الكوابيس. وأعتقد أن عنوان الكتاب “الكردي المخذول. رواية الدولة السراب في الوطن المستحيل” تعكس الحقيقة. عند صدور الكتاب في بيروت أرسلتُ النسخة الأُولى منه التي أنجزتْها المطبعة إلى رئيس الجمهورية العراقية الدكتور فؤاد معصوم مرفقة برسالة ولقد رد مشكوراً على التحية وعبارة الإهداء بمثلها مبدياً إرتياحه للكتاب فكرة ومضموناً. ثم أرسلتُ النسخة الثانية إلى الرئيس مسعود بارزاني في أربيل مع عبارة إهداء تليق بمكانته، مرفقة برسالة تقدير. وأما النسخة الثالثة فذهبت وبالطريقة نفسها إلى رئيس الحكومة نيجيرفان بارزاني.

وفي رسالتي إليه أبديت الرغبة في أن أقيم في اربيل وبرعايته حفل توقيع للكتاب.

وإستغربتُ كيف أن الرئيسيْن مسعود ونيجيرفان لم يردا على الرسالة لكل منهما كما لم يبعثا بتحية رداً على الإهداء الخاص من جانبي كمؤلف لكل منهما، وعلى نحو ما فعله مقدَّراً من جانبي كثير التقدير فؤاد معصوم.

وهذا تقليد معمول به على خاصية الإحترام المتبادَل. ربما المشاغل وربما ضغوط الذاكرة حالت دون الأخذ بصيغة الرد على التحية بمثلها أو بأحسن منها.

لكن الذي لم أتوقعه وكان موضع إستغرابي هو التعامل الرسمي مع كتاب  هدفه  تجسيد ما جرى كي لا يتوارى في عالم النسيان.

بعدما بدأت تصل في بيروت إستفسارات من بعض إخواننا الكرد حول كيفية الحصول على الكتاب فإن “الدار العربية للعلوم” وجدت في دورة “معرض اربيل الدولي للكتاب” من 4 إلى 14  نيسان 2019 فرصة مناسبة لمَن يريد الحصول على كتاب “الكردي المخذول” الذي هو أحد نتاجها. الذي لم أتوقعه وكان موضع إستغراب هو أن السلطات الكردية المعنية طلبت من المسؤول عن جناح الناشر سحْب الكتاب وإعادة النُسخ إلى الصناديق لأن ثمة قرار بمنعه.

لماذا الذي حدث كان موضع إستغرابي الشديد، فلأن الكتاب لمصلحة العقل السياسي الكردي ولأنه بالنسبة إلى المواطن الذي شارك في الإستفتاء عمل تنويري يعرف من خلاله إذا هو قرأه وإحتفظ به الممكن من الخفايا في دهاليز لعبة الأمم في القضية الكردية وكيف أن إرادة أصحاب اللعبة المتلاعبين تتقدم على الأماني الوطنية للشعب الكردي. وإلى ذلك إن من يُجري هذا الإستفتاء المبهر والحضاري لا تجاز له الخشية من كتاب ليس فيه ما يخدش كرامة الكردي، بل بالعكس إنه في المحصلة النهائية يتفهم ظروفكم وأمانيكم وخيبة آمالكم. ومع ذلك مُني بجرح المنْع.

فكانت حاله كما حال الشاعر الكردي فقي تيران القائل ” أنا مَن تكالبت عليه الهموم.. أنا مَن جرحه القهر”. وأختم بالآية الكريمة :وإذا حُييتم بتحية فحيّوا بأحسن منها أو ردوها”.

ويا أيها الرئيسان العزيزان: مسعود ونيجيرفان.

ما هذا كان المتوقع منكما. لا تحية بأحسن منها. وأما الرد فكان الإستقواء على كتاب لمصلحة قضيتكما. هدانا جميعاً إلى سواء السبيل الذي يقينا الخذلان.

مشاركة