رؤية عقلانية لنيجيرفان بارزاني في زمن الأزمات والتوازنات الصعبة

نوزاد محمد مصطفى

أربيل

منذ توليه رئاسة إقليم كردستان، العراق رسّخ نيجيرفان بارزاني مكانته بوصفه أحد أبرز القادة السياسيين في العراق والمنطقة، عن طريق نهجٍ سياسي عقلاني ومتزن، قائم على البراغماتية والانفتاح، ومرتبط برؤية استراتيجية تُدير التحديات لا بالتصعيد، بل بالحوار والشراكة. لم يكن حضوره محصورًا في الإطار الكردي أو العراقي فقط، بل تمدد إلى الفضاء الإقليمي والدولي، ما جعله فاعلًا سياسيًا موثوقًا به على مختلف المستويات.

منذ البداية، أكّد بارزاني أن إقليم كردستان يجب أن يكون شريكًا حقيقيًا في الحكم داخل العراق، لا كيانًا تابعًا ولا معزولًا. وقد تبنّى مقاربة تستند إلى التمسك بالدستور كمرجعية لحل الخلافات العالقة مع بغداد، سواء المتعلقة بالموازنة، أو ملف النفط، أو توزيع السلطات والموارد. تجنّب التصعيد الإعلامي والمناكفات السياسية، واختار بدلًا من ذلك التواصل المباشر، واللقاءات الرسمية التي تحقق نتائج عملية.

وقد أصبح من المعتاد أن يُنظر إلى تحرّك نيجيرفان بارزاني نحو بغداد كإشارة على بدء مرحلة جديدة من التفاهمات، بما يعكس مكانته كصاحب قرار مسؤول، يعلي مصلحة الإقليم من دون الدخول في رهانات عبثية.

واحدة من أبرز سمات سياسة نيجيرفان بارزاني الخارجية هي القدرة على إدارة علاقات متعددة الاتجاهات من دون التورط في محاور أو خصومات، عبر سياسة واقعية قائمة على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل، وتغليب المصالح المشتركة. وهو نهج ظهر بوضوح إبان الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، حين واجه الإقليم اتهامات متكررة من طهران بوجود نشاطات إسرائيلية على أراضيه.

في تلك اللحظات الحساسة، تحرّك نيجيرفان بارزاني باتزان. أجرى اتصالًا هاتفيًا مباشرًا مع مسؤولين في القيادة الإيرانية، ناقش فيه الاتهامات والتداعيات الأمنية المحتملة، وأكّد التزام الإقليم بعدم السماح باستخدام أراضيه منصة لأي تهديد إقليمي. وقد تزامن هذا الاتصال مع خطوات ميدانية عملية، منها ضبط نشاط الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة على الحدود، كإجراء وقائي لمنع أي تصعيد عسكري، وحماية المدنيين والبنية التحتية.

لكن علاقاته مع طهران لا تعني اصطفافًا سياسيًا على حساب العلاقة مع تركيا أو غيرها؛ بل يحافظ على قنوات شراكة راسخة مع تركيا، وعلى تواصل مستمر مع العالم العربي، وفي المقابل، عزّز من حضور إقليم كردستان على الساحة الدولية عبر علاقات استراتيجية متينة مع الاتحاد الأوروبي.

لقد نجح بارزاني في توسيع شراكات الإقليم الأوروبية بوساطة زيارات رسمية ولقاءات مع قادة أوروبيين، ركّزت على دعم الاستقرار، والتنمية الاقتصادية، وملفات الطاقة. وبرز حضوره في المحافل الأوروبية كصوت معتدل ومسؤول، يقدّم نموذجًا مختلفًا للقيادة الكردية في الشرق الأوسط، بعيدًا عن الأدلجة أو التوترات.

هذه السياسة متعددة الأبعاد جعلت من كردستان نقطة التقاء بين الشرق والغرب، بدلًا من أن تكون ساحة تجاذب جيوسياسي. وبات الإقليم يُنظر إليه كـ شريك موثوق به في ملفات الأمن، والطاقة، والهجرة، ومكافحة الإرهاب، وهي قضايا تحظى بأولوية لدى الدول الأوروبية.

داخليًا، اعتمد نيجيرفان بارزاني سياسة قائمة على الحوار واحترام التعدد، بعيدًا عن التخوين أو الإقصاء. فحتى ضمن الساحة الكردية المتنوعة سياسيًا، سعى إلى تهدئة التوترات وتوحيد الخطاب، مؤمنًا بأن الانقسام الداخلي يُضعف الموقف التفاوضي الكردي على المستويات الوطنية والدولية. وقد تجلّى هذا في خطاباته، وتغريداته التي تدعو باستمرار إلى السلام والتسامح والتعايش، مثل تغريدته في ذكرى عاشوراء التي حملت رسائل إنسانية تتجاوز الاصطفاف الطائفي أو السياسي.

ما يميز نيجيرفان بارزاني ليس فقط كونه رئيسًا منتخبًا لإقليم كردستان، بل كونه رجل دولة يُدير ملفات معقّدة بعقلانية هادئة. حضوره في لحظات الأزمات لا يكون مجرد تموضع سياسي، بل تحرك فاعل على الأرض، يوازن بين المتطلبات الأمنية والمواقف الأخلاقية، وبين المصالح العليا والاعتبارات الإقليمية.

نهجه القائم على الحوار، والانفتاح، والتواصل المباشر، مع حرصه على توسيع الشراكات الإقليمية والدولية من دون التورط في محاور، جعل منه صوتًا عقلانيًا في بيئة تعجّ بالتطرف والانقسام. وقد أثبتت التجربة أن هذا النهج ساعد في تجنيب الإقليم الكثير من الأزمات الأمنية والسياسية التي اجتاحت الجوار.

في عالم تتسارع فيه الأزمات، وتتشظّى فيه المواقف، يظهر نيجيرفان بارزاني كنموذج قيادي استثنائي في الشرق الأوسط: رئيس لا يصنع أعداء، بل يبني توازنات، وسياسي لا يلوذ بالشعارات، بل يتحرك بالحلول. لقد رسّخ موقعه ليس فقط كقائد لإقليم كردستان، بل كصانع توازنات إقليمية، وشريك موثوق على الساحة الدولية.

في ظل التحديات المركّبة التي تواجه العراق والمنطقة، يبدو أن صوت الاعتدال الذي يُمثله نيجيرفان بارزاني ليس مجرد خيار سياسي، بل ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار، ولبناء مستقبل يستند إلى الشراكة، لا على الصدام.