رأفة بالتاريخ- نواف شاذل طاقة

466

 

رأفة بالتاريخ

نواف شاذل طاقة

 

ما من أمة في العالم إلاّ ومرت عبر تاريخها بنكبات وانتكاسات، وما من شعبٍ إلاّ وقد شعر في لحظات من حياته بالخذلان، وربما بالخجل من احداث مرت به، إلاّ أن ثمة شعوباً عظيمة تصفح وتتغاضى فتضع أخطاءها وراءها وليس أمامها، بعد أن تتخذ من عثراتها دروساً. الامم العظيمة لا تنكل بتاريخها، بل تبحث عن العتبات المضيئة فيه كلما كان الظلام دامساً، وتأخذ بيد المتعثرين من أبنائها تماماً كما تأخذ الأم الحنون بيد أي من ابنائها اذا ما تعثرت خطاه. أذكر في محاضرة استمعت اليها في طوكيو قبل نحو ثلاثين عاماً، القاها باحث متخصص في الشأن الياباني، قال فيها إنه في أعقاب الحرب العالمية الثانية والهزيمة القاسية التي منيت بها اليابان، والصدمة والإهانة اللتين تعرض لهما المجتمع الياباني، صدر كتاب في طوكيو تحت عنوان “الكتاب الاسود”، على ما اذكر، دوّنَ فيه كاتبه، وكان على ما يبدو يابانياً مثقفاً، كل ما كان يعرفه عن الانتكاسات التي مرت بها بلاده، والاهانات التي تعرضت لها، والمحطات السوداء في تاريخها، بل حتى العادات والممارسات المخجلة في مجتمعه. لم يتضمن الكتاب، حسب المحاضرة، أية اكاذيب أو تلفيقات أو حتى مبالغات، بل قدم وصفاً أميناً لمحطات مظلمة في تاريخ بلاده. لكن المثير هو رد فعل المجتمع الياباني حيال الكتاب؛ لم يتعرض اليابانيون للكاتب بأي أذى، ولم يشتموه، بل قاطعوا الكتاب، ورفضوا التحدث إلى مؤلفه، وبلغ الامر بهم أنهم لم يردوا على تحيته في الشارع إذا صادفهم، حتى اضطر إلى مغادرة اليابان ليعيش في منفاه الطوعي. استذكر هذا الكلام وأنا أرى البعض ينبشون في تاريخ الأمة بمعول الكراهية والانتقام، وآخرين يتبرعون بكل سخاء بمواقف مجتزأة من التاريخ تعمق الشرخ في مجتمعاتهم، أو كتابأً يتناولون احداثاً تاريخية من زوايا عقائدية ضيقة يمكن أن تدين بلادهم وترتب عليهم وعلى احفادهم ديوناً وتبعات لا يعلم بحجمها إلاّ الله!!

مشاركة