ذوو الإحتياجات الخاصة وكبار السن

303

راضي النداوي

الغاية

تسليط الضوء على شريحتي ذوي الأحتياجات الخاصة وكبار السن والمعاناة التي يواجهونها في حياتهم وهل قامت الدولة بواجبها الذي ألزمت به في الدستور تجاه هاتين الشريحتين .

وسبب دمجنا لهاتين الشريحتين في بحث واحد هو لتلازم الحالتين من الناحيتين الأجتماعية والأنسانية .

يروي الكاتب المسيحي اللبناني جورج جرداق رواية نقلاً عن صديق له قائلاً ( كنت في أحد البلدان الأوربية التي تسعى في تحرير الأنسان من العوز والفاقه وويلاتهما ،  قلت لوزير معارف ذلك البلد : نحن العرب سبقناكم أكثر من ألف عام إلى أدراك حقيقة المجتمع الطبقي التي تعملون أنتم االيوم على توضيحها . قال الوزير الأوربي : وكيف كان ذلك ؟ قال : منذ بضعة عشر قرناً قال الأمام علي بن أبي طالب ما رأيت  من نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حق مضيع . فأجابه الوزير الأوربي : أنما نحن أفضل منكم ،  لأن أعرابياً منكم أكتشف هذه الحقيقة منذ بضعة عشر قرناً وأنتم ما تزالون في مظلمة أجتماعية ،  فيما طبقناها نحن قبلكم ،  فأنتم متأخرون عنا بضعة عشر قرناً في هذا المعنى ) (1) .

وفي مجال حقوق الأنسان وضمان بناء مجتمع تصان فيه كرامة الأنسان ،  فأن سيد الحكماء الأمام علي بن أبي طالب سبق أعلان حقوق الأنسان ببضعة عشر قرناً ،  وفي ميدان بحثنا هذا سنذكر ما نفتتح به الباب للولوج إلى معاناة هذه الشرائح الأجتماعية . حيث يذكر لنا الرواة بأن الأمام علي بن أبي طالب كان يمشي في سوق الكوفة هو ومجموعة من صحابته فشاهد رجلاً كبير السن يتسول في وسط السوق ،  فسأل أصحابه : ما هذا ؟ فأجابوه :- أنه شخص مسيحي كان حداداً يصنع السيوف وعندما كبر سنه توجه لأعالة نفسه عن طريق التسول . فأجابهم الأمام :- لم أسألكم من هذا ؟ أنما سألتكم ما هذا ؟ هل يجوز أن يكون هناك متسولاً في حكومة علي بن أبي طالب ،  ألا تعلمون بأن علينا رعاية كبار السن وصرف رواتب شهرية لأعالة أنفسهم من بيت مال المسلمين (أي من خزينة الدولة). وكان الأمام علي بن أبي طالب عندما يعين والياً على الأمصار (الدول)يزوده بكتاب فيه توجيهات في كيفية أدارة الدولة التي سيذهب اليها .. وأليكم ما جاء في توجيهاته إلى مالك الأشتر الذي عينه الأمام والياً على مصر آنذاك قائلاً (الله … الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم والمساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمنى فأن في هذه الطبقة قانعاً –  ومعتراً –  محتاجاً –  وأحفظ الله ما أستحفضك من حقك فيهم ،  وأجعل لهم قسماً من بيت مالك –  والمقصود بيت مال المسلمين –  وقسماً من غلات صوافي الأسلام في كل بلد –  أي قسم مما يرد من الضرائب –  فأن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى . وكل قد أسترعيت حقه . فلا يشغلنك عنهم بطر فأنك لا تعذر بتضييع التافه لأحكامك ،  ولا تصعر خدك لهم –  أي لا تتكبر عليهم –  وتفقد أمور من لا يصل منهم ممن تقتحمه العيون ،  وتحتقره الرجال –  أي أولئك المعوقين من ذوي الأحتياجات الخاصة الذي يأبى الناس الألتفات أليهم بسبب تشوه خلقي أو لأي سبب آخر –  ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع –  أي يتم تفريغ بعض المسؤولين عن نقل أخبار هؤلاء المعاقين وإيصال المساعدات اليهم –  ليرفعوا أمورهم أليك . ثم أعمل فيهم بألاعذار إلى الله تعالى يوم تلقاه . فأن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الأنصاف من غيرهم . وكل فأعذر إلى الله تعالى في تأدية حقه أليه)(2)  أليست هذه حق وثيقة حق الضمان الأجتماعي للطبقات الضعيفة في المجتمع . والغاية من أيراد (قصة المتسول المسيحي)و (جزء من عهد الأمام علي إلى واليه على مصر مالك الأشتر)هو أن نوضح بأن ألارث الأنساني حفظ لعلي بن أبي طالب هذه المآثر الأنسانية التي سبق فيها الآخرين بمئات السنين في :-

1- حقوق الأقليات التي يجب أن ترعاها الدولة .

2- حقوق كبار السن في الرعاية الأجتماعية .

3- حقوق ذوي الأحتياجات الخاصة بالرعاية الأجتماعية .

وبهذه المقدمة سنذهب إلى الوقوف على معاناة شريحتي كبار السن وذوي الأحتياجات الخاصة .

وثيقة حقوق الأنسان وحقوق ذوي الأحتياجات الخاصة وكبار السن  عند الأطلاع على الأعلان العالمي لحقوق الأنسان لم نجد فيه ما يشير إلى رعاية حقوق هاتين الشريحتين إلا أذا أستثنينا هذه العبارة من الديباجة (ولما كان تناسي حقوق الأنسان وأزدراؤها قد أفضيا إلى أعمال همجية أذت الضمير الأنساني). وسنحاول أن نقحم الأعلان بميدان بحثنا هذا فنقول قد تكون المادة (4)من أعلان حقوق الأنسان قد تعني ولو من بعيد بشأن هؤلاء   (لا يجوز أسترقاق أو أستعباد أي شخص ويحظر الأسترقاق وتجارة الرقيق بكافة أوضاعها)(3) . وهذا يمكن أن نجري عليه مقاربة ليشمل أسترقاق كبار السن وذوي الأحتياجات الخاصة في التسول من قبل عصابات منظمة أو من قبل عوائلهم .

دستور جمهورية العراق لعام 2005

1- المادة (30)ثانياً –  من الدستور العراقي أشارت نصاً إلى (تكفل الدولة الضمان الأجتماعي والصحي للعراقيين في حال الشيخوخة أو المرض أو العجز عن العمل أو التشرد أو اليتيم أو البطالة . وتعمل على وقايتهم من الجهل والخوف والفاقة وتوفر لهم السكن والمناهج الخاصة لتأهيلهم والعناية بهم . وينظم ذلك بقانون) .

2- المادة (32)من الدستور أشارت نصاً إلى (ترعى الدولة المعاقين وذوي الأحتياجات الخاصة وتكفل تأهليلهم بغية دمجهم في المجتمع وينظم ذلك بقانون).

3- المادة (37)أولاً –  ج –  ثالثاً –  من الدستور العراقي ما نصه (يحرم العمل القسري \ السخرة ،  العبودية ،  تجارة العبيد –  الرقيق – ،  ويحرم الأتجار بالنساء والأطفال ،  والأتجار بالجنس)(4) .

ومنذ أن صدر الدستور وحتى الآن ،  ماذا نفذت الدولة وهل هناك رعاية فعلية تتماشى مع نصوص الدستور والأمكانيات المادية التي حبا بها الله العراق ،  فهل الدولة رعت هؤلاء المساكين من أبناء الطبقة الضعيفة كما قال سيد الحكماء الأمام علي بن أبي طالب كما ذكرنا آنفاً .

المعاقون وذوي الأحتياجات الخاصة

1- أن أسباب العوق في العراق تعود أما لأسباب تتعلق بالولادة (زواج الأقارب)أو (الوراثة)أو ناتجة عن الحروب التي زج بها النظام السابق البلد أو لأسباب أخرى كما سنذكرها أدناه :-

أ- أسباب تتعلق بزواج الأقارب مما ينجم عنه أحياناً ولادات المعاقين .

ب- أسباب تتعلق أحياناً بالوراثة .

ج- أسباب تتعلق بما خلفته الحروب التي خاضها النظام السابق حيث خلفت :-

أولاً- معاقين بسبب الأصابة أثناء الحرب .

ثانياً- معاقين بسبب ما خلفته الأسلحة المستخدمة على البيئة وعلى البشر بحيث تعددت حالات ولادات مشوهة خلقاً كنتيجة لهذه الأسلحة المحرمة دولياً والتي أستخدمت ضد العراق من قبل الدول التي خاض العراق حروباً معها .

ثالثاً- معاقين بسبب أنفجار الألغام أو القنابل غير المنفلقة أثناء الحروب وما بعدها ولحد الآن (كما سيرد ذكره تفصيلياً). د- نتيجة للعمليات الأرهابية التي قامت بها المنظمات الأرهابية والمليشيات المسلحة من مفخخات وسيارات ملغمة وعبوات ناسفة وأنتحاريين (5) .

2- يعتبر (تجمع الرافدين للمعاقين)أكبر تجمع يخدم المعوقين ويتكون من منظمات وجمعيات وأشخاص حيث أن مثل هذا التجمع يمنع تشتت جهود الجمعيات الصغيرة أو الأشخاص الذين يعملون بجهد فردي وفي محافظات مختلفة أو في مناطق صغيرة من الناحية الجغرافية . لهذا فأن توحدهم في هذا التجمع غايته أعلاء صوتهم ليكون مؤثراً وأفكارهم وأصواتهم ذات نتائج ستؤدي إلى مكتسبات كبيرة ستخدم المعوق لبناء حياته بكرامة وأمل .

3- يضيف السيد فاخر الجمالي رئيس تجمع الرافدين في مقابلة مع جريدة البينة الجديدة في 11\3\2012 بأن التجمع يعمل على :-

أ- رفع قدرات المعوق وبكل الأتجاهات .

ب- المشاركة بالمؤتمرات الوطنية والخارجية التي لها علاقة بالتجمع وحضور الندوات والمحاضرات وورش العمل التي ترفع من شأن أداء المعوق .

ج- هناك لجان داخل التجمع للمرأة والطفولة والشباب والرياضة والتأهيل والتدريب والتطوير . كما أن هناك لجنة للصم والبكم .

د- الحصول على الأموال لتمويل نشاطات التجمع من مصادر رسمية وغير رسمية على شكل تبرعات وكذلك من الأشخاص الميسورين أو على مواد عينية .. ويتأسف السيد الجمالي من الميسورين من العراقيين للأسف الشديد لم يساهموا بدعم التجمع بينما قامت وزارة النفط دعمت مادياً المتعففين من المعوقين .. وساهمت قناة الشرقية الفضائية بتقديم مبالغ مالية كمساعدة لعلاج حالات عوق شديد وكذا ساهمت وزارة الشباب والرياضة بتقديم (50)كرسياً متحركاً .. وبنفس الأتجاه ساهمت وزارة حقوق الأنسان بمساعدة مالية للأنفاق على ورشة عمل .. ولم يتم فتح قنوات للأتصال مع المنظمات الأنسانية العالمية للحصول على مساعدات للمعاقين العراقيين (7).

ة- من المنظمات الأنسانية العراقية هناك جمعية المحبة تابعة للكنيسة قدمت مستلزمات تساعد المعوق على تنقله لقضاء أموره الخاصة ومساعدات أخرى مختلفة لا يمكن للتجمع أن ينساها .

و- حقق التجمع مكاسب مهمة جداً في مجال :-

أولاً- أقامة ورش عمل تعليمية وثقافية .

ثانياً- أقامة معارض تخصصية تشكيلية .

ثالثاً- رحلات ترفيــــــهية للمعاقين .

ز- أهم وأبرز أنجازات التجمع وبدعم من السيدتين (لامعة الطالباني)وهي ناشطة بالدفاع عن حقوق المعوقين وكذلك الدكتورة (أنتصار خضر الجبوري)النائبة في البرلمان في لجنة المرأة والأسرة والطفولة حيث تم الدفع بأتجاه أقرار قانون الهيئة الوطنية لذوي الأعاقة والمصادقة على أتفاقية رعاية المعوقين الدولية . وقال نشط التجمع في هذا المجال من خلال المشاركة بجلسات أقامها البرلمان ولجانه وحضور الندوات الخاصة بذوي الأحتياجات الخاصة (8) .

4- المعاق العراقي رجلاً كان أو أمرأة طفلاً أو شاباً مفعم بالأمل ومتمسك بالحياة ويسعى إلى الأنخراط في المجتمع كأنسان سوي ،  وهكذا تجد أن الكفيف يعمل في التدريس ،  وفاقد القدمين موظف أو موظفة بالدولة وهكذا الآخرين ولكن بالمقابل هناك حالات بالضد من ذلك بالكامل وهذا يتحمل أسبابه الدولة والأسرة (9) .

5- الباحث الدكتور شامل القيسي يقول (أثبتت آخر الدراسات التي قامت بها وزارة الصحة وبالتعاون مع منظمة المعوقين الدولية وخبراء من وزارة العمل والشؤون الأجتماعية أن عدد المعوقين في العراق أكثر من مليون شخص تتراوح درجة أعاقتهم بين العجز الكلي والمحدود ووفق هذه الأحصائيات :-

أ- عدد معوقي الحرب (43، 600)شخص .

ب- عدد المبتورين (100، 000)شخص .

ج- عدد المكفوفين (100، 000)شخص .

د- عدد المهددين بالعمى وضعف البصر (205، 000)شخص .

وهذا غيض من فيض المعاقين العراقيين . وأضاف بأن عدد ضحايا الألغام بلغ (14، 000)في السنوات الماضية (10)  .

6- (25) مليون لغم في العراق تحتاج كلفة التخلص منها إلى مبلغ (12)بليون دولار ،  يقول هاشم مظلوم الزبيدي مسؤول دائرة العلاقات في دائرة شؤون الألغام التابعة لوزارة البيئة العراقية بأن عدد ضحايا الألغام يبلغ (800، 000)معاق .. هذا العدد للألغام بأستثناء المقذوفات غير المنفلقة . تنتشر هذه الألغام في ساحة  (1730)كيلو متراً مربعاً وتنعكس آثارها على نحو (6، 1)مليون شخص يعيشون في (1600)منطقة ويمثلون   (21 بالمئة)من سكان العراق و (90 بالمئة)من الأراضي الملوثة بالألغام هي أراضي زراعية أو تحوي على حقول نفطية مكتشفة أو غير مكتشفة (11) .

7- يحاول منتسبو تجمع الرافدين للمعاقين أن لا يكونوا بعيدين عن لعب دور في العملية السياسية من خلال أتخاذ مواقف معبر عنها بالتظاهر والتجمع السلمي ،  كما حصل يوم الأحد 10\6\2012 حيث قاموا بتظاهرة يطالبون فيها السياسيين بأن يتوحدوا ويتركوا التنافر فيما بينهم ويلتفتوا إلى هموم الناس ومنهم المعاقين ويعملوا لخدمة هؤلاء الناس الضعفاء والمساكين بدلاً من المناكفات السياسية (12) . علماً بأن هذه التظاهرة قام بها فرع التجمع في محافظة ميسان –  مدينة العمارة  .

8- كما يساهم تجمع الرافدين بفتح دورات تعليمية لذوي الأحتياجات الخاصة بالتنسيق مع وزارات الصحة ووزارة العمل والشؤون الأجتماعية كما حصل يوم 24\4\2012 في مقر التجمع حيث أقام التجمع دورة لتعليم لغة الأشارة للصم وبحضور بعض أعضاء مجلس النواب الذين وعدوا المشاركين خيراً بدعم ونقل مطالبهم إلى البرلمان (13) .  معاناة ومطالب المعاقين

1- الكثير من المعاقين من المصابين من جراء الأعمال الأرهابية يشكون من عدم الأهتمام بهم من قبل دوائر الدولة وخاصة بالنسبة للتعويضات وتزويدهم بالأجهزة المناسبة (14) .

2- أعداد كبيرة من المعاقين ممن فقدوا اليد أو الرجل أو كلتاهما بسبب الحروب أو التعرض للألغام القديمة أو العمليات الأرهابية ،  وهؤلاء يحتاجون إلى الأطراف الأصطناعية ،  حيث أن الدول التي يعاني أبنائها من هذا النوع من العوق أقامت صناعة متقدمة وأسعارها خاصة ماتسمى بالزكية غالية الثمن ،  ولهذا فأن أبناء العراق من المعاقين من حقهم الحصول على هكذا أطراف لتساعدهم على الأندماج في المجتمع وأداء دورهم في بناء بلدهم (15) . 3- تعامل دوائر الدولة والمجتمع مع المعاق وكأنه عالة على المجتمع ولا دور له ،  مما يسبب له حالة من الأحباط والشعور بالنقص تجاه ذاته على حد تعبير الدكتورة نسرين الشمري (باحثة نفسية)في مقابلة معها في جريدة المستقبل (16) .