ذكريات عن أيام مفعمة بالشعر

ذكريات عن أيام مفعمة بالشعر

   وليد الصراف

 نظرت في ساعتي قبل الدخول , دخلت -أنا الطالب الذي لم أتم السابعة عشرة -غرفة مدير النشاط المدرسي في شأن يخص مسابقة الاعداديات للشعر, كانت الموصل غضرة وآفاقها رحيبة واعدة تنبّه مانام من طموح, وكان خرير دجلة الذي يجري غير بعيد كركرات طفل وكل سروة على ضفتيه كاعبا هيفاء تزينت بالاخضر لشاعر سيتغزل بها بعد أعوام طوال ,سألني أن أقرأ مطلع قصيدتي ليتأكد أنني من كتبها ثم قال لي انني متاثر بمفردات من المنهج الدراسي أصبحت قديمة ولاأذكر بماذا أجبته فهي مفردات من المعلقات وليس من المنهج ربما قلت له انني أخشى عليها من الانقراض فقال ولكنك تعيش في القرن العشرين وترتدي القبعة -كنت اعتمر قبعة- وسألني من هم شعراء الموصل وحين وصلت الى اسمه  قال هل تعرف معد الجبوري هل تعرفني؟ وقال هل تكتب الشعر الحديث فقرأت له :اتسلق أشجار الحنظل كي أقطف عنقود الاشواك

أغطس في قاع البحر وابحث عن مفترسات الاسماك

أخرج من داري في ليل تتراشق فيه برعد الموت الاجواء

أهرب من مقصورة قلبي أقصد وديانا تحتيه

لأفرّق بين أوار النار وبين الماء

فانبسطت أساريره واطراني وطلب ان اقول له اسمي الثلاثي ففوجىء انني ابن محمود فوزي الصراف جاره الشاعرفي المحلة القديمة  الذي كان طالبا في الجامعة عندما كان هو في المتوسطة يبدأ محاولاته الشعرية الاولى والذي يحفظ له بيتا قرأه في مجلة المعلم الجديد لاياقطار الدجى رحماك لاتسر اني تركت حبيب الروح في سفري .سألني لمن تقرأ من الشعراء الشباب وكنت قد قرأت وحفظت وقتها قصيدة كافكا والمصعد لسامي مهدي في افاق عربية او الاقلام فقلت له سامي مهدي فقال نعم وحميد سعيد وقال راجعني متى احببت وان كنت مشغولا انتظر حتى أفرغ وخير وقت هو هذا الوقت حيث كان الدوام يشارف على الانتهاء ..كان هذا اللقاء الاول مع معد الجبوري الاداري الناجح والشاعر الذي اعارني ديوانه للصورة لون أخر استاذي في العربية يوسف البارودي والذي حفظت له:حذار ان تغادروا السقيفة لست أنا الخليفة ومقاطع من بطاقة الى السيدة المجرية ومن قصائد أخر حتى اذا  أصبحنا أصدقاء أهداني دواوينه كلها فيما بعد تباعا, مشهد النشاط المدرسي له جذور في ذاكرتي لايمكن اقتلاعها .وأنا أهمّ بالحديث عن معد الجبوري لاأعرف كيف أبدأ ونحو أيّ صوب أطلق مهرة الكلام ,صوب المديح أم الرثاء أم الوقوف على الاطلال , وتتوالى الايام ويترك كرسيه في النشاط المدرسي الى كرسي مدير التلفزيون, والكرسي يصنعها النجار من الخشب ذاته الذي يصنع منه التابوت ولكن الانسان هو الذي يملؤها ويبعث فيها الحياة وكثير من الناس ومنهم رؤساء دول كانت علاقتهم بالكرسي علاقة جثة بتابوت ولكنني أشهد أن كل كرسي جلس عليه معد الجبوري أصبحت تنبض بالحياة وأشهد أنه كان ذا فضل على الكثيرين وأنا احدهم في أنه عرّف وكان مخلصا في التعريف بهم .كان يعرف تماما ان محبرته ليست هذه التي على مكتبه بل تلك التي يكتب بحبرها قصائده وتتوالى الايام ونتركها تتوالى لنقف عند شعره الذي يسير ضد عقارب الساعة أو معها سابقا أو لاحقا بها لنقول انه دخل الوسط الادبي من النوافذ على حد تعبيره هو وانّ مجلة الآداب البيروتية هي التي عرّفت به ونعود للزمن الذي يتوالى ويهدينا أوجاعه تباعا لاقول أنه حين أصبح مديرا للمجمع الاذاعي والتلفزيوني سجل لي ولصديقي المرحوم محمد البياتي قصيدتين ونحن في  أول التخرج بطلب منه ثم حوّلت بعد ذلك الطائرات المبنى الى أطلال فانتقل الى مكان آخر قريب من (كباب السوري) ,أية مفارقة أننا نعّرف الثقافة بالمطعم وليس العكس ولانقول مثلا قرب المتحف الحضاري بل المتحف الحضاري نفسه نعرّفه بالمطعم  , هذا هو زمننا وهذه هي هويته ,سافرت معه مرات الى بغداد ومحافظات أخرى والتقيت به في مستشفيات عملت بها وفي أمكنة شتى أصبح بعضها أطلالا ,قرأت له ٌوقرأ لي وكان دائما أخي الكبير وصديقي الأثيربيد اني لم ارفع الكلفة معه وظل ظل اللقاء الاول وفارق السن حائلا, قلت في البدء انني لاأعرف الى أي غرض يجري بي مهر الكلام وهاهو يمر من ديار من المديح مديح شعر معدالجبوري ومضارب من الهجاء للزمن أو الرثاء لمافات منه ويمر بأطلال أقف بهامستوقفا من يقرأ سطوري هذه , والمشكلة كما سبق أن قلت أن الطلل في زمننا هو ليس الدخول فحومل حيث أقوت الدار من نعم ودرست وغيّرها هوج الرياح فالطلل اليوم يقف أمامك منتصبا بسمنته وحديدة بينما تكون أنت قد تهدمت أنت أصبحت طللا ,لقد نظرت في ساعتي وأنا أدخل مكتبه أول مرة وها أنا أنظر في ساعتي الآن لاكتشف ان خمساً وثلاثين سنة قد مرّت, هل مرت خمس وثلاثون سنة أم أنّ أحدا يمزح ؟لالم يمزح أحد لقد مشت السنين والسنين اذا مشت تترك آثارها على الوجه تجاعيد وفي الجبين غضونا وفي الشعر شيبا وان ارتبتم اسألوا أقرب مرآة, لقد مشت السنين وشاخت مدينتنا وشخنا معها ,تجعّدت بناياتها ووانحنى ظهر سروها وأصبح خرير دجلة الطفل سعال شيخ مسن وسار فيها الخريف تتقدمه طبوله الصامتات ولكنه اذا وصلت طبوله وراياته الى كل مكان فانّ ثمة قلعة منيعة لايستطيع الوصول اليها ,انها الطفولة. بهذه الطفولة القلعة نواصل الحياة ومن ابوابها نرسل الحاضر الى أمصار الماضي ليعود بالاحداث السابقة سبايا عليها سلاسل الذكريات, والذكريات التي تركها معد في حياته وفي شعره مضيئة لاكمصباح ينفد زيته ولكن كنجم يشع من الازل حتى الابد واشهدكم اننا رغم الزلازل التي ضربتنا والعواصف التي اجتاحتنا والتي لو اجتاحت جبلا لأوشك أن يميل لم يمت الطفل الذي في داخلنا والدليل اجتماعنا اليوم لنلعب لعبة الذكريات مع معد الجبوري والذكريات كالمدامة كلما تعتقت أكثر أثملت أكثر وكم هو قاس أن اتساقى معكم هذه الكؤوس أنتم ندماءه وهو غائب بكل مايجر الغياب من ذيول, والعزاء ان معد الجبوري يلعب معنا لعبة الاختفاء التي يسميها الاطفال في الموصل (المختبويي) فهو يغيب ليفاجئنا باطلالته من بيت شعري كتبه أو ألقاه او من مشهد مسرحي مثّل له . لقد قلت له في تكريمه ايها الطفل الذي بلغ عمره من الوقاحة بحيث تجاوز الستين .ومشت السنين حتى بلغت به السبعين وزاد نتاجه كمّا وابداعا وكان يماشي المرض الملم به ويتخطاه .كنت قد الححت عليه -وهو والاستاذ عبد الوهاب اسماعيل-أن يكتبا عن مهرجان ابي تمام الذي أقيم في الموصل عام 1970 وتألق فيه البردوني والقباني والفيتوري فكتب ذكرياته عن المهرجان وضمّها الى كتابه المهم عن ذكرياته الذي صدر قبل ثلاثة أعوام وقبل وفاته بيوم اتصل بي هاتفيا وكان مريضا ليطلب مني دواء لـ(شهقة) تعاوده ,وكان من المقرر أن نزوره في ذلك اليوم فقلت ان الدواء قد يتعارض مع ماوصفه له طبيب الباطنية وانه لابد ان يكون على علم ثم قال لي أنه كتب عني في الجزء الثاني من ذكرياته وكانت هذه آخر الكلمات التي سمعتها منه ,اذ لم يشأ الله أن نزوره ,في صباح اليوم التالي اتصل بي الاستاذ حارث ابنه لينقل لي الخبر .

اذن رحل معد وكان ضجرا متبرما في أيامه الاخيرة بفعل المرض وبفعل الظروف التي مرّت بالمدينة.. رزئي به كبير كمن يصحو صباحا فيسمع ان دجلة توفاه الله او ان باشطابيا سقطت او احيل البيبون على التقاعد او فرضت الاقامة الجبرية على القمر الموصلي في المحاق ,رحل في زمن تغرق المدينة فيه بالدم والدمع ويحاول الطب نفسه ان يلملم جراحه ويتطبب من امراض المّت به ,رحل معد مقفلا دواته على حبرها تاركا لدموعنا أن تكتب قصيدته الاخيرة..

مشاركة