ذكرياتنا في جمهورية اليمن الديمقراطية (1) – نبيل يونس دمان

ذكرياتنا في جمهورية اليمن الديمقراطية (1) – نبيل يونس دمان

غادرنا دمشق فجر 20/ 10/1983 وكان في وداعنا الصديق دنخا البازي، وفي نفس اليوم وصلنا الى اليمن. عندما هبطت الطائرة التي اقلتنا في مطار عدن الدولي، واتجهنا نحو قاعة الاجراءات الروتينية، لاحظت شيئا ً غريبا ً عند غالبية الموظفين العاملين هناك. حيث رأيت احدهم وفي خده انتفاخ، فقلت مع نفسي ان له مشكلة في اسنانه، واستغربت حالته النفسية الجيدة وابتسامته وحديثه، والاكثر من ذلك قيامه بعمله الرسمي متجاوزا ً آلامه، تكررت تلك الحالة مع غيره وعددهم امامي في تزايد، ففكرت ان في المسألة سرا ً ما، اذ لا يعقل ان يكون جميعهم ملتهبي الاسنان، وهم في مكان عمل حساس كالمطار.

سلامة الوصول

استقبلنا الاخ رشاد( ابو علي) وهنأنا على سلامة الوصول، فبادرته بالسؤال عن قصة هؤلاء المنتفخي الخدود، المتوردي الوجنات، والملتمعي العيون. فقال وابتسامة عريضة ترتسم على وجهه الاسمر ” يا صديقي الم تسمع بالقات؟ ” فقلت” يا الهي انه القات ، ذلك النبات الذي سمعت به في اواسط السبعينات، من معلم في بلدتي المتواضعة في شمال العراق” ، وفي وقتها لم اصدق ابن جلدتي واكثر الجالسين في مجلسه، والان أراه بنفسي، وسأعيش مع قصصه والاحاديث الشيقة حوله لسنوات عدة، ساروي لكم ما بقي عالقا ً منه في ذهني.

اشجار القات تنمو في اليمن ويقال انها نقلت اليه من الحبشة قبل اكثر من مئة عام، ان جو اليمن وخصوصا ً في المناطق الوسطى الجبلية يلائم تلك الاشجار، كما ويلائم الجو ذاته لنمو اشجار البن (القهوة) الشهيرة تاريخيا في اليمن. تجمع اوراق تلك الاشجار على شكل ربطات بحجم كف اليد، وتعبأ مجاميع منها في اكياس سميكة مفتوحة، وترش بالماء بين الحين والاخر، للحيلولة دون جفافها اثناء نقلها عبر عشرات الاميال الى اسواقها المحلية ، لتحتفظ بطراوتها ونضارتها. في كل مدينة وقرية هناك سوق القات، يجلس الباعة وامام كل واحد كشيدة( يشماغ ) او خرقة مبللة بالماء تحوي نحو 40- 50 شدة( ربطة) . يتميز سوق القات بالحركة الواسعة والتزاحم وصخب الرجال، وفي وجوههم ألَق الانبساط والسرور،  الحديث في فترة الثمانينات عندما كانت حكومة اليمن الديمقراطية الشعبية قد حددت تعاطيه في يومي الخميس والجمعة والاعياد فقط، فيما حرم دخوله الى محافظة( حضرموت) . عندما كانت المشاهرة( الراتب) في حدود 1000 شلن كانت( شَدة) القات تباع من 50 الى 100 شلن والتسعيرة حسب المواسم وحالة العرض والطلب في السوق.

من انواع القات: اليافعي، الضالعي، الردفاني( نسبة الى جبال ردفان التي انطلقت منها ثورة 14 اكتوبر عام 1963) الرداعي ، الصنعاني  والعودي وغيرهما . هناك نوع اوراقه اكبر حجما، كان ياتي في السابق بالطائرة من اديس ابابا. ومن المعلوم ان دول الخليج تحرم دخوله اراضيها، وتكثر زراعته وتعاطيه في بعض الدول الافريقية مثل اثيوبيا، الصومال، كينيا، وجنوب السودان.

بعد ان يشتري الرجل حبة( ربطة) او حبتين او اكثر حسب امكاناته المالية، يتوجه الى جلسة القات في البيوت او السوق او الاماكن العامة او المَخْدَرات (مخيم تقام فيه حفلات الزواج) ، والذي تصدح فيه الموسيقى السريعة ويحصل(باللهجة اليمنية يقع) اللعب (الرقص) الجميل وعلى انغام ( دان وا دان دانه) ، فيفترش الارض متكئا ً على وسادة عالية، ويبدأ بقطع اوراق القات وتجريدها من غصيناتها الناعمة. يضع كمية منه في فمه ويشرع بمضغها وامتصاص عصارتها ، ثم يبدأ بزيادتها وخزنها لفترة طويلة فينتفخ احد جوانب فمه، وهو في تلك الحالة يستطيع الحديث او تناول قليل من السكر اذا كان النبات مرّا ً، وتتحرك كل عضلات وجهه وجبهته، وبين فترة واخرى يشرب الماء او الشراب( كوكا مثلا ً) ، ليقاوم تيبس حلقه، وهو في تلك الجلسة المحببة ، لو سأله احد عن حاله ، لما تحمل عناء الاجابة، بل يحرك يديه علامة الرضا والانشراح البالغ الذي هو فيه، وكأنه احسن انسان في الدنيا بل قل ملكا من الملوك.

جلسة القات مهمة جدا في اليمن، حيث يتحلق الرجال في مجلسه، ليتناولوا اخطر المواضيع وكثيرا ما كانت قيادة البلاد تجتمع في جلساته، وان الكاتب والصحفي والفنان يتناول قلمه ليكتب او يخطط او يرسم وهو في جلسة القات. في بداية التخزين تكون المناقشات والاحاديث متشعبة وعلى اوجها يشارك فيها الجميع بحماس، وتدريجيا تتباطأ الى ان يسود الجو صمت تام بعد عدة ساعات من بدء الجلسة . يستحيل ان يحدث خلاف بينهم، بل بالعكس يحدث انسجام رائع، ويشعر الشخص بنشوة وصحوة كبرى اي يصبح في حالة تفوق حالته الطبيعية، وخلال تلك النشوة تختفي مشاكله ، وتنبسط عنده اكبر العقد والمسائل المستعصية، فيبني قصورا ً في الهواء، وفي السياسة فانه قادر ان يحل جميع مشاكل العالم ، وسط الانشراح والخيالات اللذيذة.

ثانوية زنجبار، الطلبة مع المربية كفاح سليمان اودو عام 1985

ان مفعول القات بعكس الخمر، فهو ينبه الشخص فيفتح عيونه جيدا ً، وعند الانتهاء من التخزين فانه لا يستطيع النوم ابدا ً لساعات اخرى طويلة. كثير منهم يؤدي اعمال دقيقة يعجز عن ادائها اثناء النهار مثل تصليح الراديو والتلفزيون والمكائن. بعضهم يكون امامه طريق طويل للسياقة (12) ساعة مثلا ً، فيقضي تلك الساعات مع القات مغالبا ً نعاسه وشاحذا ً كل حواسه في الطريق.   في اليوم التالي لا يستطيع ان يبكر الى عمله ويبقى راقدا ً ساعات طويلة، ولطالما طرقت ابوابهم فلا يسعهم فتحها لكائن من كان. وعندما ياتي الى عمله يكون مزاجه متعكرا ً، ومصاب بالاحباط في كل مشاريعه التي بلغت ذروتها في الليلة السابقة.

لا يستطيع المُخزّن ابطال( فسخ) مفعول القات بسهولة، ولكن في جنوب اليمن كان الخمر متوفرا ً، فيشرب بعض الاشخاص منه ليعودوا الى النوم الطبيعي. للقات مفعول رائع عند المتزوجين حيث يمدهم بطاقة اضافية، لكنه يبعدهم في الايام التالية….. وتلاحظ بعض النسوة يوفرن الجو المناسب لعملية التخزين ، فيكون الرجال في مكان منفصل مع جلسة القات، والنساء في مكان آخر يتبهرجن ويتزينن ويضعن  المكياج  ويخضبن ، ويبخرن فتنبعث الروائح الزكية من تلك الملابس الخفيفة الزاهية….. وهناك بعض النسوة يخزنّ القات كما الرجال لكنهن قلة في اليمن ، ويزداد عددهن في البلاد (الارياف).

للقات مضار عديدة وابرزها الناحية المادية، وكم نشرت رسوم كاريكاتيرية في اليمن الديمقراطية سابقا عن مساوئ القات، وعن شخص متربع عرش التخزين واولاده حوله جياع . كان الرئيس علي ناصر محمد يعلن مرارا ً رغبته في محاربة القات، ويقترح قلع اشجاره وزرع اشجار البن والحمضيات بدله. لكن هيهات لتجار القات والمنتفعين منه، وقسم يصل نفوذهم الى كبار المسؤولين، فيجهضوا اية محاولة من ذلك القبيل.

للقات مضار صحية عديدة، منها التهابات الفم وتساقط الاسنان فالذي يفقد اسنانه يلجأ الى طريقة تجفيف اوراق القات وتحويلها الى مسحوق يمضغه في فمه، ويؤدي القات الى آلام شديدة في المعدة والامعاء والى( الامساك) ، وكذلك من الجلسات الطويلة يكثر عندهم الباصور والزائدة الدودية. يظل الشعب اليمني الطيب تواقا ومتطلعا ً، الى اليوم الذي يجتث فيه القات وتنتهي معه مشاكله، وآثاره الاقتصادية والاجتماعية والصحية.

أشهر ممتدة

تحكم الظروف ان يغير الانسان منزله او بلدته، ولكن ان يغير بلده فتلك مسالة اعمق وتاثيرها اشد. ذلك ما حصل معنا، فقد ساقتنا الاقدار الى بلاد اليمن السعيد في اقصى جنوب الجزيرة العربية، ولنبقى فيها فترة امدها سبع سنوات. كانت ضيافة اليمن لنا رائعة ففي البدء توفر لنا الامان التام والحرية، بعد فترات سابقة من القلق والتوتر والانتقال من مكان الى اخر. كان الجو المحيط بنا هادئا، بسيطا ، وقريبا من الطبيعة التي تبلغ قسوتها اشد ما يكون في اشهر الصيف الممتدة من اذار وحتى تشرين الاول، حيث الرطوبة العالية والتي اشبه ما تكون بالشرجي في البصرة ولكن بنسب مضاعفة . هناك فرق في المناخ بين بلدنا الذي خلقنا فيه، وبين اليمن الذي تتنفس فيه هواءً مشبعا ً بالرطوبة ورمل الصحراء، ذلك ما شعرنا به حال وصولنا اليها، وقد كان ماء العاصمة عدن عالي الملوحة، تذوقناه لاول مرة في بيت احد العراقيين المقيمين فيها( منطقة خورْ مَكسَر) .

ثم كان نصيبنا ان ننتقل الى المحافظة الثالثة( أبيـــن) التي استقبلنا في عاصمتها( زنجبار) كما يحلو لليمنيين تسميتها ، من قبل عوائل عراقية سبقتنا الوصول الى ذلك المنفى الجديد، وكل واحد يروي قصة هروبه من الوطن الى دول الجوار او دول اوربا الشرقية، ثم الاستقرار النسبي في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية آنذاك بتوجهها الاشتراكي.يروى ان شخصا حضرمي (من حضرموت) اسمه الوحش جاء للعمل في أبين، فاغتنى كثيرا ً وفي مدة قصيرة، فحمل ما اكتسبه في احمال عبر قافلة من الجمال، وعندما كان يجتاز احد الوديان( وادي حسـّان) في طريق عودته الى اهله في حضرموت، اجتاح الوادي فجاة السيل( الدفر) ، فغمره

واغرق القافلة بحمولتها، فيما استطاع صاحبنا النجاة بنفسه، فتمعن في حالته وهو لا يملك شيئا، فنظر خلفه باتجاه أبين حزينا، وانشد قائلا ً:

أبيـــن أرطب وأليــــَـن

ارض الحاس والحسحاس

والظلم الشديد

لا حيها سالي ولا ميـّتها شهيد

شابها مَعلول وشاجـِعها مقتول

اذا تزرع ذهب ما تقضي حاجة

شرها للأذنين وخيرها للحجلين

مشاركة