ذكرى تتجّدد وأحزان تتحّول إلى إبداع – حمدي العطار

852

عام على رحيل زميل الصحافة

ذكرى تتجّدد وأحزان تتحّول إلى إبداع – حمدي العطار

نعم  كنا نعلم بإنك سوف ترحل بعيدا، وهو قدر مكتوب على كل انسان، لكن فقدان شخص عزيز علينا، نجلس ونتناقش ونضحك معه  ليس سهلا، لم تكن مجرد صديق نقضي معه الوقت والواجب الوظيفي في الجريدة بل كنت شعلة ثقافية وقامة ادبية تضيء لنا دروب الابداع والمعرفة واسرار العمل الادبي في مجال الصحافة، مرت سنة على رحيلك صديقي رزاق وما زلت أعزي روحي بغيابك، وفي هذه الذكرى تتجدد احزاننا، لكننا تعلمنا منك ان نكون اقوياء ونحول الحزن كما هو الفرح الى ابداع ومنجز ادبي. لذلك سوف اتناول في هذه الذكرى رزاق شاعرا وليس رزاق الناقد وكاتب السيرة الذاتية او الصحفي المتمرس أو الرحالة الذكي قوي الملاحظة والمشاهدة.

رزاق إبراهيم (شاعرا)

هناك شاعر يظلمه مجتمعه الذي يعيش فيه، ورزاق كشاعر  قد ظلم من قبلنا حتى نحن اصدقائه ومحبيه فلم نجد فيه الا ادبيا يكتب النثر والمقالات الادبية والثقافية، وقد يكون تواضعه في مجال الابداع هو سببا لهذا الاهمال، حتى ذلك اليوم الذي قدم لي ديوان شعر كنت اعتقد بإنه يطلب مني ان اكتب عرضا او نقدا عنه، واذا به يقول هذا ديواني الشعري الاول بعنوان (اسرار قراءة الطريق) الصار سنة 1972 اصابتني الصدمة والمفاجأة ، يعني انت  تكتب الشعر من عام 1972 وبالتأكيد قبلها بسنوات ونحن لا نعرف عنك هذه الخصلة تأتي لي بعد 50 سنة تقدم لي ديونك الاول هدية يا لك من ظالم لنفسه ومنصف للاخرين ، ابتسم الراحل ، ابتسامته الطيبة، ليسلم لي ديواناً آخر بعنوان (في مطلع كل صباح) سنة الاصدار 2011 وديوان ثالث بعنوان (أنا أحد غيري) سنة الاصدار 2011  عندها صرخت بوجهه (تريدني اتخبل واشك هدومي)!

واول ما قرأت اهداء الديوان الاول (اسرر قراءة الطريق) ” الى أبي.. الذي لم يمنحني اي شيء سوى ألم الولادة الذي أستطعت بواسطته قراءة اسرار الطريق” لم اتمالك نفسي ! حتى ذهبت عنه بعيدا وانا اردد ، كيف لم اعرف بإنك تملك روح شاعر وقلب عاشق، عن هذه القصائد وغيرها سيكون كلامنا كرثاء لصديقنا الراحل رزاق في ذكرى عام على وفاته.

رزاق وقصيدة النثر

بعد هذه الواقعة كان لي حديث وحوار مع الشاعر رزاق حول قصيدة النثر على الاخص عندما اسلمه قصائد يكتبها أبني(مازن)  لتنشر في جريدة الزمان وكانت تعجبه هذه القصائد ويبدي ملاحظاته القيمة عن قصيدة النثر، او كما يحب ان يطلق عليها رزاق بإنه النثر الشعري او الشعر الحر وفي احدى المرات قال  لي هل تعلم بمصطلح (القصيدة الصحافية) قلت له : انت رزاق تحول كل شيء الى الصحافة (النقد الصحفي او القصة الصحفية) واليوم تقول لي (القصيدة الصحفية)  الا تتفق معي ان للشعر لغته الخاصة وللصحافة لغة اخرى ؟رد علي مبتسما : انت لا تعترض على رزاق بل تقف بالضد من نزار قباني صاحب هذا المصطلح (القصيدة الصحافية) ويبدو هو يقصد ان الصحافة بلعت كل الاجناس الادبية بما في ذلك الشعر!

توصيف شعر رزاق

على الرغم من ان التاريخ يسجل لرزاق ريادته في مجال النثر والنقد والكتابة الثقافاية الصحفية ، فقد اهمل اصداره ثلاثة دوايين شعرية ، اتصفت بالتنويع واحيانا بالغموض والايحاء والتخييل:

“لو كنت استطيع أن أراك يا فرات \ نفضت حتى المهد\ ثم استويت قاطعا للنهد\ اختطف الريح من الانفاس \ افترش الموت، اسوي اللحد\ صارية تغتصب القاع من البحار\ تقاتل الجياع في مواسم السفر\ تلغم حتى الصمت والوسادة\ بالشك والاحزان والضجر\ تقيم ما بيني وبين الرعد\ خطيئة ترجمني بالحجر المضيء\ من سرها، اطلع في عاصفة . أضيء”من ديوان (أسرار قراءة الطريق) ” من قصيدة ” اعترافات غريق في يقظة النهر” تنتمي هذه القصيدة الى الحداثة ، ونلتمس التماسك والتجانس في الصور الشعرية وفي لغته التي تحتوي على البلاغة اللفظية.

حياة خالصة للشعر

في ديوانه الثاني (أنا أحد غيري) يبدو ان رزاق بدأ بمراجعة نفسه كشاعر فهو يقول (كان علينا أن نزرع الأيام شعرا…ون نكرس كل العمر لها…فقد استقبلنا القصيدة شريكة حياة منذ عمر مبكر، واستقبلنا كل الاشياء بعيونها ونظراتها، وصاحبتنا باختيارها الجميل في مسيرة حافلة بالتحديات والانشغالات التي امتلك بعضها مواقع الشركاء، وأخذنا إليه هذا البعض في ممارسة النقد والعمل الصحفي، بحكم الاضطرار والاحتياجات الآنية، ونطمح ان نستعيد ما أضعناه وخسرناه ، وقصرنا به من عنفوان الشعر وبداياته الاولى، وأن يكون الشعر الأنا والغير، وتكون هذه المجموعة  (أنا احد غيري) التي تصدر بعد سنوات طويلة من صدور مجموعتي الاولى(قراءة اسرار الطريق)  هي خطوة متقدمة على الطريق المؤدي لذلك، فما اروع الشعر من حياة وما اروع حياة خالصة للشعر”

القصائد في هذا الديوان تعد تحدياً لأن اللغة فيها تعبر عن خلاصة قراءته للمعرفة ومحفوظاته الكثيرة وفهمه الدقيق لكل ما تفتحت عليه عيناه ، فنجد وحدة الموضوع وجمال الافكار وعمق المضمون، وهي قصائد من الشعر الكلاسيكي :

“كأنني فيك محمول على أحد

غيري، كأن يدي شدت إلى وتد

كأنني في حصار منك: يبعدني

عني، ويرفعني من غير مستند

يهوي بصوتي لقاع لا قرار له            ويطفئ الضوء في عيني وفي خلدي

كأنني فيك محمول على قدر

أسير بلا وجه ولا رشد

إذا تعبت من الأصوات تصنع من       نعاسها نومك الممتد فوق غدي

وان ظمئت إلى ماء فأن فمي

على سرابك غير الرمل لم يجد

وغير وهمك تأتي السخريات به         مبعثرا في خواء موحش وصدي

وان تصور فيك الجوع ملتهما

ما يحمل العمر من زا د ومقتصد

حملتني واصطفيت اواقفين على ال      ابواب، لم تلق غير اليأس والكمد

ورحت تطلب من اصدائهم ضفة للبحر يغريك ما يرميه من زبد”من قصيدة أنا أحد غيري”

نلاحظ الجوانب الفلسفية في في هذه القصيدة وكذك القصائد الاخرى في الديوان التي جمعت بين قصيدة النثر والقصيدة الكلاسيكية ، وتوضح القصائد ان للشاعر رزاق رؤية فلسفية ورأي حر وكلمة صادقة.

قصائد للوطن

في ديوانه الثالث (في مطلع كل صباح)  كان الاهداء للوطن، وفيها رزاق الشاعر يستعيد أشياء جملية يحبها “استعيدها بهيئة مدينة، أو امرأة أو صديق حميم، أو قصيدة ، او نزهة في افق مفتوح، أو أستعيدها مجتمعة أو منفردة في حلم يضيء لي طريق المرور عليها، وتعقب بعض الامال المشعة منها، والصورة التي تجمعني بها وهي صورة وطن.. فالى هذا الوطن الرحيب الجميل اهدي هذه القصائد التي تتحسس وتتلمس النفائس، املا أن تظل عيوننا مفتوحة بك اتساع الدهر ورحابة الزمن على يومه الزاخر بالابادع والحرية والمسرات” يكتب رزاق الشعر بهذا الديوان بلغة الناس فقارئ شعره يشعر انه يقرأ المألوف والمعتاد من اساليب التعبير

“ما كانت شبحا\ بل رسمت فوق سقوف الدار أصابعها\ كانت في مطلع كل صباح \ تستيقظ قبل الابناء وقبل الاحفاد\ تخلع عنها الأثواب السود\ وتنتزع الجلد المتغضن\ وتسير الجدة في الاصوات، وفي الأشياء\ وتصلي في صوت مسموع \ تتعمد ان تحدث اصوات عالية في الخطوات\ وتروح تدق على الغرف الأبواب\ تدق الجدران \ صارخة في صوت مرتفع : يا اولاد\ قد كان النوم طويلا\ فلماذا تتداعى الأجساد\ في نوم يتساوى فيه الليل مع الفجر؟!

بعد سنين وسنين \ قال الشيخ الأصغر من كل الأحفاد\ اذ كنت صغيرا\ وأنا بين اليقظة والنوم \  شاهدت الجدة عند طلوع الفجر\ توقد نارا\ وتعد فطورا\ وامتدت مائدة ساخنة\ وسمعت الجدة صارخة: يا أولاد\ قد حان فطور الصبح \ لم ينهض أحد\ ورأيت المائدة الزاهية الألوان \ تاخذ الوانا داكنة\ ويغطيها الثلج\ وتجرفها الريح الرملية في النسيان”  قصيدة “في مطلع كل صباح”

هنا تنهمر الكلمات كالماء السلسال وهي تنبع من وجدان الشاعر مما  يدل على بساطته الانيقة في غير غلو واسراف ووصوله الى المعنى من أيسر طريق.

رزاق – رحمه الله- ينتزع من السنة الناس  الكلمات ويسكب عليها ماء شاعريته .

مشاركة