ذاكرة علي ناصر محمد

1053

ذاكرة علي ناصر محمد

من رفاق الشقة إلى شِقاق السلطة

لطفي نعمان

ثمة اعتقاد بأن أحداث اليمن التاريخية (والمعاصرة المحيرة كذلك!) تعد “أكثر شيء جدلاً”.. من الشخصيات اليمنية المثيرة للجدل، الرئيس الأسبق لجنوبي اليمن علي ناصر محمد، الذي تولى الرئاسة مرتين: يونيو 1978م – ديسمبر 1978م، ثم من أواخر أبريل 1980م حتى يوم 13 يناير 1986م الدامي.

انعكست شخصية الرئيس علي ناصر محمد المرنة والمنفتحة والحيوية على عهده الثاني، مثلما تتسم مختلف العهود اليمنية بشخصيات رؤسائها من طالت أو قصرت مدة استلامهم عهدة السلطة، ويبقى القول الفصل فيهم جميعاً، بذمة التاريخ وأهله المتقين من لا يجرمنهم شنآن قوم على ألا يعدلوا.

لا عدل في أن يبقى مثار الجدل عدم مسارعة تلكم الشخصيات إلى تدوين مذكراتها وشهادتها بشأن الأحداث الأقل والأكثر جدلاً على حد سواء. وقد اختار الرئيس علي ناصر إنهاء الجدل بشأن مذكراته فقدم الحلقة الأولى من سلسلة مذكراته، التي سبق له عام 1995م أن أدلى لصحيفة الحياة ورئيسها السابق غسان شربل بمعلومة حولها أن بلغ عدد صفحاتها 2500 صفحة.. مؤخراً أصدر منها عبر “رياض الريس للكتب والنشر” ما يقارب 800 صفحة من تلك المذكرات شاملة اسم 673 علماً و191 مكاناً، بعنوان “ذاكرة وطن: عدن من الاحتلال إلى الاستقلال”.

“الرئيس المؤرخ” كما يسميه الأستاذ سمير عطا الله، تغلب على “غول الوحدة والفراغ الذي يفترس بعض اللاجئين” حسب وصف ناصر لحال أولئك اللاجئين، فكرس وقته لتدوين ما استطاع تدوينه عن تاريخ ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963م جنوبي اليمن، في 24 فصلاً وخاتمة و7 ملاحق، بدءاً من دخول الانكليز محتلين عام 1839 وعودة اليمنيين من المفاوضات بجنيف مستقلين عنهم 30 نوفمبر 1967م.

ينتظر الناس من السيد علي ناصر محمد الحسني، وما يزال منتظراً (وهو في طريقه) الجزء الثاني الخاص بما بعد الاستقلال، بوصفها المرحلة الأدق والأهم والأزخر بالمنعطفات والمحطات الفاصلة في رحلة بناء الدولة، والتي كان فيها علي ناصر: بشهادة فواز طرابلسي عن “الجنوب اليمني تحت حكم اليسار”: “إدارياً بالدرجة الأولى، رجل الملفات والخدمات يسهر لآخر الليل على هموم الإدارة ومشاكلها، عنده الموقف الموضوعي والحذر في النزاعات. يتسم بالإنصاف. ويتمتع بتقدير عال لكفاءته الإدارية والسياسية كرجل دولة”.

تأرجحت أسهم بناء دولة اليمن الجنوبية بين هبوط مفروض بوجبات الصراع الدوري، وبين صعود مفروض بوضوح رؤية رجال الدولة ومفكري الجبهة القومية الحاكمة ثم الحزب الاشتراكي اليمني الحاكم. بيد أن الوصول إلى قراءة تجربة الدولة اليمنية الجنوبية وطبيعة الصراع البيني وارتباطاته الخارجية بين شيوعيتين ماوية صينية ولينينية سوفيتية والتفتيش عن دوافعه الداخلية الوطنية، لا يتأتى دون إدراك الخلفية التاريخية من تجربة نضال طويل ومسلح (مأخوذ بروح الثأرية القومية وإن اعترض عليه محسن إبراهيم أبرز العرب بأن الوضع القبلي يقدم عصياناً محلياً لا كفاحاً مسلحاً!) ضد الاستعمار والاحتلال، وأدت إلى الاتصال المنسجم مع مختلف أجنحة المعسكر الشرقي.

توصيلاً من الرئيس علي ناصر، بين مرحلتي النضال والاستقلال لم يغب عن ذهنه أثناء تدوين تجربة الكفاح الوطني ضد الانجليز “الأبخل من شايلوك” ودسائسهم السامة، طبقاً لتوصيفه، أن يُثني على الإرث الإداري الذي خلفوه لرجال الاستقلال، قيادة الجبهة القومية ممكناً إياهم من التأسيس عليه، وإن اتضحت بصمة الانكليز في عدن وإهمالهم بقية المحميات.

تأسس أيضاً على تلك المرحلة النضالية افتراق الإرادات السياسية اليمنية بعد الاستقلال، إذ ذهب رجال الاستقلال ودعاته إلى أن يختلفوا ويفترقوا، دون مخالفة لسنة الخلق أن يظلوا مختلفين، لكن الاختلاف المحمود كان أبعد ما يكون عن تلك المرحلة، حيث نعت المختلفون بعضهم بعضاً واقترفوا بحق بعضهم ما باتوا عليه نادمين. بل وسنوا استخدام “الاغتيالات كأسلوب حل للخلافات السياسية فألحقوا ضرراً بالغاً بمسار الحركة الوطنية”، القول لعلي ناصر.

من مظاهر الاختلاف التي أرخها الرئيس مُستنكِراً، تجاهل الجبهة القومية انتفاضة وطنية ضد الانجليز معروفة بانتفاضة الزبيزي، أرجع التجاهل إلى تأييد التنظيم السياسي المغضوب عليه: رابطة أبناء الجنوب العربي (بما له من حسابات غير دقيقة أفقدته الرصيد الجماهيري.. حسب علي ناصر محمد). أقصيت الرابطة وجبهة التحرير من خارطة العملية السياسية منذ استقلال جنوبي اليمن، فغلب الهوى والعداء السياسي على مزية الإنصاف والإخاء الإنساني.

تغليباً للإنصاف، لم يتجاهل ذكر كثير من التنظيمات السياسية الوطنية والمحلية مثل الجمعية العدنية والجبهة الوطنية المتحدة، وكيف كان جهلهم أصول البروتوكول قبل إتقان فنونه، أثناء رحلتهم الأولى إلى مصر وحضور اجتماع الجامعة العربية مع القوى الوطنية جنوبي اليمن المحتل منتصف الستينيات التي يراها  سنوات الحماسة الثورية وفاعلية الناشطين القوميين الوحدويين فيها تعد عوامل تاريخية حاسمة حقاً، بعد خمسينيات الأفكار والخيارات المتصارعة ونشوء أول خلية يمنية للقوميين العرب انضم علي ناصر إلى مؤسسي جبهة “جزائر جزيرة العرب” ومجموعات “نفذ ثم ناقش، فلا وقت للديمقراطية، وانتفاضات الأربعينيات شمالاً وجنوباً بما خلصت إليه من “دروس قاسية”.

دروس أخرى وسمات تطل من كتاب الرئيس الذي عمل مدرساً مطلع حياته، هي تقدير كبار الرواد المناضلين مع احترام آرائهم مهما اختلف مع بعضها، كذلك الانتهال من معلومات مصادر بشرية تعزز رؤيته وشهادته، وإقراره خطايا فصائل العمل الوطني لما لها من تأثيرات سلبت الحركة الوطنية براءتها ورونقها، مع ثنائه على أسماء كبيرة كان لها فضل التأسيس للحركة الوطنية شمالاً وجنوباً، وارتباطه بعدد منهم شهد فيهم مزايا المعارضة دون انفعال والنقد الواعي المدرك الأبعاد والأخطار كالشهيد فيصل عبداللطيف الشعبي.

وفصاحة الأستاذ أحمد محمد نعمان وأحاديثه المستقبلية، وتقدمية محمد سعيد العطار. مرح الرئيس سالم ربيع علي (سالمين) قبل الرئاسة التي أكسبته مهابة ورهبة. ملامح الوسطية والتكييف السياسي لدى عبدالفتاح إسماعيل. مراعاة أحمد الشاعر حساسية القيادات العسكرية إزاء الجبهة القومية. لمعان نجم الحركة النقابية والسياسية عبدالله الأصنج ذي النبرة الساخرة، ومحمد سالم باسندوة بوصفه نموذج المثقف السياسي وحامل المشاعر الودية تجاه الآخرين. مساهمة محمد صالح مطيع في رسم السياسة الخارجية لليمن الديمقراطي مع الدول الشقيقة والصديقة، وبروز مواهبه وذكاءه كأحد أنجح الدبلوماسيين العرب حتى أعدم.

“جمعتنا الشقة ثم فرقتنا السلطة”.. أكثر العبارات تكثيفاً لمآل الصداقة ورفقة النضال، واختصاراً للأسفار الشارحة مأساة الجنوب اليمني، صاغها علي ناصر محمد لدى استذكار قارئ كفه وكف بعض رفاقه بالقاهرة، وصرف لهم المهام والمناصب بين رئاسة ووزارة وإدارة ثم انصرف، وانصرفوا هم عائدين إلى شقتهم، واستطرد يقول: “اختلفنا، واقتتلنا، بل قتل بعضنا الآخر تارة باسم الثورة والدولة، وتارة باسم أمن الدولة وصيانة الوطن، وثالثة باسم الشعب، ورابعة وخامسة باسم اليمين واليسار، أو باسم الخلاف الصيني السوفياتي أو اليمني السعودي”.

مشاركة