ذاكرة شارع الرشيد.. رحلة في المكان والناس

323

ذاكرة شارع الرشيد.. رحلة في المكان والناس

ميثم السراج

صدر عن دار ومطابع الأديب في عمان، للكاتب والمترجم سعدون الجنابي، كتاب بعنوان “رحلة في ذاكرة شارع الرشيد” يقع بـ 190 صفحة من القطع الكبير. وبغلاف زينته لوحة فوتوغرافية بالأبيض والأسود للفوتوغرافي المبدع لطيف العاني.

والكتاب عبارة عن رحلة تراثيَّة وتاريخيَّة وجغرافية لأقدم شارع في بغداد وهو شارع الرشيد الذي شهد الكثير من الأحداث السياسية والتاريخية والفنية والصحفية. وعاش فيه الكثير من النخب الاجتماعية العراقية.

سعدون الجنابي في هذا الكتاب يوثق ذكريات طفولته وشبابه، على خلفية شارع الرشيد، فتتماهى ذكرياته مع معالم المكان، المكان الذي يختصر تاريخ بغداد الاجتماعي والثقافي والسياسي على مدى قرن من الزمن، وكأن البغداديين وضعوا فيه كل ذكرياتهم وأحلامهم.

هو يستذكر كل ذلك بحسرة الحاضر الذي طمس الكثير من معالم هذا الشارع، بل شوّه معناه، وخرّب ملامحه، فهو هنا يحاول أن يطلق صرخات استغاثة من أجل شارع ينتهك تاريخه، مثلما انتهكت معالمه

وقد سجلها مؤلف الكتاب الجنابي بدقة لأنه ابن منطقة المربعة، وفيها تصوير دقيق للعديد من الأماكن التي عاش ودرس في مدارسها وزار مواقعها. كما أشار الى معمارية هذا الشارع وما يضمه من تحف فنية معمارية بعضها اندثر والبعض الآخر ما زال شاخصاً، كسوق الهرج وجامع الحيدرخانة وجامع السيد سلطان علي والسينمات وبناية اورزدي باك، التي تعد أول مول بمعنى المول اليوم، وكان يوفر الكثير من البضائع العراقية والأجنبية لا سيما الانكليزية.

ويتناول المؤلف اليهود وتجارتهم وبيوتهم في شارع الرشيد، وعرج على شارع النهر أو شارع البنات والعرايس حيث كان موئلاً لكل فتاة تتزوج وتتجهز من مستلزمات العرس والزفاف.

 وفي ذكر الاطباء يتحدث المؤلف عن أشهر الأطباء  التي كانت عياداتهم في شارع الرشيد أمثال: توفيق رشدي وهاشم الوتري وسامي سليمان ومكر دانيال وأولاد القيماقجي (احسان واكرم وانور) الذين كانوا أطباء في الاشعة والجراحة والولادة. ولمعان البدري وزليخة الاسدي وعلاء البكري وغيرهم. كما تناول أشهر العمارات في الشارع مثل عمارات (الدامرجي وناجي الخضيري وعبد الكريم الازري والباجه جي وصادق النجفي والراوي. ومسعودة شمطوب). من المحلات المطلة على الشارع يذكر (السور والميدان والقرة غول والحيدرخانة والكولات والعاقولية والطاطران وباب الاغا وجديد حسن باشا وفرج الله وحنون الكبير والمربعة والقشل والتكية والعمار وقهوة شكر  وغيرها).

شربت زيالة

كما تناول القشلة ومبنى الحكومة فيها، وشربت زبالة الشهير الذي يعدُّ من معالم الشارع الذي بقي في ذاكرة البغادة.وعرج على مكتبة مكنزي الشهيرة ودورها في الحركة الثقافية. وتحدث عن سوق الصفافير الشهير الذي كان قبلة للزوار العرب والاجانب، كيف اضمحل دوره حالياً. كما تناول حلاق الزعيم اسطة حسن أبو نعمة الذي كان الحلاق الخاص للزعيم الراحل عبدالكريم قاسم، الذي تتصدر صورته بحجم كبير محل الحلاقة وعليها توقيع الزعيم بخط يده. كما تحدث المؤلف عن خاله “عبدالرحمن الجنابي” تاجر التبغ والسكائر العربية والاجنبية، وصديق الزعيم وتوفي بعد ثورة 14 تموز 1958 وحضر الزعيم وفاته. وعدد ارقام السيارات واسماء اصحابها التي كانت تمر يوميا من شارع الرشيد. وهي سيارة رقم (1) لصاحبها السيد حاج سليم مدير الشرطة العام، وهو والد الفنان الشهير جواد سليم. وسيارة رقم (2) لجورج لمبديني. وسيارة رقم (3) لعلي جودة. وسيارة رقم (4) لنشأت السنوي. وسيارة رقم (5) لفخري الطبقجلي. وسيارة رقم (6) لجميل المدفعي. وسيارة (7) لشهاب الدين الكيلاني. وسيارة (8) لجلال بابان. وسيارة (9) لرشيد عالي الكيلاني.

سعدون الجنابي في هذا الكتاب يوثق ذكريات طفولته وشبابه، على خلفية شارع الرشيد، فتتماهى ذكرياته مع معالم المكان، المكان الذي يختصر تاريخ بغداد الاجتماعي والثقافي والسياسي على مدى قرن من الزمن، وكأن البغداديين وضعوا فيه كل ذكرياتهم وأحلامهم واستودعوا فيه كل أسرارهم، وليس قمرهم، كما رأى ابن زريق البغدادي.. مكان له رائحة طفولته، ومرتع صباه، وصدمة بلوغه، وسرّ شبابه، فاستقر رغم ترحاله، في ذاكرته لايبرحها، أليس هو المكان الأول فحنينه له أبداً، كما يرى ابو تمام.

فتطوف في رأسه جمهرة من النساء البغداديات وهن يتواعدن للذهاب الى السينما، لرؤية الفنان فريد الأطرش والذي يدندنّ أغنياته أثناء إعدادهن للطعام، أو حضور الحفلات الموسيقية في بارك السعدون، أو السادة الذين يسابقون في فن تلاوة القرآن، مثلما تطوف عادات البغداديين وولعهم بالموضة، ومحاكاة نجوم السينما الاميركــية.

مشاركة