ذاكرة المدن حاضرة في نهوضها – إياد العناز

 

إياد العناز

تاريخ المدن الحضارية يصنعه أهلها، ويكون عنوانًا لمسيرتها وتطور الحياة فيها، وتعزيز روح تآلفها وزهو تقدمها وعلو شأنها، وهكذا هي الموصل الحبيبة، الحضن الدافئ لأبنائها والعشق الأبدي لأوفيائها ، والعماد الأساسي لوجودهم واستقلال شخصيتهم.
العمل من أجل تقدم الحدباء الشامخة ودوام تأثيرها لا يتم إلا عبر الأيادي الطاهرة والنفوس الصادقة، التي يتصف بها أبناؤها من المبدعين والمفكرين السياسيين الوطنيين والمثقفين وحملة الفكر الإنساني الكبير والداعمين للرؤية الحضارية والقيم والمبادئ التي تشكل الحاضنة الروحية للمجتمع المدني لها.

الموصل الحبيبة لا تنسى من وقف معها وساندها، ومن وقف ضدها وتآمر عليها، وترفض التبعية والانقياد وتتصف بمواقفها الحرة ونسيجها الاجتماعي المتماسك.
هي المفتاح الرئيسي لاستقرار العراق والمرتكز الأساسي لاقتصاده والوعاء الإنساني الكبير الذي يحتضن جميع مكونات المجتمع بقومياته وأديانه وطوائفه.

حاولوا استهدافها لمعانيها التاريخية ولم يتمكنوا من إسكاتها بفضل إرادتها وتعاضد البناة من أبناء عوائلها الكريمة الذين أسسوا لروح التكافل الاجتماعي والتعاون الإنساني، ووقفت شامخة أمام جميع التحديات والأدوات التي عملت على إحداث أزمات سياسية واقتصادية لإفراغها من محتواها وإطارها المجتمعي والهيمنة على ثرواتها والاستحواذ على مقدراتها عبر تشكيلات حزبية وفئوية، ولكنها رفضت الخنوع والركوع لإرادتهم ومشاريعهم السياسية.

الموصل العنقاء وهي تستقبل العام الجديد بحاجة إلى قيادة مجتمعية موحدة، وطنية الانتماء، صادقة العهد، راسخة القيم، متفانية في عملها، واعية في إدراكها، حريصة على برامجها التنموية المستدامة، عازمة على التقدم وبناء المدينة وإعادة تأثيرها الحضاري الإنساني، بدعم علمائها ومثقفيها وكتابها، فهي المدينة التي كان لها شرف بناء العراق الحديث عبر قادة سياسيين مفكرين واعلاميين عسكريين وفنانيين وشعراء وأساتذة جامعات، ساهموا في بناء الدولة العراقية منذ نشأتها وقيامها.
تتصف مدينة الموصل بشخصيتها الاجتماعية التي لا تقبل الانقياد ومنح الولاء سريعًا، تتسم بالاعتداد بالنفس والكبرياء في التعامل، عاشقة للقانون والحياة المدنية، الإنسان فيها لماح ذكي محب للهدوء، ولكنه أُقحم في أتون أزمات سياسية واقتصادية حاولت إبعاده وتهميش دوره واستلاب صوته الحر، ولهذا فإن من أولويات العمل وجود قيادة ميدانية تقدم برامجها المجتمعية وتؤسس لآلية جديدة وجادة وصولاً لتحقيق العدالة الاجتماعية والسعي لحياة حرة كريمة وغد مشرق.

لا يمكن تحقيق هذه الأهداف الميدانية والغايات الإنسانية إلا بوجود رؤية صادقة تحدد مواقع التغيير الجاد نحو آفاق رصينة تستوعب المرحلة التي يعيشها أبناء المدينة.

فلا يمكّن من قيادة وحب الشعب إلا من احتوى قلبه قضيته واتسم بالفكر الناضج في رؤيته الميدانية للوصول إلى أفضل النتائج التي يعززها العمل المثمرة والمثابرة المستمرة من أجل إسعاد الناس وتحقيق أمانيهم.