ذاكرة الأطلس المنسية في نشيد مزدوج لكرامة الإنسان

عندما يكتب المنسيون بأنفسهم كتابهم وذاكرتهم

 

 

عبد العزيز كوكاس

 

عبدالعزيز كوكاس

 

 

“ميدلت: وجهات حياة، شهادات، معيش وأساطير”، لمؤلفيه محمد مهيب ومجيد بلال، هو عمل توثيقي وأدبي فريد من نوعه، يندرج ضمن ما يمكن تسميته بأدب الذاكرة الجهوية، وهو نص متعدد الأجناس والأنواع، يمزج بين السيرة الذاتية، الأنثروبولوجيا الثقافية، الحكي الشفهي والتأريخ غير الرسمي، في محاولة واعية لاستعادة “مرويات الضفة الأخرى” من المغرب العميق، وتحديدًا منطقة ملوية العليا ومحيط ميدلت.

يتكوّن الكتاب من نصوص موزعة بين المؤلفين، تتخذ شكل فصول، مذكرات، شذرات سردية وتأملات ثقافية، مع مقدمة شديدة الثراء كتبها الناقد السينمائي علي حسن، وخاتمة مشتركة للمؤلفين تضع الكتاب في سياق مشروع ذاكرة جهوية تحاول “مقاومة النسيان”.
“ميدلت، وجهات حياة، شهادات، معيش وأساطير” عمل أدبي وتوثيقي نادر، ينتمي إلى فئة النصوص التي تنحت الذاكرة من الحصى، وتجمع الحكايات المنسية من أفواه الجدات والأسواق والوديان.. هذا المؤلف بيدين المشترك بين محمد مهيب ومجيد بلال، والذي قمت بترجمته إلى العربية رفقة الصديق المترجم سعيد رباعي، هو وثيقة حب وتمرد، تروي سيرة جماعية لجغرافيا أقصتها المركزية السياسية والثقافية: ميدلت وملوية العليا.

البنية الموضوعية والرمزية في “وجهات حياة”

في “ميدلت: وجهات حياة، شهادات، معيش وأساطير”، لا تقتصر التجربة على مجرد استعراض محطات أو وجوه بشرية، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة الحياة ذاتها، وتفكيك تصوراتنا الجاهزة عنها. تتوزع النصوص بين سردٍ لتجارب شخصية وحالات معيشة، وبين تأملات في الهوية، الاغتراب والذاكرة. وتتشكل بذلك بنية موضوعية مفتوحة، لا تُبنى على خطية زمنية أو وحدة موضوع، بل على تواتر الحالات وتنوع وجهات النظر، كما لو أن كل فصل هو مرآة جديدة تكشف زاوية مغايرة للوجود.
يمنح المؤلفان أولوية للإنصات، سواء للذات أو للآخر، ويجعلان من الكتابة أداة ترميم ومساءلة في آن. تظهر رمزية “الوجه” كعلامة على الغيرية والهشاشة، كما أن “الوجهات” تحيل إلى التنقل الدائم، لا بوصفه سفرًا خارجيًا فحسب بل كتحول داخلي يعيد تشكيل الذات. ليست الوجوه ثابتة بل تتحرك عبر الزمن، تتغير ملامحها كما تتغير ملامح الأمكنة والذكريات، مما يضفي على النص بعدًا وجوديًا عميقًا.
تتخلل الكتاب إشارات رمزية متعددة، منها المقاهي، الأرصفة، حقائب السفر، النوافذ، وهي ليست مجرد فضاءات مادية بل رموز لحالات العبور والانتظار والانفصال. وتُستثمر هذه الرموز بحسّ شعري لا يخلو من الحنين والأسى، لتغدو اليوميات أفقًا فلسفيًا، والسيرة جسرًا بين الفردي والجمعي، بين الحميمي والتاريخي.
هكذا، ينجح “وجهات حياة” في أن يكون أكثر من كتاب مشترك؛ إنه نسيج من الندوب والتقاطعات، كتاب يكتب الحياة لا كما تُروى عادة بل كما تُعاش في هشاشتها وتوهجها اليومي.

“ميدلت، وجهات حياة” كأركيولوجيا سردية
ينفتح “وجهات حياة” على تنوع كتابي يصعب تصنيفه ضمن جنس أدبي واحد. فهو في آن: سيرة ذاتية جماعية، أدب هجرة وتيه روحي، تأريخ موازٍ وغير رسمي وأنثروبولوجيا محلية مصاغة بلغة أدبية شاعرية.
يحمل المؤلفان قلقًا واضحًا تجاه اندثار الذاكرة المحلية والمرجعيات الثقافية للمغرب غير النافع، ويحاولان عبر الحكي، السخرية، التوثيق، والتأمل الفلسفي، أن يؤسسا سجلًا موازيًا لتاريخ المغرب المعاش لا المؤدلج. يرفض الكاتبان السردية الرسمية التي تحتفي فقط بـ”العظماء” و”اللحظات البطولية”، ويؤكدان على أهمية التاريخ الصغير، كما عاشه الناس، لا كما صاغه الخطاب الوطني. فيقولان: “إن تاريخ الناس البسطاء يُوضح لنا بجلاء خصوصيات العلاقات الإنسانية وهي تعيش حقبة فريدة، بخلاف التاريخ الرسمي.” وهكذا يغدو النص نوعًا من التأريخ البديل، عبر الأدب والاعتراف الشخصي، لمجتمع تم تجاهله في الكتب المدرسية وخطابات النخب، إنه تاريخ من تحت لا من فوق.

الهويات الجريحة: من ميدلت إلى شيربروك

يمتزج في هذا الكتاب الحنين إلى الطفولة الجبلية الفقيرة، بتجربة المنفى والمهجر، وخاصة في كندا حيث استقر مجيد بلال. هذا التوزع بين “الهنا” و”الهناك”، يجعل من النصوص مشحونة بفقد مزدوج: فقد المكان الأول وفقد الانتماء الواضح في المكان الثاني.
أبطال الكتاب ليسوا “قادة” ولا “نخبًا”، بل النساء، الفلاحون، الأطفال، المهاجرون، والمعنفون والهامشيون، شخصيات مثل عائشة نايت أو سعيد، الأم يامنة، وعلي أوفوسكا… تتحول إلى رموز مقاومة عبر التفاصيل اليومية، الحنو والعدالة البسيطة.
من عبد الباسط عبد الصمد إلى أغاني Capela، ومن سينما ريكس إلى قصص Fleuve Noir، نجد احتفاءً عميقًا بالأثر الثقافي على التكوين الوجداني. يقول مجبد بلال: “لم نغادر قاعة السينما أبدا سالمين… لقد صرت مدمنا.” هنا السينما ليست ترفًا، بل نافذة الخلاص الوحيدة من البؤس الاجتماعي والاقتصادي. في فصل “سينما فوق دمل”، نقرأ قطعة أدبية بديعة، عن أول مرة يدخل فيها طفل مغربي قاعة عرض، في ميدلت السبعينيات، حيث تتحول السينما إلى رمز للدهشة الأولى، للافتتان، ولإدراك الذات عبر الآخر، إنها مرآة لا تبصر الواقع فحسب بل تكشف هشاشتنا الداخلية.
كما يمثل الكتاب نموذجا متقدما لأدب الهجرة والشتات خاصة في نصوص شيربروك، حيث يظهر مجيد بلال كيف تتلاقى الهويات وتتشكل ذاكرة هجينة، بين المغرب وكندا، بين الفقد والحنين، بين الأصول والأطلسي.

ثراء وخصب الذاكرة الجهوية

يشكل استحضار الذاكرة الجماعية لمنطقة ميدلت جوهر هذا الكتاب، حيث نقرأ: “نحن في حاجة إلى بناء هوياتي يقوم على حقائق، على الواقعي، على الملموس وليس على هوية مغتصبة، تمت صياغتها على عجلة، من رماد الاقتراض”، الهوية هنا لا تُبنى عبر الشعارات أو سرديات المركز، بل عبر الوقائع اليومية، الحكايات الصغيرة، والمعتقدات المحلية، لذلك يأتي كتاب محمد مهيب ومجيد بلال كـ”جبيرة لإبقاء ذاكرتنا التي تبدو أحيانًا مكسورة” كما ورد في التقديم.
يسير كتاب “ميدلت: وجهات حياة، شهادات، معيش وأساطير” في الاتجاه المعاكس لـ”التاريخ من فوق”، حيث يقدم “تاريخًا من تحت”، عبر شهادات، مرويات، وذاكرة حية لبسطاء الناس. إنه إسهام كبير في ثقافة العدالة الرمزية عبر الاحتفاء بـ”المنسيين”، سواء في ميدلت أو الهجرة، يُعيد المؤلفان الاعتبار لأصوات لم يكن يُسمع لها صدى في الكتابات الكبرى.
“ميدلت: وجهات حياة، شهادات، معيش وأساطير” ليس مجرد كتاب عن ميدلت، بل هو صرخة جيل، أنشودة للإنسان الهامشي، ومرآة للزمن المغربي المقصي، لا يعرض فقط حياة ناس “ملوية العليا” بل يُشركنا في تجربتهم الوجودية، كما لو كنا جزءًا منها، بأسلوب شاعر، صادم، حميم، لا يخلو من فرح العيش. ولا يخلو الكتاب من إشارات لتحولات الأمكنة وتبدلاتها في ميدلت ما بعد الاستعمار ووضعها الحالي، مما يجعل منه نصا ما بعد كولونيالي يوثق بقايا الاستعمار الاجتماعي والثقافي في المغرب غير النافع.

تنشئة الطفولة في المغرب العميق والمرأة كرمز للمقاومة

الكتاب ثري جدًا في تقديم صورة قاسية، ساخرة أحيانًا، عن الطفولة في السياق القروي والجبلي: العنف، الأمراض، انعدام البنية التحتية والتحايل على البقاء. ومن أجمل فصول الكتاب تلك التي تتناول أثر الموسيقى والإنشاد في الوجدان الأمازيغي الطفولي: “كان صوت عبد الباسط يهدي من الناس أكثر مما يهديه رجال الدين في البلد مجتمعين.” يمزج الكاتب هنا بين الروحانية والانخطاف الفني، بين الموسيقى واللغة كقوة شعائرية وجمالية، بما يجعل من الصوت حاملًا أساسيًا لذاكرة الطفولة والتدين.
حيث يستعيد المؤلفان نماذج نسائية مدهشة، مثل عائشة نايت أو سعيد، والأم يامنة، في إشادة نادرة بـ”الأنثى الحارسة للذاكرة” في مجتمع قاسٍ: “كانت الأم يامنة واحدة من تلك الملائكة التي تحل فوق الأرض، في هيئة بشر، لأداء مهمة خير وإنسانية.” المرأة هنا ليست فقط موضوعًا للحكي بل فاعلة فيه، رافعة لصوت المغلوبين.

لا يخلو الكتاب من نَفَس ساخر ومَرارة سوداء، خاصة في تناول مظاهر التفاوت الاجتماعي، والعلاقات داخل الأسرة، ونقد الدولة والمجتمع. تُستعمل الفكاهة كأداة دفاع ذاتي وكقوة تأملية.

تنويعات اللغة وبنية الكتابة المفتوحة
يتّسم كتاب “وجهات حياة” لمحمّد مهيب ومجيد بلال، بخصوصية أسلوبية تعكس تعدّد الأصوات والتجارب التي يتضمّنها. فعلى مستوى اللغة، ينهض الكتاب على تلوين لغوي مقصود، يزاوج بين العربية الفصحى ذات الطابع الأدبي التأملي، والعامية المغربية التي تنبض بإيقاع الشارع، وتُضفي صدقًا وجدانيًا على الحكي. كما تتسلّل الأمازيغية في بعض المقاطع، كإيماءة لهوية متجذّرة ومتعدّدة، فيما تُوظّف اللغة الفرنسية بوعي سياقي دقيق، مصحوبة أحيانًا بشروح أو ترجمات تعزز الفهم، دون أن تفرّط في نغمة النص الأصلية.
هذا التعدد اللغوي لا يعكس فقط خلفية الكاتبين الثقافية، بل يُجسّد تعدد الانتماءات والهويات في المغرب، حيث تختلط اللغات مثلما تختلط الأزمنة في الذاكرة، وتتمازج التجارب في نسيج الحياة اليومية.
يُفلت الكتاب عمدًا من البنى السردية المغلقة أو الخطية. لا يتقيد بمسار حكائي تقليدي بل يقترح علينا شكلاً أقرب إلى دفتر مفتوح أو فسيفساء من النصوص تتراوح بين السيرة والتأمل والمشهدية اليومية. إنه أشبه بمجموعة من “اللوحات النصّية”، لكلّ واحدة منها إيقاعها الداخلي، موضوعها، ونبرتها لكنها تتكامل ضمن وحدة شعورية وفكرية.
كتبت هذه النصوص بنبرة اعترافية حميمية، تتصف بصدق عالٍ وشفافية وجدانية. لا تتوسّل الزخرفة اللغوية بقدر ما تراهن على كشف الذات في هشاشتها، وتحرير الكلام من رقابته المعتادة. هي نبرة لا تهادن، لا تتجمّل، بل تحتفي بالمهمّش، والمسكوت عنه، وبما يبدو عابرًا أو هامشيًا في ظاهر الحياة، لكنه يشكّل في العمق مادة الإنسان وصوته الداخلي.
يتخذ الكتاب من الكتابة نفسها فعل مقاومة للصمت، ومن اللغة أداةً لترميم الذات وإعادة وصلها بالعالم. كل نصّ فيه هو تمرين على العيش، وعلى الكتابة بوصفها شاهدًا على الحياة، لا على المعنى فحسب بل على التفاصيل التي تصنع جوهر الكينونة.

مهيب وبلال: عندما يكتب المنسيون بأنفسهم كتابهم

إذا كان الأدب المغربي ظل طويلاً حبيس تمثيلات المركز، فإن هذا الكتاب يقدم سيرة حية للمغرب العميق، من زاوية فاعليه لا من زاوية مراقبيه بأسلوب شاعري، اعترافي، وبنبرة هجينة بين السخرية والحنين، ينجح المؤلفان في تحويل ميدلت من نقطة جغرافية مجهولة إلى أرشيف روحي، إلى ميتافيزيقا للعيش المشترك في عالم قاسٍ.
ينتمي هذا الكتاب إلى مشروع ثقافي ضخم في استعادة الذاكرة الجهوية يجب أن تقوم به الطاقات المحلية وأيضا المؤسسات الثقافية الرمزية. ويمكن تدريسه في كليات الأدب والأنثروبولوجيا كمثال على “السيرة الجماعية” ولأنه يحاور أسئلة إنسانية كونية بلغة محلية صادقة.