ذات الشعراء وفاعليتها الدلالية

544

ذات الشعراء وفاعليتها الدلالية

عيسى الصباغ

من الأساليب اللغوية الحديثة التي سادت في قصائد شعرائنا المعاصرين استعمال “ذات” وما تضاف اليه نحو “لقيته ذات شجن” أو تعاهدنا ذات وجد وما شابه . والحقيقة ان هذه الأسلوب يلفت النظر اليه ويحث على دراسته وكشف مراميه ، وقد اخترت لهذه المهمة ثلاثة مقاطع شعرية تضمنت هذا النوع من الاساليب لفحصها في ضوء السياقات التي وردت فيها . وقبل الدخول في نقد المقاطع الشعرية وتراكيبها اللغوية أوردت مقدمة مختصرة حول مألوفية هذا التركيب في اللغة العربية .  “ذات” اسم لازم للإضافة ، وتُستعمل بمعنى صاحبة ، وهي مؤنّث مذكّرها “ذو” . نقول هو ذو علم  وهي ذاتُ علم أيْ هو صاحب علم ، وهي صاحبة علم . جاء في لسان العرب (وقال الليث في تأنيث ذو ذات ، تقول : هي ذات مال) ، وإذا وقعت على التثنية والجمع نقول : “ذواتا أفنان” وذواتُ أفنان .  وشاع استعمالها في الأزمان ، فمما ذُكر في اللسان ( لقيته ذات يوم وذات ليلة ) و (تقول : أتيته ذات الصبوح وذات الغبوق ؛ إذا أتيته غدوة وعشية) ،  كما ورد فيه أيضا (تقول : لقيته ذات يوم وذات ليلة وذات العشاء وذات مرة … وإنما سُمع في هذه الأوقات ، ولم يقولوا : ذات شهر ولا ذات سنة ) ، كما يقال ( جاء من ذي نفسه ومن ذات نفسه) كناية عن المجيء بإرادته ، ( وقال الليث : يقال : قلّت ذات يده ؛ قال : وذات هاهنا اسم لما ملكت يداه كأنها تقع على الأموال ، وكذلك عرفه من ذات نفسه كأنه يعني سريرته المضمرة) ، وهذا الاستعمال لـ”ذات” كنائي ونحوه “ذات شفة” كناية عن الكلمة وذات الصدور كناية عن خفاياها ، ومن استعمالاتها : ذات اليمين وذات الشمال أي جهة اليمين وجهة الشمال وفي القرآن (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ) .  هذا هو السائد في استعمال هذا الاسم (ذات) ، وقد تطور استعماله لدى الكلاميين العرب ، نقل ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد قول السهيلي: (وأما ” الذات ” ، فقد استهوى أكثر الناس- ولا سيما المتكلمين- القول فيها ، إنها في معنى النفس والحقيقة ، ويقولون : “ذات الباري هي نفسه” ، ويعبرون بها عن وجوده وحقيقته ) . واستعملها المعاصرون بمعنى التوكيد مثل نفسه وعينه ، يقال : قرات الكتاب ذاته . غير أننا هنا معنيون بدلالتها اللغوية وتجدّد استعمالها لدى مجايلينا من الشعراء ، فقد وردت في شعرهم بتراكيب لغوية جديدة لم يألفها الأقدمون بل المحدثون ممن سبقوهم في مضمار الشعر ، وقد اجتزأت هنا ثلاثة مقاطع لشعراء معاصرين ورد التركيب فيها بصيغته المستحدثة وهم يحيى السماوي وطلال الغوّار وصلاح زنكنة :

يقول السماوي :

وهُـيـامـي ـ ذات عـشـق  ـ بـابـنـةِ الـتـفـاح  ..

و الأعـنـابِ .. والـتـيـن  ..

ومِـغـنـاج  لـعـوبِ .

ويقول الغوّار :

أتذكرين ذاتَ شوق

قطفتُ نجمةً من حدائقكِ

وهربتُ بباقةِ قبلاتٍ .

أما صلاح فقوله هو :

سأموت ذات نشوة

على سرير جسدكِ .

فالتراكيب : ذات عشق ، وذات شوق ، وذات نشوة . استُخدمت على غير ما هو مألوف في أساليب العربية ،مع التأكيد أن هذه الصيغ سادت في شعرنا في السنوات المتأخرة . فما الدلالة الجديدة المستوحاة من هذا التركيب  ؟

ما يلاحظ على هذا التركيب

1- أن “ذات” أضيفت الى نكرة .

2- والنكرات التي أضيفت اليها أسماء جنس (ذات عشق ، ذات شوق ، ذات نشوة بدل ذات يوم أو ذات ليلة ….. الخ ) .

ذات يوم

3- سياقها دال على الزمن لوقوعها تحت تأثير الفعل أو المصدر ، وكأن التركيب استبدل بظرف الزمان المحدد ( ليلة ، يوم ، صباح … ) اسم جنس إفرادي (عشق ، شوق ، نشوى) .

    يرى أبو البقاء الكفوي في كلياته أن “ذات يوم” ونظيرها (من قبيل إضافة المسمى الى اسمه أي مدة مصاحبة هذا الاسم . ونظيره خرجت ذات مرة وذات ليلة …. وفي حواشي المفتاح ذات مرة منصوب على الظرفية صفة لزمان محذوف تقديره زمان ذات مرة ) ، عليه أن “ذات” الدالة على المصاحبة تكتسب الزمنية من إضافتها الى ظرف الزمان المحدد ( يوم ، ليلة ، صباح ، مساء …. ) بل وتوحي بوقوع أزمان أخرى سابقة (زمان ذات مرة ) ، أي ذات ليلة من ليالٍ أخر مرت ، وذات يوم من أيام مضت . ولكن في تركيب الشعراء لم تُضف الى زمن ، وإنما أضيفت الى اسم جنس إفرادي ،على أن التركيب المستحدث بقيت فيه رائحة الزمن .

 إن قول الشاعر صلاح زنكنة :

سأموت ذات نشوة / على سرير جسدك .

تضمّن ثلاثة عناصر شعرية أو ثلاثة أنساق بتعبير كمال أبو ديب : الموت والنشوة وسرير الجسد ، والتعبير “ذات نشوة” يوحي بتكرار النشوة  ( هناك نشوات لم يمت فيها ) ذلك أنه منقول من تركيب ظرفي دال على الزمن ( ذات ليلة ، ذات يوم …) وفي واحدة من تكرار النشوة (ذات نشوة) سيموت ، وفي تفسير أبي البقاء يتحقق الموت مدة دوام النشوة ومصاحبتها ، مما يعني أن الموت هنا مجازي ، غياب عن العالم وفناء في الآخر – الجسد . وظيفة السرير هي الاسترخاء والشعور بالراحة ،  ويقترن بالإثارة  الجنسية اذا ما ارتبط بالجسد ( على سرير جسدك) . يرى فوكو ” أن الجسد هو المأوى والمثوى ووجوده علامة على وجود الروح وسعادتها ” ، ومن سعادات الروح الشعور بالنشوة (ذات نشوة) . وعلى وفق ثالوث فرويد : الهو والأنا والأنا العليا ، فإن أنا الشاعر تظهر في (سأموت ) وتزداد كثافتها في النشوة ، في حين أن تعبير ( سرير جسدك) يمثّل (الهو) أي الغرائز والشهوات ، ولابد من القول أن الأنا العليا غائبة تماما في هذا المقطع الشعري ، وغيابها هنا أمر طبيعي ، فهي خصيصة بنيوية نكاد نلمسها في أغلب النصوص الآيروسية  .

وفحوى التركيب أو بنيته تتكرر لدى الشاعر السماوي :

وهُـيـامـي ـ ذات عـشـق  ـ بـا بـنـةِ الـتـفـاح  ..

و الأعـنـابِ .. والـتـيـن  ..

ومِـغـنـاج  لـعـوبِ .

التعبير “ذات عشق” وقع في سياق يشي بأن الهيام انبجس من نفس الشاعر مدة دوام عشقه بابنة التفاح والأعناب ، وهي كناية عن الخمر  ، والزمن هنا يبدو غير محدد ، فهو مرتبط بعشقه لها ، ومن المناسب القول ان الخمر مقترن بالخفة والتحلل من الضوابط ومكبّلات النفس لذا فهي تتواءم مع تعبيره الشعري ” ومغناج لعوب ”  وهي المرأة في حركتها وصوتها دلال وتكسّر وخفّة ، وتشكّل  “هُيامي” حلقة أخرى في هذه السلسلة الدلالية فهي تعني الشغف الشديد والتحيّر ( وهام الشخص على وجهه : خرج وهو لا يدري أين يتوجَّه ، سار بلا قصد) . فالمقطع الشعري منسجم صورة ودلالة وهو في حركة دائبة وتموّج حتى ليبدو أنه انبثق من واقع نفسي لا يريد أن يركن الى الهدوء والاستقرار فهو في تطلّع وتحرّر دائمين، ويكاد يشكّل التعبير “ذات عشق” نواة دلالية لما في العشق من إفراط واندفاع يميّزه عن الحب .

لذا نرى أن حركة المقطع انمازت بالخفة والتماوج ، وقد قام المصدر “هيامي” ، بدل الفعل ،  بإضفاء هذه الحركية وذلك بتعاشقه مع سائر العناصر الشعرية  الأخرى فيه .

 وفي مقطع شعري آخر يقول الغوّار :

أتذكرين ذاتَ شوق

قطفتُ نجمةً من حدائقكِ

وهربتُ بباقةِ قبلاتٍ .

” ذات شوق ” تركيب إضافي ، وهو من إضافة النكرة الى النكرة ، وقد أشرت الى شيء من هذا في بداية المقالة. وهذا النوع من الإضافة يخصّص ولا يعرّف ، وغاية التخصيص أنه يضيّق نطاق النكرة ، وربما يقرّبها من التعريف غير أنه لا يعرّفها كما قلت آنفا .

نزاع النفس

و”ذات شوق” مدة مخصصة بالشوق وهي لاحقة سردية ، ذلك أن زمن السرد هو الحاضر ممثّلا بالفعل: أتذكرين ؟،وصيغته الاستفهامية مهّدت الانسلال الى الماضي أو تذكّره أو استرجاعه ، فالفعلان قطفت وهربت وما تعلّق بهما استذكار سردي وقد وقعا في لحظة شوق عارمة ودلّا هنا على شدة التملّك والاستحواذ ،ذلك أن (الشوق نزاع النفس الى الشيء) وإثارة اللهفة اليه ، والتعبير “ذات شوق” منطلق بناء ما وقع في الماضي ، وهو مبنى الفعلين “قطفت” و “هربت” اللذين خرقا الطابو الاجتماعي ، إذ بخرقهما ناسبا فاعلية التعبير اللغوي ” ذات شوق” وعرامته .  التركيب ” نجمة من حدائقك ” أضاء اللوحة الشعرية بل أن “باقة القبلات” التي هرب بها  – وهو تعبير شعري جميل وفيه رغبة جامحة تدل على حاجة نفسية غير مشبعة– اكتسبت نورها من نجوم حدائقها حتى ليبدو أن كل قبلة في هذه الباقة نجمة مضيئة .

مشاركة