ديوان جدران للشاعرة الهنوف محمد

ديوان جدران للشاعرة الهنوف محمد

من كيمياء الإنفعال إلى فيزياء الكتابة

ناظم ناصر القريشي

( كل كلمة تحمل مفاجآتها وتعرض مكافآتها على العقل المتأمل ) جورج ميلر

صوتها الصديق القديم للبراءة يتجاوز أوهام اللغة و ينمو كشجرة بالحكمة من خلف الجدران، يحمل إرادتها لبلوغ ضوء الشمس ، ليصل سليماً إلى سمع الجمهور ، فتتردد أصداؤه في أرجاء النفس القريبة و البعيدة ، نتلمس الشعر حاضراً في قصائدها و هي تبحث عن عوالم أكثر اتزاناً وتوازناً ، و نتلمس صفحة القصيدة حيث الصفاء حاضراً أيضاً ،يسمح بمرور الغيوم عليه يظللها الرجاء فنراها تتشكل وتحتوي انفعالاتها وتمردها وغضبها وهدوئها بعد التأمل ، فتبلغ القصيدة مداها و تنفتح للتأويل على الحياة ، وتقترح على الكلمات أن تحمل ألمها

أفقها الشعري سيخبرنا أن الحياة ليست عبارة عن مهام نمر عليها لننهيها لكن الحياة هي الحياة و هذا يدلل على أن تجربة الشاعرة الهنوف محمد تعبر عن سياق جمالي متفرد في المشهد الشعري الإماراتي هذا ما سنجده في ديوان ( جدران ) و الصادر عن اتحاد كتاب و أدباء الأمارات ، هذه الأضمومه الشعرية التي تنتج مادتها الأساسية من خلفية جمالية و معرفية وثيقة الصلة بالحياة ،تميزت بروح التأمل وعمق المعنى والدلالة

تماس يومي

فبدءاً من العتبة الأولى للديوان، المتمثلة بالعنوان، الذي له حصته من الجدران و الذي هو على تماس مع اليومي سواء كان حضور هذه الجدران للعزل وغلق الفضاءات الخارجية أو للإيواء أو للإعاقة أو للكتابة عليها كلمات متمردة ، لتصبح الكلمات المعبرة عن الحرية أسيرة الجدران أو حضورها هنا افتراضيا لحجب الفكرة لذا يستوجب التجاوز و التمرد عليها ، فهي أول ما يواجهك في الحياة

عتبات الوعي

و أولى عتبات الوعي لدى الشاعر الهنوف هو فضاء الأسئلة سواء كانت وجودية أو كونية فمنذ وعيها الأول بوجودها ، وبدأ رحلتها المعرفية لذاتها و للوجود الذي حولها وهي تحاول أن تجيب عن هذه الأسئلة ، فبدءاً و بقصديه تامة تفتتح ديوانها على العرفان حيث تكون الكلمات أقرب إلى أرواحنا ، عندما تتسامى في رحلتها نحو الجمال المطلق وتأكد حضورها الملهم و تتجلى في الرؤيا كأنها تدور في حلقة ذكر صوفية فتقول في قصيدة (بحـــــــث )

بحثت عن الله

فوجدته في قلبي

بحثت عن قلبي

فوجته هائما

يبحث هو الآخر

عن بقعة للسجود

الكلمات فعل العرفان

الكلمات فعل العرفان ، هذا العرفان الذي سيمتد الى قصائد أخرى في الديوان ، فهي تخبرنا بالسمو الذي بلغته روح الشاعرة و هي تهيم في اللامكان حيث الزمن مطلق ، والروح حرة لا تقيدها قيود الزمان والمكان بين أطياف الرؤيا و مقامات التجلي و لذلك تشك في وثنية الأشياء حولها فتتجرد منها وتعلن برأتها ، فتستغيث يا ( لطيف ) أدركني فتقول في قصيدة عبادة

أن تسرح في اللامكان

أن تشك في وثنية الأشياء

من حولك

أن تنادي يا ( لطيف ) أدركني ..

تمتلك الشاعرة الهنوف محمد وعياً استثنائياً لذاتها وللغتها الشعرية التي ستمارس من خلالها هذا الوعي فكريا و جماليا عبر هذا العرفان بنص صوفي يشعرنا بالروحانية و القداسة ، وهذا الجانب الأكثر روعة بنتاجها ، فتقول في قصيدة ( تأرجح )

أعلم بأن لا هوى إلا هواك

ليتني ألجم تمردي

أحوله إلى تأدب زاهد

أعدمني بفيضك

حتى تشاء لأكون فأكون

كل هذا الهوى

فامنعني عمن يلوح من خلفي

ولن أبكي

ولن أشتكي لسواك

ونحن نقرأ هذه الكلمات ما لنا غير أن نتأمل هذا البهاء الذي أشرقت به و الصادرة عن لحظة خلق أولى ، فهو ينسينا دناءة و دنس الأشياء البشرية إذا قورنت بالسمو الذي بلغته روحها الشاعرة المتحصنة بهذا الدفق من الرقة و السناء ؛ فبكلمات قليلة محملة بالكثير من المعاني والاستعارات والشاعرية المكثفة تجاوزت التمثل الوصفي للغة ، و عكست مشاعرها الروحية في القصيدة ، بسحر الوهج الصوفي المشع كرائحة العود الذي يهذي من المبخرة فتقول في قصيدة ( قصيدة استغفار )

سامحيني أيتها الأرض

لقد دنستك بماء جسدي

و أنت أيها الماء

لم أجد الطهارة إلا بك

فاغفر زلتي

من كيمياء الانفعال الى فيزياء الكتابة

تقول الشاعرة في احد لقاءاتها أن الشعر هو أعظم الهبات التي منحتها لها الحياة، وتعتبره ( جمرة الألم اللذيذ، التي تستحق القبض عليها) و القبض على هذه الجمرة برأيي ما يعادل حياة بأكملها وهذا هو جوهر الأبداع و جوهر الكتابة الشعرية فالقبض على اليومي الذي يحمل ماهية الحياة و إحضاره الى النص ، حيث تتجسد اللحظة الشعرية في قدرتها على الرصد الحسي و الروحي لإيقاع الحياة ؛ فهي حولت الكلمات من حبر أسود على ورقة بيضاء الى عبارات تعبيرية وصرخاتها متمردة و بصور متواترة فتنقلنا من كيمياء الانفعال الى فيزياء الكتابة فتقول الهنوف في قصيدة (كبرياء):

للتو

تركت سادياً

بين دبي والشارقة

محوته من ذاكرتي

لكنني سوف أبقى

في ذاكرته لا محال

أراد أن يهشم كبريائي

مسكين

لم يعلم يوماً

بأنني أنثى مولعة بعد الخسائر

وبأنني لو خيرت بين أطرافي ورأسي

لقطعت قلبي وأطرافي

ورميتها في الحرائق

وحافظت على رأسي

لأن به أنفاً ورثته عن أبي

وعينين ورثتهما عن أمي الجميلة

وكبرياء أجدادي

الذين كانوا يلفون تبغهم

وهم كالأشجار التي لا تنام

شدة الإيقاع يستدرجنا إلى نمط الحياة في هذه القصيدة ، إنها موسيقى اللحظة فالتجربة التي مرة بها الشاعرة والتي تتحدث عنها القصيدة جعلها تتمرد على سادية الرجل الذي تركته بين دبي والشارقة هذا التمرد الذي عبرت عنه و عكس انفعالها عبر العبارات فهو يتتالى سريعا لاهثا كأنما علق في صوتها الغضب ، و عبارتها :

مسكين

لم يعلم يوماً

بأنني أنثى مولعة بعد الخسائر

يذكرنا بقصيدة الشاعرة الأمريكية أميلي ديكنسون التي تقول فيها :

باستطاعتي أن أخوض في الحزن

في برك من الحزن بأكملها

فقد اعتدت على هذا

الكلمات ملاذ الأمومة

و عندما تكتب الشاعرة الهنوف عن الأمومة تتسع عباراتها بأتساع الفكرة فتعبر بلهفة عنها و رغم ذكرها الموت نجد إن الحياة تهيمن على الموت وتحتويه باستمراريتها ، فالفكرة لا تبقى ذاتها تحت تأثير الكلمات فهي تجري كالنسق الصاعد في شجرة القصيدة إنها القدرة على استبطان روح هذه الأمومة ، وجعل أغصانها تذهب نحو إمكانيات تعبيرية جديدة ، فتمتد كلماتها نحو فضاءات أخرى فتقول في قصيدتها (أمومة)

الفلاة

قد تكون قبراً أو مستقبلاً

نردم فيها أمانينا

أو

نزرع فيها وروداً قصار القامة

قالوا

إن الصحراء تعلم

كيف يلبس المرء ثوب الزهد

كيف يقيس ما تبقى

من ظلال الشمس بوثن أو سلام

الفلاة

أنثى لا تعرف

كم تبقى لها من الصلوات أو من الأمومة

قيل

إن الأمومة نسج

فرح، موت، حرائر

مثنى (مثنة) المعنى

لا تنفرد بها إلا من كانت

تمتلك ماءً، وقطيع حاشية

الشاعرة في هذه القصيدة تجردت من لحظتها أو إنائها الشعرية وعن فرديتها لتتحدث بلسان الأمهات جميعا ، فجعلت الكلمات ملاذ لهن فتصبح القصيدة تشبههن على اعتباره أن المرأة مصدر الحياة وديمومتها

حوار الوحشة الصامت

وفي قصيدة وحشة التي تصور حوارا صامتا بين الشاعرة و كلماتها جعلتنا نسمع صوت الوحشة و صدها في نفس الوقت ، ربما الصوت لا يتجاوز الحنجرة يستبد به الصمت لتعلن الوحدة قساوتها الموحشة بكلمة ( الصدأ ) الذي شبهته بالمرض والجواب الأشد ضراوة كالعادة وحيدة بلا أحد فتقول في قصيدة ( وحشة )

قد أكون مصابة بالصدأ

لا أحد يجيبني

كالعادة

وحيدة

بلا أحد

الدموع كلمات

هل سمعت صوت الدموع و ضجيج الحزن الذي تحمله ، صوت الدم و هو يلهث ، صوت الكلمات وهي تنوء تحت ثقل المشاعر وما يتزاحم في الذات وما يصطخب في داخلها وهي تقاوم الخضوع ؛ و المدهش هنا تبدو هذه الدموع كأنها غيوم بأشرعة بيضاء صالحة للاستعمال كقصيدة فتقول الشاعرة الهنوف في قصيدة ( الدمعة )

الدمعة نبات

الدمعة لها حوافر وصهيل

من منكم

قد تدلى الأثير برمشه

والقفار ظلت صامتة

ترقب من يتنازل عن القطيع

كلنا ولدنا من القفار

ثم اشتهينا سرابا مبهما كالفراغ

لا تهمني الكلاب مهما نادت في الطرقات

فأنا كبرياء

ودمعي محيط

هذه الكلمات فيها الكثير من الحزن كأنها تحمل الدموع بين حروفها ، والعبارات امتلأت لأخرها بالأسى لأجل الفكرة التي تحتويها ، كان متوقعا أن تنهمر هذه الدموع الحزينة كالملح و الجميلة كابتهال في أي لحظة فتصير صلاة ،منذ هندسة الفراغ العظيم التي تنزلق الأحلام فيه و الأماني تصبح سراب

عندما تتسع الرؤيا

و في قصيدة ( الجدران ) يتوسع المشهد أمامنا بالحضور المكثف للحياة في الكلمات التي من اجلها تتدفق دموع الشاعرة ( ودموعي تتدفق من قلبي الى عيني ) فتتسع لديها الرؤيا لعل تنبت لها أجنحة فتدخله سماواتها فتطير حيث تشاء فتقول في قصيدة ( جدران )

هذه كلها

جدراني العتيقة

التي لطالما حلمت بها

وهذا قلبي

مهترىء كالزوايا التي لا داعي لها

وصديقي الجديد

أهلكتني عيناه .. وقدماه

ودموعي تتدفق من قلبي الى عيني

أنتظر أن تنبت له جناحان

حتى أدخله سماواتي

تضرعت الله كثيرا

لكنه يحب أنيني

مللت الدعاء

لكنه يصبر وجداني

بنسمات الشتاء

تجربة الشاعرة

الناظر الى تجربة الشاعرة الهنوف محمد على في ديوانها (جدران ) سيجد إن الشعر وسيلتها الحقيقية في التعبير عن نفسها و أنها تناولته من قريب ببساطته وحيويته لتقول لنا أن الجمال أبسط مما نظن ، و انه قريب وفي متناول الجميع، و من هنا يبدأ إبداعها النابض بالحياة ، سنجد أيضا أن العرفان حاضر في قصائدها ، فبرغم أن كلمة جدران تشعرنا بالمتاهة ، و رغم أن بعض قصائد الديون تأخذ تلك السمة الوجودية ألان نجد العرفان يشكل اغلب قصائده ، و سنجد أن الشاعرة الهنوف التمست الشعر في كل لحظة تمر بها و تحياها . فنحتت زمنها كلمات لتقهر بها هذه الجدران ، وتخترق جمودها و تعاليها ، فأثمرت قصائدها هذا الكم من الشعر المحفورة على تلك الجدران و على الذاكرة ، أن هذه التجربة الشعرية الجميلة التي خاضتها الشاعرة تنتمي لعالم الإبداع و هي قادرا على الإقناع والتشكل