ديوان الجواهري .. أو حين يُستغبى القارئ – محمد الفاضلي

 

 

 

ديوان الجواهري .. أو حين يُستغبى القارئ – محمد الفاضلي

استبشر الوسط الثقافي العربي عموما والعراقي خصوصا بصدور طبعة جديدة من ديوان الجواهري، بعد أربعة عقود من الطبعة التي أصدرتها وزارة الإعلام العراقية (1973- 1980)

 وصدرت هذه الطبعة الجديدة عن وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية،وأشرفت عليها لجنة خماسية برئاسة الوزير نفسه. وباركها رئيس الجمهورية، ووصفها الوزير في مقدمته بأنها “أكمل طبعة على الإطلاق”.  ثم تحوّل الاستبشار حيرة وغدت الحيرة خيبة ظن شديدة، فمزيّة هذه الطبعة الوحيدة أنها أضافت خمسقصائد ومقطوعة واحدة من أربعة أبيات للطبعة التي سبقتها. من هذه القصائد الخمس ثلاث كان الجواهري في حياته يرفض أن تدرج في ديوانه. وإذا كانت اللجنة مشكورة على ما أضافته فالملاحظ أنها لم تبذل الجهد الكافي في الاستدراك على طبعات الديوان السابقة، ومن ذلك مقطوعة من خمسة أبيات في مدح أحد أعضاء اللجنة لم يثبتوها.

طبعة جديدة

في تصفّحي لهذه الطبعة الجديدة لفت نظري “ملحق للباحثين” موجود في آخر  كلّ مجلد يوثّق القصائد من أماكن نشرها الأولى. واستغربت أنهم ذكروا كل طبعات ديوان الجواهري بدءا من ديوانه “حلبة الأدب” 1923حتى “الجواهري في العيون من أشعاره”1986. عشرون طبعة مختلفة، ولكن لم يذكروا معها طبعة دار بيسان 2000 وهي أكمل الطبعات وأجملها، وصدرت بعد وفاته. ولكنّ استغرابي تحوّل إلى صدمة حين اكتشفت أن هذه الطبعة الجديدة ليست سوى نسخة طبق الأصل عن طبعة بيسان أضيفت إليها القصائد الخمس. مع العلم أن طبعة بيسان كانت عالة على طبعة وزارة الإعلام في الهوامش والتعليقات والشروح، ولكنّ أصحابها أشاروا إلى ذلك في مقدّمتهم. أما هذه الطبعة فنقلت كل الشروح والتعليقات بحرفيّتها بل بأخطائها الطباعية وغيرهادون أدنى إشارة إلى طبعة بيسان.ومن المضحك المبكي أنها أخذوا فهرس القوافي كما هو ونسوا أن يدخلوا فيه القصائد الخمس المضافة، بل حذفوا منه أرقام بيسان وتكاسلوا عن وضع أرقام طبعتهم لتضاف عجيبة جديدة إلى عجائب الدنيا السبع فهرس دون أرقام!

ومن أدلة هذا النقل الحرفي ورود جُمل مثل: “من التعديلات المتأخرة”، أو  “في الأصل” وإذا كانت مفهومة في طبعة وزارة الإعلام إذ هي تعديلات الشّاعر نفسه أثناء عمل اللجنة، فهي لا معنى لها هنا. أو مثل الجملة المدلّسة التي تكررت بضع مرّات “من شروح طبعة بغداد” وكأن بقية الشروح التي أثبتوها في المجلدات الستة من عنديّاتهم!.

من أخطاء طبعة بيسان التي استنسختها الطبعة الأخيرة دون انتباه هذا البيت:

فتراني مفكّرا هل مواتاة التّراضي أحلى منَ الاغتصابِ

فقد جاء في هامش طبعة وزارة الإعلام أنّ “أمْ” كانت محلّ “من” في الأصل، فأعاد مراجعطبعة بيسان “أم” إلى البيت ليغدو: أحلى أم الاغتصابُ. ولم ينتبه إلى أن كلمة “الاغتصاب” صارت مرفوعة في حين أنّ القصيدة كلّها بائيّة مجرورة، فتابعت طبعةُ الثقافة خطأَ بيسان حرفيّا.

وحين تضيف طبعة بيسان على طبعة وزارة الإعلام -وقليلا ما فعلت ذلك- هامشا غريبا مثل : “والشّاعر يميل إلى ضمّ ميم تمُّوز وعنه ضمَّها آخرون”، تنقلها لجنة وزارة الثقافة دون أدنى توقف أو اعتراض على هذه الجملة العجيبة. ومن الأدلة الدامغة على هذا السطو حين تنتقل مناسبة قصيدة “ضحايا الانتداب”  إلى قصيدة “الشاعر والعود” خطأً في طبعة بيسان، تبقى طبعة وزارة الثقافة وفيّة لنقلها الحرفي فتنتقل المناسبة إلى مكان غير صحيح أيضا !في هذه الطبعة من الديوان التي ذكر الوزير أن “لجنة من أساتذة اللغة العربية ضبطتها” أخطاءٌ نجمت عن كلّ مراحل العمل في الكتاب (صفّا وإخراجًا وتصحيحًا وطباعةً).  وفيها كل أنواع السّقط من سقط حرف إلى سقط قصائد كاملة، فسقطت كلمة الصور من هذا الشطر: وبدت لكم بعضالصّورْ، وكلمة هتافا من هذا الشطر: ولأمر يدوي الفضاء هتافا. وسقطت أبيات كاملة، ولا أتحدّث هنا عن الأبيات التي حذفتها اللجنة الكريمة قصدًا مثل الأبيات الخمسة المحذوفة لسبب سياسي من قصيدة “جيش العراق” دون إشارة إلى ذلك أو تنبيه. بل أعني الأبيات التي سقطت سهوا أو نتيجة سبق نظر أثناء صفّ الكتاب أو نتيجة متابعة نسخة بيسان دون الرجوع إلى طبعة وزارة الإعلام. ومن ذلكسقوط أربعة أبيات من قصيدة “في رثاء شيخ الشريعة”،وسقوط بيتين في صفحة واحدة من قصيدة “عتاب مع النفس، وبيتين من  قصيدة “ماذا أغني”  وقد أحصيت سقوط 53 بيتا من الديوان.

وقد وقع خطأ لا يغتفر – نتيجة خطإ في تجميع الملازم بالمطبعة، وعدم مراقبة الديوان- أفسد هذه الطبعة وضرب مصداقيّتها، وأتمنى أن يكون في بعض النسخ لا في جميعها، إذ طارت ملزمتان (32صفحة) في موضعين مختلفين آخر المجلد الثاني وحلّت محلّهما 32  صفحة مكرّرة من المجلد الثالث. فسقطت بذلك من الديوانثماني قصائد بتمامها، فهل يصدُق وصف الوزير بعد هذا النقص بأنها “أكمل طبعة على الإطلاق” ؟ !

وغير السّقط هناك التكرار، ففي قصيدة “تذكّر العهود” مثلا كُرّر البيت التالي:

وكيف تصول لردّ الصّيال … يمين لها عضد طائح

بعد ستة أبيات. ومثلها في قصيدتي “الحزبان المتآخيان” و”يوم الشمال”

وحين أضافت اللجنة قصيدة “يوم التتويج”إلى الديوان التي كان يصفها الجواهري بزلة العمر والنكبة والهاوية- ويرفض أن يحويها ديوانه، غفلتْ أنه بعد ثماني صفحات فقط نجد قصيدة “أطياف بغداد” من 24بيتاوهي جزء من”يوم التتويج”، فكان يجب حذفها،  وقد تكرّر هذا مع قصيدة “أمين لا تغضب ” التي أثبتتها اللجنة كاملة ولكنها لم تحذف قصيدة “يا دارة المجد” في المجلد نفسه لأنها جزء منها.

استقامة وزير

لا أدري كيف استقام للوزير رئيس اللجنة  -إذا تجاوزنا النقص والتكرار إلى الضبط والتّشكيل-أن يقول في مقدمته أن هذه الطبعة “تلافت الأخطاء اللغوية والطباعية” التي شابت الطبعات السابقة للديوان، ولو أقسم شخص أن أخطاء هذه الطبعة بالآلاف ما كان حانثا.ويكفي أن أذكر أن قصيدة “طرطرا” مثلا فيها أكثر من خمسين غلطة تشكيل. والأخطاء المتكررة كثيرا هي تشديد الفتح (الرَّجال) بدل تشديد الكسر (الرِّجال) ، ووضع حركة واحدة بدل التنوين ممّا ينتج عنه كسر البيت. ومن الأمثلة الفاقعة تشكيل البيت التالي هكذا:

أَوْ لَمْ يُفِدْكَ مَطْهَرٌ .. فلقد يُفيدُ مطهران

وصواب التّشكيل الذي يحافظ على سلامة الوزن:مُطَهِّرٌومُطَهِّرانِ.

واللجنة اتبعت كعادتها تشكيل طبعة بيسان ولو كان مغلوطا. فمن أخطاء التشكيل التي تبدو هيّنة لكنّ أثرها كبير إهمال  الشدة في كلمة وشَّى في قول الجواهري (1/239): مثل ما وشَى بها الرّوض المفوف ، فاختلّ وزن البيت وفسد المعنى وتغيّر. ويغني هذان المثلان عن آلاف الأخطاء تراوحت بين البسيط وبين ما يكسر الوزن ويقلب المعاني. والأسوأ من أخطاء التّشكيل أخطاء الضبطفهي كثيرة ومتنوعة أيضا منها: بدت القصور العامرات حزينة، والصّواب الغامرات وهي عكس العامرات، ونقطة واحدة تقلب المعنى أو تجعله مستغلقا كما وقع في الشطر التالي: كأنّالغصون على وجنتيه، هي صورة سوريالية لا نفهمها إلا إذا قرأنا: كأن الغضون على وجنتيه أي التّجاعيد. وأسوأ أنواع الضبط ما ينتج عنه كسر عروضي فما بالك إذا كان في ديوان شاعر  كالجواهري كتب الشعر أزيد من ثمانين سنة ووصف نفسه بأن القوافي أكلت لسانه.  وللأسف تعددت الاختلالات الوزنية في هذه الطبعة فبعضها قديم من طبعة وزارة الإعلام لم تصحّحها اللجنة الكريمة وبعضها الآخر من طبعة بيسان وأضيف إليها جديدناتج عن أخطاء ضبط أو صفٍّ. فمن القديم الذي لم يصحّحالبيت التالي:

وبلاء الأديان في الشّرق هوج … باسمه ساموا النّفوس احتكارا

فالتفعيلة الثانية من عجز البيت (مُوا النّفو) ينقصها سبب خفيف. وهو ممّا فات طبعة وزارة الإعلام ولم يصحّح في الطبعة الجديدة.أما كسور هذه الطبعة فعديدة منها خطأ تكرّر مرارا وهو وضع هذه بدل هذي مثلا: زمان مضت أولاه هذه أواخرهْ = والصّواب : هذي. أو هذا الضبط الذي حوّل الشّطر من بحر الخفيف إلى بحر الرّمل:وخطوب ألبَستْني غير بردي،وصوابه : أَلْبَسْنَنِي، وكان يمكن أن يُعدّ خطأ طباعيّالولا أنّه ضُبط بالحركات. ومن الكسر الفاحش الذي تابعوا فيه طبعة بيسان قول الجواهري :ناطف القلب لنْ يُنغِصَ هواه، فإذا ضبط هكذا يكسر البيت وإذا جزم الفعل خطأ نحوي، وصوابه لم ينغّصْ.وكان على اللجنة أن تشير إلى بعض الظواهر العروضية في شعر الجواهري، كتغيّر الوزن وأحيانا في البيت الواحد من قصيدة “أيها الأرق” وقد فعلت ذلك لجنة وزارة الإعلام. ومما نجده ملحقا بالكسور العروضية أخطاء القوافي فمن ذلك ما جاء في قصيدة “في رثاء شيخ الشريعة” أبِنْ ما لهذا الدّين ناحت منابرُهْ، فالقصيدة تنتهي بالهاء الساكنة ولكنّها وردت مضمومة في القصيدة كلّها ممّا أخرجها عن أضرب بحر الطّويل المعروفة.ومن ذلك هذا الخطأ في هذا الشطر: أرى فيه لي نابًا حديدا ومخلبا،وقوافي القصيدة كلّها: حاصبا، مراكبا، غاصبا، محاسبا. ومع أنّ رواية الشطر في طبعة وزارة الإعلام صحيحة وهي: أفسّر منه ما أراه مناسبا. إلا أن المشرفين على طبعة وزارة الثّقافة تابعوا طبعة بيسان في اختيارٍ ينتج عنه سنادُ التأسيس وهو عيب من عيوب القافية.

ومما يدخل في العروض تقسيم البيت المدوّر وهذا الخطأ تكرر للأسف في الديوان كلّه وفي عشرات المواضع. وما دامتاللجنة ارتأت فصل الأبيات المدوّرة فكان عليها ضبط مكان الفصل فهو ليس اعتباطيّا، ويكفي أن قصيدة “درس الشباب” فيها 30بيتا مدوّرا أصابوا في فصل بيت واحد وأخطؤوا في 29! بل في بعض الأحيان يكون الفصل فاحشا كما في تقسيم هذا البيت:

يا من بشعرك ظنّت الأقوام أن الشعب راقي

يغلب على ظنّي غلبةً تلامس اليقين أن الديوان لم يُراجع بعد إخراجه حتى لا أقول ولا قبل إخراجه، وإلا فكيف فات اللجنة انتقال تسعة أبيات كاملة في قصيدة “الأحاديث شجون” من محلّها بعد البيت 18 إلى مطلع القصيدة !! أو  أن يتبادل هامشان موقعيهما في قصيدة “ناجيت قبرك”؟ ويا ليتهم لم يتابعوا الطبعات السابقة في إفراد العناوين بصفحة تليها صفحة بيضاء إذن لوفّروا مجلدين كاملين من الورق الفارغ، فنسبة الصفحات المفردة للعناوين بلغت أكثر من ربع المجلد الثاني. وكذلك هي في بقية المجلدات.

كان في مقدور اللجنة ووراءها وزارة الثقافة بثقلها المعنوي والمادي أن تقدم طبعة من ديوان الجواهري تنسخ كلّ ما قبلها، من غير  أن تستنسخ طبعة بيسان بلا إشارة،ألم يكن الأولى  عوض أن ينقلوا شرح الكلمات البسيطة من طبعة بيسان مثل:   رُقية والقنوط ويشلُّ  وتسكّع وفراديس وأحجية، أن يشرحوا: رودة، منخوب، صحاصح، وخد، أغدف، رهل بادن، العضاب، نقق، وغيرها مما صار من الغريب في زماننا. لقد ذُكرت في لجنة وزارة الثقافة أسماء نجلّها ونحترم علمها، فإن كانت لم تطّلع على الديوان فمصيبة، وإن كانت قد اطّلعتْ وغضّتِ النظر فالمصيبة أكبر. وبعد كلّ هذا يحقّ لنا أن نسأل: لو قدّر للجواهري أن يطّلع على هذه الطبعة أكانت تُرضيه؟ أترك الجواب لضمائركم.

{ كاتب وناقد

مشاركة