ديمقراطية من طراز خاص ـ صباح علي الشاهر

190

ديمقراطية من طراز خاص ـ صباح علي الشاهر
كم هي العجائب في الوضع العراقي، حتى الديمقراطية المُسلفنة لم تُطبع العراق بطابعها، بل تطبعت هي بطابعه، وما عدنا في حقيقة الأمر نُحدد من هو الديمقراطي فعلاً، لا بل ما عدنا نعرف ماهيّة الديمقراطية، حتى في أكثر الأنظمة شمولية وهرميّة يتم تنحيّة أعلى مسؤول عن هرم القيادة، وابداله بغيره عبر عملية انتخابيّة تجري في هرم القيادة، حدث هذا مثلاً عندما أقيل خروشوف وأبدل ببرجنيف، وتكررت أمثال هذه الظواهر حتى في أعتى الأنطمة الاستبدادية، عندما يرى الحزب أو التنظيم أن مصلحته تقتضي ابدال المسؤول الأعلى بغيره قصد استمرار الحزب أو التنظيم في الحكم، أو في قيادة الشارع.
مثل هذا لم يحدث في بلد الديمقراطية المُسلفنة المستوردة على أسنة الرماح، اذ لم يتم استبدال القيادات العليا في تنظيمات ما يعرف بالعراق الجديد، اللهم الا ابدال الشقيق بشقيقه، والأب بابنه.
علاوي مسؤول الوفاق منذ انشائه، والجلبي مسؤول المؤتمر منذ انشائه، ومسعود تسلم القيادة بعد أبيه، والصدر توارث مجد آبائه، والحكيم تسلم الأمر من أبيه الذي تسلم من أخيه، والطالباني منذ ما يناهز النصف قرن وهو في قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني، ومن المحتمل أن يرثه ابنه أو ترثه زوجته، أما مسعود، فمسرور موجود على القائمة ومتهيئ للوراثة، وربما يُهيئون ابن عمار منذ الآن، ولا ندري هل يوجد مُقتدى صغير تتم تهيئته.
ولا يظنن أحد أن التنظيمات الكبيرة والفاعلة هي وحدها من تتصف بهذه الصفة، فحتى تلك التنظيمات الصغيرة والمجهرية تتسم بهذه السمة غير الحميدة، والتي لا تربطها بالديمقراطية أية رابطة، ولا يقتصر هذا الأمر على التنظيمات الاسروية والطائفية، بل يشمل أيضاً تنظيمات اليسار، والأشد غرابة أنه يشمل حتى التنظيمات المهنية.
مسؤول الحزب عفواً التنظيم فليس لدينا أحزاب، لأنه أساساً لا يوجد لدينا قانون للأحزاب، فان ادعت أي من هذه التنظيمات بانها حزب فأنها ستكون في هذه الحاله غير شرعية وخارجة على القانون، اذ من أقر وجود هذه الأحزاب ووفق أي قانون؟، مسؤول التنظيم في العراق الجديد، كشيخ العشيرة في هذا الزمن لا يتغيّر، حتى ولو كان عاجزاً، لا يتغيّر الا بالموت، واذا تغيّر فمن نفس العائلة، ونفس البيت، وحسب قول العراقيين نفس الطينة .
لم يحدث في أي بلد من البلدان الشمولية، باستثناء سوريا، وكوريا الشمالية، وأذربيجان أن توارث الابن قيادة التنظيم والدولة بعد وفاة أبيه.
عبد الناصر لم يترك لأبنائه شيئاً، ولا حتى منصب سياسي مهما كان صغيراً، أعدهم علمياً ومهنيّاً وتركهم لحال سبيلهم، والخميني لم يُورت ابنه القيادة بعده، ولا أيا من أفراد عائلته، ولا نتحدث عن نلسن ماندلا فهذا قامة بشموخ حصاروست، أو قمة الهمالايا، أما القادة العرب، بلا استثناء، فهم سفح تلة بالنسبة له.
نوري السعيد لم ينصب ابنه صباح قائداً بعده، ولا فعل هذا كل القادة السياسين، بدءاً من أبو التمن، مروراً بالجادرجي، وصولاً الى قيادات التنظيمات كافة.
واذا كنا لم نعرف بعد تسليم القيادة عبر عملية انتخابية من شخص الى آخر، فاننا شهدنا وطيلة عمر هذه التنظيمات التي اصر على عدم تسميتها باحزاب الانشقاقات، والانسلاخات، بحيث أصبح لدينا تخمة في عدد التنظيمات والتشكيلات.
لم يكن بالامكان تغيير وإبدال المرحوم مصطفى البارزاني في حينه، فكان أن انشق الحزب بقيادة الطالباني، ودعم كريم أحمد فتشكل الاتحاد الوطني الكردستاني، ولم يكن بالامكان تغيير جلال الطالباني فيما بعد، فكان أن انشق نائبه مصطفى انوشيروان فأسس التغيير، ولم يكن تغيير الصدر، ولا حتى اقناعه بشيء، فكان أن انشق الناطق الرسمي باسمه قيس الخزعلي فأسس عصائب أهل الحق ، وانشطر الدعوة الى دعوات بأسماء شتى، وحزب الله الى حزبين، والعراقية الى عراقيات، حرّة وعربية وغير ذلك من مُسميات، وأصبح كل من يملك نفوذاً ومالاً، ودعماً من أية جهة قائداً لتنظيم صغير يصنعه هو ويتحكم به على هواه، وأضحت التنظيمات دكاكين بحق، مملوكة للمقتدر مالياً، تدار من قبل موظفين معتمدين بالقطعة أو اللزمة.
ما هذا الحال المايل، وكيف يمكن أن يُبنى البلد؟
أن يبرز مجتهد نتيجة أعلميته وتفوقه على أقرانه، فهذا لا يعني أنه سيّورث أبناءه الاجتهاد والأعلمية، ولا حتى المناقبية، تماماً مثلما لا يُشترط أن يور ث الشاعر المُجيد الشاعريه لأبنائه، ولا العبقري العبقرية لمن هو من صلبه، وما يحدث في العراق لا مثيل له في أي مكان، فأغلبيّة القيادات السياسية قيادات تعتاش على أفضال وأمجاد أموات.
هل يستطيع أحد في المجلس الاسلامي تغيير عمار بغيره، ممن هو خارج الأسرة الحكيمية؟
وهل يستطيع أحد في التيار الصدري تغيير مقتدى الصدر بغيره من غير الأسرة الصدرية الكريمة؟
وهل يستطيع أحد تغيير مسعود بغيره من خارج الأسرة البارزانية؟
هذه أسئلة لا تُثار عبثاً، وانما هي ضرورية جداً اذا كنا نريد فعلاً بناء نظام ديمقراطي حقيقي، واذا كنا لا نريد دفن رؤسنا في رمال الوهم.
الديمقراطية تعني أن الشعب يحكم نفسه، لا أن يحكمه طاغ مستبد، أو مجموعة من الطغاة والمستبدين، لا بل أن حكم مجموعة طغاة أشد وبالا على الشعب من حكم طاغية واحد، تماماً مثلما ان خضوع المواطن لقانون واحد شامل عام وان كان سيئاً، مهما كانت مثالبه، أهون وأرحم من خضوعه لعشرات القوانين الاعتباطية الفئوية، وخضوعه لسلطة واحدة، وان كانت مستبدة أرحم بما لا يقاس من خضوعه لسلطات استبدادية تتوالد باستمرار، ولا يعني هذا أننا ندعو لوحدانية النظام المستبد، وانما ندعو للديمقراطية بمفهومها الصحيح، حيث يخضع الناس لسلطة واحدة، تحكم بالعدل والمساواة بين مواطنيها، الذين يخضعون لقانون واحد مُلزم للجميع.
AZP07